أنشودة “الأكرف” تعيد ذاكرة العرب والبوصلة نحو فلسطين

التصنيف : فن وثقافة (:::)
سلمى البردوني – اليمن (:::)
ليس بعيدا عن تميز الأدب في العام 1982 الذي شهد فيه العالم العربي قصيدة “مديح الظل العالي” التي كتبها الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، فدوت في أسقاع الوطن العربي على أقل تقدير، أعادة قصيدة “كنتُ وحدي يا ابن غزة” البوصلة بعد أن أنشد جزء منها صاحب الصوت المميز أداء وجمالا المنشد الكبير حسين الأكرف.
وليس صدفة أن تتقاطع حالة الاستفراد ولو جزئيا في قصيدة (مديح الظل العالي) مع رائعة الشاعر منير النمر، ورغم اختلاف النسقين الشعريين في القصيدة، إلا أن حالة الاستفراد تستمر بأشكال متشابهة ومتداخلة جعلت من شعب فلسطين أعزلا يقاتل بعيدا عن النظام العربي.
ويبدو أن الاستفراد والتفرد بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية كان وما زال سياسة استراتيجية متواصلة حتى لحظتنا الحالية، وشهد العالم العربي استمرارا لحالات التفرد وقد نشطت الجماهير العربية في ما يعرف بـ”الربيع العربي” حيث الصمت المطبق عربيا سيد الواقع فكل شعب كان يواجه مصيره بنفسه في مصر أو ليبيا أو تونس أو المنامة أو غيرهم من العواصم العربية.
وفي غزة (العدوان الحالي في شهر 7/2014) كان الشعب الفلسطيني وحيدا في تشابه لحد كبير مع الشعوب التي واجهت حكامها في الربيع العربي، ووسط تعقيدات المشهد حاليا في غزة نجد ضعفا وصمتا للجامعة العربية وفي الأداء السياسي، وعلى صعيد عربيٍّ مشابهٍ للصمت في فترة اجتياح بيروت (الظل العالي) تخرج لنا أنشودة “كنتَ وحدك”، كاسرة كل هذا الصمت، في مشهد يعيد للذاكرة العربية كسر محمود درويش ومرسيل خليفة للصمت العربي، ما يعني أن موسيقانا عادت لنا من جديد.
المنشد الأكرف يتمتع بخامة صوت مميزة جدا عربيا،  واختار هذه المرة قصيدة للشاعر السعودي منير النمر، قصيدة تمكنت من إعادة الذاكرة الملأى بغضب الشعوب العربية، فحصل في قلب كل عربي تفاعل عكسته وسائل التواصل الاجتماعي في كل بلدان العالم العربي؛ ولأن الكلمات والأداء والإنشاد أكثر من رائعين تحقق النجاح الكبير للنشيدة التي لا تقل أهمية عن كل ما سمعناه من فن وأدب ملتزم.
ذكَّر كل شيء في العمل الفني النخب العربية الصامتة بأهمية الإنشاد والغناء الثوريين الذينْ لم ينضبا كما يعتقد البعض من نخبة العرب. ولعبت الثنائية الكبيرة للقامتين (النمر /الأكرف) تأثيرا واضحا في الرأي العام العربي، لكن هذه المرة لا الشاعر (النمر) ولا المنشد (الأكرف) فلسطينين، بل عربيين من دولتين مختلفتين جمعتمها القضية الفلسطينية، وهو ما يتخوف منه الشعراء الإسرائيليين الذين يريدون الاستفراد بالشعب الفلسطيني على كل الصعد والأدب والشعر واحدا منها.
إن هذا الصمت كسرته الأنشودة أدبيا وثقافيا على نطاق واسع، ولم تكن القصيدة منفردة أن تقدم هذه الخدمة للقضية الفلسطينية، ولم يكن الإنشاد ليكون بهذا النجاح لولا الكلمات الرائعة، تماما كما خدم شعر القامة درويش القضية الفلسطينية مع لحن وأداء المغنين أو المنشدين الثوريين أمثال جوليا، ومرسيل، وأميمة…
حققت النشيدة تفاعلا تصاعدا ضد إسرائيل، فالمواطن العربي دون بلغات مختلفة منها العبرية رأيه فيها، ودون تعليقات مهمة تعكس الحدث على إسرائيل في يوتيوب، ووصل المشاهدات في ساعات قصيرة إلى لأكثر من 16500 مشاهدة، كما تم تناقل الأنشودة في كل الوسائل، منها وتس آب وفي هواتف أهلنا في غزة، حيث أخبرتني صديقتي هناك أن هاتفها الذكي تسلم رسائل كثيرة تحوي الانشودة، فيما الغارات مستمرة على رؤوسهم الشريفة التي أنحني لها لأقبلها.
والقصيدة (النمر)، النشيدة (الأكرف) ليس صدفة أن تحقق نجاحا كبيرا انعكس على التناقل الهائل، كما أشرت، وتحديدا في توتر في هاشتاقات غزة وغيرها، كما ليس صدفة أن ينال منها شعراء إسرائيليين ينشطون ضد الثقافة المعادية لإسرائيل أدبا وشعرا…،
إن هذا النجاح الذي تفاعلت معه الشعوب العربية ساهم بتوجيه رسالة شديدة مفادها أن الشعب العربي بكل طاقاته، ونخبه الشريفة هم مع الشعب الفلسطيني.. أن الشعر العربي الشريف والمقاوم لم يمت، بل نجده مطولا أساليبه وصورة المبتكرة خدمة للإنسان، مستوفيا شروط القصيدة العربية الجميلة التي يرى بعض الشعراء العرب عدم تحققها مع الحدث، هنا تأتي النشيدة لتقول للجميع “كم أنتم مخطئون.. هنا إبداع”.
تشير الرسالة أن الشعر العربي لم يوضع في ثلاجة الموتى كالشأن السياسي العربي، بل هو حاضر ومآزر للقضايا العربية المحقة، تقول بأن الغناء الثوري في لحظة الحسم جاهز ليقدم الأفضل أدبيا وشعريا، بأن أيام محمود وسميح والجواهري ونزار قباني وأحمد مطر ومظفر النواب وبقية العمالقة لم تمت، فكما يستمر النضال من مقاوم لمقاوم، تخرج أجيال مبدعة، فكأنما الراحلون يسلمون القادمون الراية. وعلى إسرائيل وأدباءها أن يعلموا أن الوطن العربي بجيله الجديد يرفض التطبيع، مهما تم الصلح مع الأنظمة السياسية العربية أو الحكومات الفلسطينية.
وليس صدفة أن يتجه الشاعر الفذ في زمن الصمت العربي المطبق الشبيه جدا بما كان الحال عليه إلى التركيز على الاستفراد بالشعب الفلسطيني، ويزيد في الدلالات على ما جاء به محمود درويش، إذ يحيل المتلقي إلى المآسي التي تعيشها الشعوب العربية، وهي مآسي مستحدثة بها نزاعات سياسية خلقت واقعا إنسانيا مغايرا في مشهد القصيدة (النمر) عن مشهد قصيدة (الظل العالي/ درويش) رغم حصول تجانس في المفردات، وتتضح رؤية ما أعني بالرجوع للنص كاملا، وهو منشور في وكالات وصحف عربية عدة تحت عنوان “كنتُ وحدي يا ابن غزة”، بيد أن المنشد الأكرف في رائعته التي أبكت كثيرا من الجمهور العربي أوصل رسالة القصيدة من مقطعها الأولى فقط.
بدأ النمر قصيدته بقوله: ”
كمْ كنتَ وحدكَ يا ابن غزّةَ.. كنتَ وحدكَ
يا ابن دمي .. كنتَ وحدكْ.
وعلى الرياحِ القاتلاتِ، على السنابلِ والحقول الظامئاتِ
أكونُ وحدي في دمشقَ عروبتي..، وعلى المنامة حلم أمنيةٍ يتيمهْ.,
حاملاً جسدي كمقلاعٍ ووردهْ..
كنتُ وحدي.. كنتُ وحدي.. الكلّ وحده.
فانتشلني، أرفع البارود عنّي يا ابن دميِّ، الموت أقرب من خيالٍ
هزّ غزّةَ، أو دمشقَ، أو العروبة، أو منام الراحلين على المحبهْ…،
كنتُ وحدي.. كنتَ وحدكْ.
وأعتقد أن المنشد الأكرف أدرك بذوقه الفني مدى المشاعر الفياضة التي أضفت عليها تقسيمات الشاعر الموسيقية المبتكرة الكثير من الوجع، فكان الصوت المناضل الموجع متمثلا وجاهزا لعكس واقع القصيدة العملاقة لتصل لنا، فنبكي تارة وتارة نشعر بأهمية مناصرة المقاومة عبر كسر حواجز التفرد الذي أسس له القصيدة كاملة لتضيف رؤية شعرية معاصرة وجديدة في دلالتها عما سبقها من شعر في الوطن العربي.
أخيرا نشكر المنشد الكبير حسين الأكرف على عمله العملاق، ونشكر الشاعر العربي الكبير منير النمر على كلماته الرائعة في القصيدة التي أعادت ذاكرتنا نحو البوصلة الحقيقية لا الداعشية أو القاعدة، متمثلة في بوصلة فلسطين..