غزة من الإندماج إلى ألإنفصال

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)
د. ناجي شراب – فلسطين المحتلة (:::)
على الرغم من توقيع إتفاق غزة للمصالحة الذي حمل إسمها ، لكن الواقع القائم ما زال يؤكد أن الفجوة كبيرة بين المصالحة كإتفاق مكتوب على ورقة واحده، وبين مظاهر الإنقسام التي ما زالت هى الأكثر بروزا وفعالية حتى مع تواجد ممثلى لحكومة التوافق ، فما زالت بينة الإنقسام قائمه، وما زال قرار المقاومة بعيدا عن قرار المصالحة ، وكأن غزة تعمل بعيدا عن إطار التوافق الوطنى ، والغرابة في الموقف القائم أنه كان يفترض أن يكون هناك نائبا لرئيس الوزراء مقيما في غزة وليس في الضفة الغربية . وفى ظل غياب الرؤية الإستراتيجية للتصالح، وغياب المنهاجية الوظيفية القادرة على التدرج في حل المشاكل اليومية وأبرزها مشكلة الرواتب، والمصالحة في أوسع معانيها تعنى حلا لهذه الملفات التي تمس حياة المواطن كالرواتب،أو الكهرباء، او الصحة ، ولو تم حل هذه الملفات لكانت المصالحة قد رسخت قدماها على ارض الواقع، ولقلنا أننا في الإتجاه السليم نحو المصالحة ، لكن التبريرات كثيرة ، من ناحية الضغوطات الخارجية علي السلطة ووقف مسادعتها ، ألم يكن معلوم عدم القدرة على الدفع وقلة المال، ومن ناحية الخوف من الضغوطات على السلطة ، ووقف الدعم لها بتهمة دفع رواتب لموظفى حركة حماس التي توصف بالإرهابية في سياسات الولايات المتحدة وأوربا وإسرائيل.ألم يكن معلوما هذا ألأمر عند توقيع إتفاق المصالحة ؟ألم يكن ممثل حركة فتح الذي وقع الإتفاق السيد عزام ألأحمد مع رئيس حكومة غزة السيد إسماعيل هنية انه يوقع مع ألأخير بصفته أيضا نائبا لرئيس حركة حماس، وبحضور قيادات من القوتين ، والعالم كله يشهد التوقيع؟ إذا كان هناك إدراك ومعرفة مسبقة فلماذا هذا التباطؤ، والتلكؤ بل وأحيانا التهرب، وإذا لم يكن معلوما فهذه مصيبة السياسة الفلسطينية ، توقع على شئ لا تعرفه. ولهذا بدأت المصالحة تترنح، وتتراجع، وبدأت أصوات الإنقسام تطل برأسها من جديد، ويافرحتها بهذا الفشل، لدرجة عدنا نسمع نفس مفردات الإنقسام السابقة بل وبدرجة أقسى، وبعبارات أحيانا مقززة ، وتسئ للشخصية الفلسطينية النضالية ، وكأننا في مباراة أو سوق نبيع فيه عبارات الوطنية ،التي لم تعد تنطلى على المواطن الفلسطينى ،والذى يدفع ثمن هذا التدهور، فما ذنب الموظف الفلسطينى التابع كما يوصف للسلطة ألا ياخذ راتبه، وتغلق البنوك بقوة أمن موظفى غزة ، كما ما ذنب موظفى غزة ألا يستلموا رواتبهم، وهكذا تتفاقم المشلكة وتتضخم ،وفى النهاية الإنهيار ليس للمصالحة ، ولكن لغزة كلها.وفى هذا التصور العام تتارجح غزة بين أكثر من سيناريو ، ما بين أن تندمج في الجسد الفلسطينى وتعود لطبيعتها وفطرتها الفلسطينية ،وإما أن تذهب بعيدا ، وتسلخ من هذا الجسم لتشكل جسما غريبا ومناكفا وناخرا في الجسم الفلسطينى ليحوله لجسم هزيل ضعيف يسهل إبتلاعه من قبل المستوطنيين الذين يتوغلون في الأراضى الفلسطينية ، لتنتهى الصورة بصورة جديدة ليس لها علاقة بالشعب الفلسطينى ، ولا بالقضية الفلسطينية . هذه السيناريوهات المتوقعة لغزة لا تخرج عن ثلاث سيناريوهات هى : سيناريو المصالحة السلبية ، اى بالإبقاء على الأمر الواقع كما هو ، فمع التسليم بفشل المصالحة وعجزها عن حل المشاكل الحياتية اليومية ، لكنها تبقى قائمة تخوفا من البديل للفشل في هذه المرحلة ، فلا حماس قادرة على مواجهة فشل المصالحة التي تحتمى بها ، ولا السلطة والرئاسة الفلسطينية قادرة على التعامل مع الفشل لأنه يعنى فشل لخياراتها أيضا ، وإتهاما انها لا تمثل إلا نفسها. هذا السيناريو وعلى سلبيته ، لكنه يمثل الحد الأدنى للمصلحة الفلسطينية ، وقد تتدفق في عروقه نبضات من الحياة بالعمل على ي إيجاد حلول لملفات الرواتب وغيرها في هذه المرحلة ، ويمكن تحويلها إلى السيناريو الثانى ،وهو سيناريو المصالحة الإيجابية ، وهذا السيناريو يمثل ذروة التوقعات الفلسطينية ، والذى بموجبه لا تخضع السلطة ولا حماس لأى ضغوطات تعمل لإجهاض المصالحة ، وفى إطارة تفعل بنية المصالحة ،وتوجد حلول للملفات الفلسطينية التي قد اوجدتها حالة ألإنقسام التي نجحت في بناء بينة إنقسام يصعب حلها بمجرد قرار أو توقيع، وبتفعيل إطار منظمة التحرير الفلسطينية ، وبإمكانية التوصل لرؤية أو مشروع فلسطينى يستجيب لإستحقاقات المرحلة الإنتقالية ، وصولا لإجراء الإنتخابات الفلسطينية التي قد تفرز شرعية سياسية جديدة بدلا من الشرعية المنتهية ، و بإلزام إسرائيل والولايات المتحدة بمشروع الوحدة الفلسطينية ، وبرفع الحصار عن غزة ، وعودة الحياة العادية لها ، في ظل الكل السياسى الفلسطينى الملزم، وبالعمل علي تسويق غزة سياسيا ، ويتطلب نجاح هذا السيناريو أن تبدى حركة حماس مزيدا من التكيف والمرونة السياسية مع الرؤية الفلسطينية التوافقية ، وأن تلتزم كما السلطة وفتح بهذه الرؤية ، في إطار نظام سياسى واحد، وشرعية سياسية واحده، ومصلحة فلسطينية واحده، وفى يقينى نجاح هذا السيناريو يتوقف على حماس إلى درجة أكبر. وأما السيناريو الثالث وهو السيناريو ألأسوأ سيناريو الإنفصال وإعلان الإستقلال الذاتى ، وهو السيناريو الذي تريده إسرائيل، وكل من يعمل ضد المصلحة الفلسطينية لحساب مصالح أخرى ، وهذا السيناريو وإن كان سهلا إتخاذ القرار بشأنه، لكنه يتعارض مع الفطرة التي ولدت عليها غزة ، ومن ناحية أخرى تحكم هذا الإعلان القدرة على إيجاد حلول للعلاقة مع مصر من ناحية ، ومع إسرائيل من ناحية أخرى ، ومع الولايات المتحدة وأوربا التي تطالب حركة حماس بإحترام ألإتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل. ويبقى مصير هذا السيناريو محكوما بمحددات داخلية وأقليمية ودولية ، لا يمكن أن تجعل منه خيارا قابلا للحياة ، وخصوصا في ظل الإحتلال الإسرائيلى . فالأولوية لإنهاء الإحتلال الإسرائيلى  وقيام الدولة الفلسطينية وليس الإنفصال.
دكتور ناجى صادق شراب
drnagish@gmail.com