العبودية الحديثة بإسم الولاء

 

التصنيف : اراء حرة (:::)
الكاتب : غاندي أبو شرار – الاردن [(:::)
” يرى صُناع القرار في الأردن أنه ينبغي على المواطن أن ينظر إلى الحكومة كجزء من مصلحة الدولة العليا , و يُعتبر أي نقد لها إنتقاص في درجات ولاءه ”
– يعبث صُناع القرار لدينا في الأردن للأسف بمصالح الوطن و الدولة لتنفيذ سياستهم التي لا يرون لها مثيلاً في الصواب و الدقّة , و التي لا تقبل حسب رأيهم , المجادلة او النقاش مع الأخرين , طالما مكنتّهم سُلطتهم التي منحوها لأنفسهم من تصنيفها تحت مسمى مصلحة الوطن , حتى و لو كان هؤلاء الأخرون يُمثّلون جزءً و طيفاً من هذا المجتمع الذي نعيش فيه  ,
أمّا الآليّة التي يتّبعها صُناع القرار لدينا لتنفيذ سياستهم الأفلاطونية تلك , فهي تتمثّل في الربط غير المنطقي و المقصود بين ” سياسة الحكومة و تصرّفاتها و مصلحة الدولة العليا ” و هذا نقيض للأعراف المتبعة في كل دول العالم المتحضرة , و لا يكاد يوجد مثل ذلك الربط و لا حتى شبيهٌ له إلا في الدول التي تنظر إلى شعبها نظرة إستخفاف و إحتقار , نظرة فوقية , إستعلائية  , معتبرة إياه مجرد أداة للسخرة و الإستهلاك و تنفيذ السياسات ليس إلا , لعل أقرب وصف لذلك المشهد يتمثل بنظرة السيد لعبده , في وقت كنّا نعتقد فيه أن العبودية قد إنتهت منذ قرون , لنكتشف أنها ما زالت موجودة و بات  لها شكلٌ و مظهرٌ أخر , يتمثل بإتباع العبد لفكر السيد .
و أقرب مثالٍ حيٍ لذلك , لنفترض أن رئيس الحكومة لا يريد من وكالة إعلامية أن تنشر خبراً معيناً , فما هو الرد المتوقع لذلك الطلب ؟
على الفور سيبادر محرر الوكالة بالقول له , حاضر سيّدي , حتى و إن لم يكن مقتنعاً بجدوى عدم النشر ! و لنقس الأمور على أمر أو طلب و قد صدر من معالي أو من مدير الأمن العام أو مدير دائرة المخابرات العامة , هو ذاته نفس المشهد و ذات الرد .
ما الذي مكّن ممثل السلطة التنفيذية من التغوّل على السلطة الرابعة ( الإعلام ) أو الثانية ( من المجلس النيابي ) أو من قيادة الطابور الخامس .
إنها مصلحة الوطن ,,, هكذا يفكّرون , أو بالأحرى هكذا يريدون منا أن نفكر ونعتقد .
من المبكر جداً أن نتحدث عن مساوىء ذلك التغول على السلطات و هذا ليس موضوع حديثنا ,  أو نحاول إيجاد الحلول المانعة لذلك , كما أنّه في ذات الوقت من المبكّر أن نتحدث عن وجود ضبابية معيقة للعمل و الحركة في شفافية و نزاهة الحكومة و المطالبة بإصلاحها , بل و من المبكّر الحديث عن تأثير كل ما سبق على تراجع مؤشرات التنمية السياسية أو الحزبية أو الإقتصادية أو الإجتماعية, طالما يتشبّث صُناع القرار لدينا بالربط بين تصرفات الحكومة و النقد الممنوع لها و بين مصلحة الدولة .
إنّ هذا التشبّث غير المنطقي في الربط , خلق للأسف طابوراً خامساً فاسداً في مجتمعنا (هو الأجدر بمعالجته و إيجاد الحلول له ) حيث يتواجد و ينتشر في جميع مشاهد حياتنا اليوميّة …. الإعلامية و السياسيّة و الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و الدينيّة, ربطوا بين واجب الولاء للحكومة  و الطاعة لها و  بين مصلحة الوطن  و الحفاظ عليه , كعقيدة يجب الإيمان بها  .
باتت وظيفتهم تبرير أخطاء الحكومة حينما تًخطىء , و الترويج لسياستها حينما تطلب , و تنفيذ خططها حينما تخطط , متشبّثين بعبوديتهم , حتى و بعد مشيئة القدر لهم أن يتحرروا منها  يوماً .
كل من بات ينادي بالإصلاح بات شاذاً و فارّاً من عبوديته التي لا ينبغي له أن يخرج منها مطلقاً في عرف صُناع القرار لدينا , و إلا , فسيُنعت بالخائن و المقوّض لإستقرار النظام و سكينة المجتمع و الجاحد لنعمتي الأمن و الأمان.
لعل تشبّث صُناع القرار لدينا بربط ” الولاء للدولة بالولاء للحكومة و القبول لسياستها ” قد ساهم في خلق إنقسام كبير و حاد في الرأي بين المواطنين الأردنيين بين مؤيد للإصلاح و معارض له ” و لكن الحسنة الوحيدة لهذا الإنقسام أنه حل محل سياسة التمييز العنصري التي كان يغذّيها إلى يوم كان يوصف بالقريب  بين الأشقاء الأردنيين انفسهم ” أردني – فلسطيني ” فهل من أحد سمع خلال السنوات الأربع الماضية ذلك المصطلح القذر.
لا أعتقد ذلك ,  بعد أن أصبح التمييز قائم الأن بين فاسد و مصلح , فربّ ضارةٍ نافعة .
أتمنى من صناع القرار في بلدنا الحبيب الأردن أن يفصلوا في سياستهم بين ذلك الربط اللاأخلاقي و اللاعملي بين التبعية الفكرية للحكومة و الولاء للوطن و الحفاظ على مصالحه , فالحكومة ليست إلا مجرد أشخاص يخطئون أكثر ممّا يصيبون و يذهبون إلى غير رجعة ,  بينما يبقى الوطن صامداً إلى الأبد .
كما و أتمنى ممن يعتبر نفسه مواطناً من مواطني الطابور الخامس أن يتحرر من عبوديته الفكرية و ليُميّز جيدا بين تصرفات الحكومة و الأشخاص المتنفّذين و بين ولائه و حبه لوطنه  و إن كنت أشك في حصول ذلك التحرر لجزءٍ كبيرٍ منهم , طالما الأمر مرتبط بمكاسب و مصالح شخصيّة .

مقال سياسي للنشر/ مع الشكر والتقدير