الثقافة والمثقف في عالم “الفوضى العربية”(1)

 

التصنيف : دراسات (:::)

د الطيب بيتي – باريس (:::)

“الثقافة هي ذلك البرنامج المتكامل الذي يمكن النظر إليه على نسق متسق من الرموز(اللغة ،الفن، الأساطير، الدين ،الطقوس،أسلوب العيش وأسلوب التفكير، وممارسة التقاليد) تلك الرموز التي تسمح للبشر بعقد صلات ذات مغزى فيما بينهم ومع محيطهم الخاص ، ولمساعدتهم على العثور على معنى لبيئتهم ولحياتهم، من أجل توطيد الإحساس بالأمان الهش والمهدد دوما، امام مرور الزمان ،و المساعدة على مواجهة استفهامات الموت والصمود أمام  مهاجمة الأغيار….،” سيرج لاتوش  من كتابه ” تغريب العالم ”

أبدأ أولا بطرح هذا التساؤل الأنثروبولوجي: هل عندنا حقا”ثقافة عربية” ومثقفون بالإصطلاح ؟–  أم أن النخب  المثقفة العربية ( من ذات اليمين ومن ذات الشمال ومن كل التوجهات (يسارية-علمانية- او لبيرالية او قومية أوإسلامية) ما تزال كلها متهلوسة في الشأن الثقافي العربي والإسلامي منذ إشتغال المنظرين العرب ، بعيدما يسمونه ب”النهضة العربية” التي  كانت  وما تزال-أحاديث خرافة،وأنظارا هجينة – وأشتات فكرلا جامع له سوى التلف والتشتت،يستهدف  تسقط الأغراروالتابعين المغفلين من أقوامنا،وبقي المثقفون العرب  في شواردهم”الثقافاوية” تائهون،ولم يستقروا حتى في منقبة ربيعهم على حال،أوتبثت أقدامهم على مقال،

…ففي البداية ، تسامع المثقفون ” التنويريون” العرب –في الخمسينات والستينات والسبعينات- بمناهج غربية ومدارس ثقافية جديدة في كل مجالات الفكر :من ماركسية و واقعية وبنيوية وتحليلية وتوليدية.،.وإنطباعية وسوريالية ووجودية وتوليفية وغيرها،فحاولوا الولوج إليها عبرما أسموه في مرحلة طغيان الضجيج الإيديولوجي  في الستينات وبعيد “النكسة” ب”حقل المثاقفة”و”مسايرة اللحظة التاريخية” -بمعنى الدخول الى صلب تاريخ ليس تاريخهم ، وحتى تاريخهم الحديث صنعه لهم الإستعمارعبرالتقسيمات الجغرافية ،ورسم الحدود ما بين الأقطار العربية الإخوة،وتنصيب حكومات كاريكاتورية مع مهزلة “نهاية الإستعمارالذي خرج من البوابة ليعود من النافذة -مستغفلين كونها منشآت( سوسيو- ثقافية-إستطيقية) وليدة حضارة الغرب التكنولوجى المعاصر.. التى تعكس قيمه المتصارعة داخل أمهاته الكبرى  من هيلينية ورومانية وتوراتية ومسيحية ووضعية  وعلمانية وتنويرية واستعمارية وحداثية وما بعد –حداتية -وهلم جرا،وانعكاساتها على تاريخه الطويل والمعقد الذى أفرزمفاهيم  إنقلابية حداثية.. مما يدفع المثقف الغربى  إلى الغوص فى معطياته  الخصوصية  ليبدع ثقافة  تستجيب لمرحلته الإنتقالية بأساليب متطورة، تصاغ على شكل ثقافة –مرحلية- متجددة، تستدعيها ضرورات تسارع حاجيات الغرب الفورية والمركزية الأنانية،  للإاجابة على تساؤلاته وصراعاته التى هى من مميزات كيانه العام  التى لا يخرج عنها فى تفاعله اليومى مع الارتجاجات التى تصيبه مع “الاخر” او العوالم الاخرى،  وهذه من صلب طبيعة  الغرب الجوهرية-لمن لا يعرفه من الداخل ايبيستيمولوجيا-
.
وجاء فقهاء القومية العربية فتأثروا بتنظيرات مفاهيمية لقوميتهم من خليط غريب غربي (ألماني– إيطالي ):”بيسمارك-غاريبالدي”فخرج الكثير منهم –عن جهل أوعمد- من نظرية “الإحياء”لشيء كان متواجدا في أحقاب التاريخ -منذ البعثة المحمدية-،ليسقطوا  في”شوفينية”جاهلية،بالإنشغال ب”إحصاء”خصائص التفوقية العربية “الماقبلية”بنعراتها وتناحرقبائلها عبرالإغارات المتبادلة،ومنقبات السبي والكرالفر– (حيث أصل الفكرالقومي  الغربي لإحياء تنظيرات جديدة لبعث  الحركات الفاشية التي ظهرت في فجر القرن العشرين  التي غذت خطابات نشوب الحرب العالمية  الأولى والثانية ،وتغذي اليوم “النازيون الجدد ” في كل العالم الغربي وخاصة في الدول الفقيرة من شرق أوربا مثل بلغاريا والمجروبولونيا ( وأوصل الغرب اليوم فئة منهم إلى سدة الحكم في”أوكرانيا” ) ..، ففتح القوميون العرب على أنفسهم جبهات شوفينية  مضادة كرد فعل مقابل ( تم إحياؤها في مراكز البحوث والدرسات الجامعية  في عواصم الغرب ،وتم تسميدها عبر برامج المنظمات الثقافية العالمية –بدعوى إحياء ثقافات الأقليات المضطهدة على الرقعة العربية ، تروج للإرتداد الى مراحل سابقة على وجود “الأمة”(العربية- الإسلامية) مثل الفرعونية والفينيقية والأشورية والكردية  والأمازيغية إلخ ، يقدم الغرب- لكل هؤلاء الإنفصاليون الجددالأصوليون المتحايلون  من المتزقة (من دعاة “فصل العروبة عن الإسلام” :الكيان الإسرائيلي” كالنموذج الأمثل في مجال “بعث “وإحياء” الأقليات بالعودة إلى فولكلوريات القبوريات وإلى تليد  محنطات المستحاثات العرقية التي لا تتبث أمام البحث العلمي والتي لم يعرضوا لنا أدلة من علوم الحفريات سوى ما عرضته لهم جامعة السوربون منذ الثلاثينات– شاهدناها في أوروبا في معارض الكتب الدولية التي تُوجت فيها إسرائيل كضيف شرف على التوالي في معارض :باريس ،تورينو ،لندن ،شيكاغو وفرانكفورت منذ عام 2008″ الى اليوم “حيث نُصب الكيان العبري ” كعاصمة عالمية للثقافة  “بعرضها للإبداعات باللغة العبرية –في نفس العام الذي إحتفل فيه العرب بالقدس كعاصمة للثقافة العربية  ، ولا أحد يدري عن أية ثقافة عربية يتحدثون !!!)

ثم طغت موجة “المفكرين الإسلاميين” المروجة لما يسمى”بالفكرالإسلامي”– في مراحله الأولى  منذ أواخر القرن التاسع عشرعن طريق : الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا –حيث إرتبطت أفكارالأفغاني وشعاره المعروف” يا مسلمي العالم إتحدوا ” – المبدئية في الشكل  والملغومة في المضمون بمصالح التاج البريطاني عبر الفكر الماسوني العالمي ،الذي أثبته حتى الإسلاميون  من التيار الإخواني في كتاباتهم في الستينات وأوائل السبعينات عبر نتقادات سيد قطب وأخوه محمد قطب والشيخ عبد القادر عودة  لكل من الإفعاني وتفسير المنار للشسخ محمد عبده وقراءات تاميذه الشيخ رضا ‘  محاولة لفصل “الإسلام الحركي ”  عن كتابات “الأزهريين والمعممين” – كما  كانو يسمونهم  بالدعوة الى إسلام ” المطربشين ” التنشيطيين –إشارة الى طربوش أول مرشد عام للإخوان المسلمين- الشيخ حسن البنا-   الداعي-في مأثوراته ” وكتاباته  خطاباته  إلى قلب “المفاهيم ” الإسلامية التي سادت أطروحات “النهضويين ” من تلامذة جمال الدين الأفغاني  للبعث الإسلامي الجديد ‘ والصحوة الإسلامية الجديدة  وصولا الى أواخر الستينات  مع سيد قطب – الذي لا يزال يثير الكثير من الجدل من داخل التيارات الإسلامية وخارجها ) ،وقس على ذلك ما مت الى المدرسة ” السلفية الإصلاحية”منذ القرن الثامن الهجري مع “شيخ الإسلام إبن تيمية”وصولا الى بداية القرن الماضي الميلادي مع  محمد بن عبد الوهاب  بصلة،إبتناء وإعتقادا وإعتبارا وتقويما !!فإن فتشت في الفكر الإخواني تفتيش المنقب الموضوعي ، فستواجهك بلبلات وتساؤلات ستواجه كل باحث أكاديمي موضوعي مستقل – بعيدا عن  الشطح  والإنفعال والتخوين ، ، وإن  فتشت في ما يسمى ب”الفكر السلفي الإصلاحي ”  تفتيش  المسلم المنقب  المتعطش  الغيور، فستجد أنها مجرد نزعات مرضية  وهلوسات  “نخبوية” هي  أقرب إلى التوراتية- النزاعة الى مزعمة “شعب الله المختار” ، والبروتستانتية الإستأصالية لما عداها من المذاهب المسيحية، فجاءت منذ ” شيخ الأمة والجماعة” إبن تيمية مجرد تخريجات لتنطعات ونزاعات هيستيرية  أورثتنا أحقادا تاريخية منذ سقوط  الدولة العباسية  بسقوط بغداد وبدايات الحروب الصليبية ،  التي مكنت لخيبات دهور وأزمنة  متتتالية / خولت للإستشراق- ما سمق مه وما هبط -، من النفاذ الى بؤس العرب والمسلمين الذين كشفوا عن سوءاتهم  للأعداء والأغيارعبر”الأسانيد” التي وضعها محدثو وفقهاء السلاطين منذ بني أمية،  إستقى منها المستشرقون عبرصحاح  علماء الحديث “السلفيين” ما يندى له الجبين، التي أجبرنا  فقهاء الكهوف والقصور وخدم السلاطين  على انها أصح الأسانيد بعد ” كتاب الله”،ومعتبرين من أنكرها قد كفرو خرج عن الملة والدين

وهكذا فإن فكرنا  العربي :”النهضوي” الذي بزغ فجره مع نهاية  الدولة العثمانية( التي علق عليها العرب طيلة قرون كل خيباتهم وخطاياهم) وحيث أن ما يسمى بالنهضة أفرزت  كل أنواع الفكر الذي ملأ الساحة العربية – والذي هوكل يوم في شأن – ما هو سوى العدم إكتسى فكرا أوفقها او فلسفة  وثقافة أوإبداعا ، ممايجعل الرجل المتعلم العادي المتلقي،الذي يترنجس عليه هؤلاء، يتساءل ولسان حاله يقول :” أي مثقفون هؤلاء العرب، وأية ثقافة عربية هذه التي حالها التقلب ، في ظرف وجيز ،وشأن متعاطيها الدوران –بدون أية منهجية- حول القضايا العربية الأساسية، ، حتى أضحت الثقافة العربية تعكس في المرآة “وجها متمسرحا لعوبا وقاحا” يتقلب في الأمور كيف يشاء … ! يستعرض نفسه على المسرح العربي العبثي البالزاكي على شكل عروض  إجتهادات تجزيئية مستقاة من شذرات  مصادر الهراء الأحمر والأصفر والمبرقع ،أوإقتباسات  إقتطافات ممسوخة  تنتحل كل الطرق ،فتذوب بعد عشرية زمنية  من إيجادها كما يذوب الملح في الطعام ،

وفي هذا السياق ،وبالنسبة للثقافة العربية وبالنسبة للمجتمع العربي  فإني لا أرى رذيلة أقتل للوحدة العربية  والتواصل القومي، من دعاوى وتشجيع  اللهجات الفولكورية اللاعربية بما هي حبلى به من أسباب “الكاكافونيا” اللسانية والثقافية والجمالية  تزيد الشعوب العربية تشرذما وتباعدا و”تكلخا”

للبحث صلة

baiti@hotmail.fr