الجنون المقدس

 

التصنيف : فن وثقافة(:::)

مهند النابلسي – الاردن (:::)

لقد لاحظ  ابن  خلدون ان احدى  الدلالات  المعتمدة  لصوت  الجنون في  الصدى  الشعبي ، هي  سمة  ” القداسة  والصدقية ” ،  كما  اكد ذلك  المستشرق  ادوارد  وليم  في  كتابه  ” مسالك  المصريين  المعاصرين “، عندما  وصف  اثناء  رحلته  الى  مصر  في  القرن  التاسع عشر  :” ..ومعظم الأولياء  المعروفين  في  مصر  مجانين  او  مخابيل  أو  دجالين  ،  يسير  بعضهم  في  الشوارع  عاريا  كل  العري  ،  فيلقى  من  الناس  كل  الاحترام  والتوقير !”  (أعتقد  انها  مبالغة كعادة  المستشرقين  في التشويه والتعميم  ! ). ويلقي الباحث  أضواء  هامة  على  سيكلوجية  التاثير  الجنوني  حيث  يقول  :” ……فعلى  أمواج  الضحك  الاجتماعي ،  وفي  ثنايا رنينه  تتلامح نغمة الاقرار والتسليم  الدفين ، بأن هذا الخطاب الذي فجر كل ذلك  الضحك  انما  يأتي  موحى  به  ومنقولا  في  ايماءة جذب وكشف عن لوح قدسي عن  تراتيل علوية ،  تتضمن الحقيقية  ويرسلها  الزمان  السرمدي ،  او الله نفسه  لتلتقطها نفس المجنون  الناطقة ، الضعيفة التعلق  بالبدن ، والتي  يخصها  الله بما  شاء من مواهب !  ثم  يتحدث عن  ”  الفاعلية السحرية  التحويلية ” للوجود  الجنوني التي ترتبط هنا بغاية محددة ، هي اسقاط هيبة المتعالي ،  وتجاوزالخوف منه  بالضحك  عليه ! حيث  يظهر الضحك  المرافق لنهايات الموقف الصعب ،  وسيلة  وشكلا من اشكال الخوف الناتج عن  تهديدالسلطة  .

وقد  اشار  ميخائيل باختين  في سياق  حديثه عن ثقافة الضحك في  العصور  الوسطى الى أن  ” الضحك  يدمر  الخوف  لأنه  لا  يعرف  الكوابح  والقيود  ،  لذا  فلغة  الضحك  لا  تستخدمها  السلطة  اطلاقا ” ! لذا تظهر  “التكشيرة ” في عصرنا سمة  عامة لملامح الطغاة والمسؤولين وأصحاب  القرار ، وقد تنتقل العدوى لعامة الشعب . يظهر  صوت  الجنون كمنطق  اجتماعي-تاريخي وأيدولوجي ،  كما  يعكس تجسدات  مختلفة  لبطولة  المجنون  القائمة  على  كل  من  عناصر الادانة والانذار والتوسل  والوعظ  والسخرية  والتنديد  المستمر  بمآل المجتمع  والناس  والسلطة  ! عقدة  العظمة : تنح  عن  الطريق  !

ويشير  توماس  أرنولد  في  دائرة  المعارف الاسلامية  قائلا  : ” أما  في  العاصمة  الجديدة  فقد  برزت  تقاليد  الحكم  الفارسية ،  فكان  الخليفة  العباسي  يجلس  على  العرش  في  ابهة  وجلال  يحيط  به  حرسه  والى  جانبه  السياف  شاهرا  سيفه ! وكان  هذا التقليد الجديد  سببا في  ظهور الحاجة لوجود سمات  مضادة  في  صوت  الجنون  ،  الاستعلاء الزهدي المقابل للاستعلاء  البذخي-البيروقراطي ، والتحذير المستمر والتهكم  الواضح . وفي هذا  السياق ينوه  المؤلف  بما  ذكره  الثعالبي : ” …فكان اول ما  ظهر من  الظلم  في  امة محمد  عليه  الصلاة  والسلام  قولهم   ” تنح  عن  الطريق  ! ”  فتعبر قصة  دخول سعدون  المجنون  على  المتوكل ،  عن  رد الفعل  التحذيري المليء  بالتهكم :  حيث  يبادر  بالقول “أنت  المتوكل ” قال نعم ،  قال :” فلم  سميت  بالمتوكل ولم  تتسم  بالتواضع  “! لقد ندد  صوت  الجنون ( العادل ) بمظاهر البيروقراطية المتعددة  ، ومنها  احتجاب  رموز  السلطة السياسية  والمؤسساتية  وتعاليهم  على  الناس ،  وظهور منصب الحاجب والبواب ! الغريب أن الغرور (التكبر والخيلاء) أو ما  يسمى بالعامية “شوفة الحال” لم  يعد  يقتصر  في  مجتمعاتنا العربية العصرية البائسة على النخبة الحاكمة والمتنفذين وصانعي  القرار ، وانما أصبح ذا طابع  شمولي تجد أثاره ومفرداته الكريهة متمثلة في كافة مفاصل الحياة والمجتمع والأعمال ، بالرغم من التبجح بالتواضع والبساطة ، وعلى سبيل المثال  فمن النادر ان  تجد مديرا عربيا يضاهي الراحل ستيف جوتس (المدير السابق لشركة أبل ) في التواضع المهيب الذي كان يظهر به (من حيث اللباس والسلوك والابتسامة)، وذلك بدون الإخلال بمتطلبات المنصب والحزم وقوة الشخصية ! (لاحظ المرجع رقم 3) .

تعايش  الذئاب  مع  الغنم ! خذ  الحكمة  من أفواه  المجانين !

هكذا بدأ صوت الجنون حينما عرفته المصادر ناقدا- نذيرا  ، وفي  حالة  صدامية مع  سلطة ظالمة ، ويمكن الوقوف  عند  قصة رمزية  جميلة  وردت  في  عقلاء  المجانين وفي  ” صفوة  الصفوة ” لابن  الجوزي  ،  حيث  قال : ” فخرجت الى  الكوفة وسألت  عنها  ،  فقيل  : هي  مجنونة بين  ظهرانينا ترعى  غنيمات  لنا ، فخرجت  فاذا بها  قائمة  تصلي واذا   بين  يديها عكاز لها ، وعليها  جبة  من  صوف  مكتوب عليها   -لا تباع  ولا  تشترى- ،  واذا  الغنم مع  الذئاب ،  فلا  الذئاب  تأكل الغنم  ولا  الغنم تخاف  الذئاب  ! ” ،  وسالتها  فقالت :  اليك  عني ، فاني  أصلحت مابيني  وبين  سيدي ،  فأصلح  ما  بين  الذئاب  والغنم  ” ! كذلك  لوحظ  أن  الراعية عليها  جبة لا تباع  ولاتشترى ،  وفي  هذا  تاكيد مجازي  لصلاح  الراعية من  خلال  اظهار  زهدها ، ورفضها  الدخول  في  تجارة  تبادلية  ،  كرد  فعل  لرفض  قيم  الربح  والخسارة ! كما  ارتفعت  منزلة  المجنون فأخذ  دورا  قياديا  في  صلاة  الاستقساء ،  حيث يحدث  القحط  بسبب  ظلم  الحكام ، ويأخذ  المجنون  المبادرة  لاعادة  العلاقة  بين  الأرض  والسماء !

صوت  الجنون  في  فضاء  المدينة !   يمكن القول أن صوت  الجنون ( حسب  رأي  الكاتب ) ، هو  صوت  لقاحي  بامتيااز ، غذته واغنته  روافد  التطور  الحضاري- السياسي للمجتمع  العربي ، فتكامل كشكل  من  أشكال المقاومات  العديدة التي  نشأت  في  خضم  توالدات  الحالة  السلطوية ،  والانتاج  المستمر  لنقاط  ارتكاز  السلطة ! فقد ارتبطت بمرافق المدينة  الاسلامية  من  قصور ومساجد واسواق  وبيمارستانات  ومقابر ، وحيث  تتيح المسافة بين  المدينة  والمقبرة خارج  الاسوار للمجنون ، أن يتأمل ويحاكم من  بعيد مسار الامور  ومآل المجتمع  المديني من موقعه  قريبا من  فضاء  الموت وملكوت  الأبدية  ، وخارج  العلاقات الحياتية  اليومية !

الابداع الأدبي  للجنون !

ولكي  يمارس المجنون سلطته  كمثقف مجاني  ،  تقدمه المسارد  شاعرا  يلقي  الشعر بديهة ( بلا  تفكير  او  توقف ) ،  متجاهلا  علوم  اللغة  والآداب ،  مما  يربك المثقف  وتكشف  دونيته الثقافية ، مما  يجعل القاريء  اليقظ  يتساءل  :  هل  هذا  جنون  حقا  ام  تظاهر  ” ذكي ” بالجنون ؟! لكشف الزيف  الثقافي  للأدعياء وسبر أغوار  حقيقتهم  ( وقد  تضاعفوا  مرارا  في  عصرنا  الراهن !) . ويتحدث عن حالات  ” التظاهر  بالجنون ” التي  يسودها الزهد وتتجلى  الحكمة  من  ثناياها ، كما  يلاحظ ان  صوت  الجنون  يتقاطع بشكل  واضح  مع مواقف  المتصوفة  ازاء  المال  وقيم  الربح  والمتاجرة ،  حيث  يقول سفيان  الثوري : لا  تنظرواالى  ظاهر ثياب التجار والسوقة  فان  تحتها  ذئاب  كاسرة ! ولوعكسنا ذلك عصريا على واقع المضاربين الكبار في سوق  المال العالمي “وول ستريت” لقلنا بسخرية معبرة :

أسماك  القرش  التي  ترتدي ربطات عنق انيقة  !  وقد  استكمل موقفه  المناهض لسلطة المال بالسخرية من التجار والضحك  عليهم ! وأقول  كيف  سيكون  الحال في  عصرنا  الراهن  مع  تضخم الثراء  والبذخ  والفساد وصنوف الصرف والاستهلاك والانفاق الاستفزازي ” الغير  متخيلة ” ، ربما  الأمر سيتجاوز الجنون  والسخرية اللاذعة وسيتحول  الأمر الى احتقان شعبي عارم  وثورة  كما  نشهد  حاليا  في ما يسمى  ربيع  الثورات  العربية ( الغير  مكتمل ) ؟!

في  اعتقادي  أن ” الحيان ” قد  تحدث  عن  نموذج  ابداعي زاهد ،  يتظاهر  بالجنون حيث وجد في  ذلك وسيلته  الوحيدة للجهر  بالرأي ،  ولمقاومة او  مواجهة  عالم ” سلطوي- لا انساني قاس  ومرعب ” ،  واضيف  لهذا آفة  الفساد التي لم تكن بعد معروفة في صيغتها  الأخطبوطية  الراهنة ، وكانت  ردود  الفعل الجنونية هذه  وسائل علاج  تهدف  “لتليين  هذا  الكابوس  السلطوي ” ، الذي  تحول  الآن  لممارسات “مافيوزية” الطابع من قمع وقهر وتعذيب  ومعاناة (وبشكل منظم وممنهج ) ! فهل  نجح  صوت  الجنون في فتح ” نافذة  أمل  مشرقة ” في  افق  الانسانية  الطويل ؟ ربما  لحد  ما ولكني  أعتقد انه  من المبكر جدا الاجابة على هذا  السؤال الجدلي في ظل ما نشهده ( الآن  ومنذ  اكثر  من  عام ) من تغييرات وثورات وحراكات وأحداث وردود  أفعال في طول عالمنا  العربي  وعرضه ، والأمر قد ينجلي عن نتائج قد  يكون بعضها “مجنونا –سيرياليا ” وكارثيا بحد  ذاته ، وخاصة في خضم  الانفجار المعرفي –الاعلامي  وانتشار  وسائل  الاتصال والانترنت ، ناهيك  عن الممارسات  الانتهازية  والتلاعب  والاصطفاف وعشق النفوذ والسلطان (والاتجار بالأوطان والعقائد والأيدولوجيات والأديان) ، ودخولنا كعرب  في  “لعبة  الامم ” المعقدة وتأثير “التحالف الغربي-الاسرائيلي-النفطي” ! لننتظر اذن النتائج “المجنونة” لهذا  المخاض  الانساني الهائل والغير مسبوق في  تاريخ  المنطقة  العربية …

مهند النابلسي

كاتب  وباحث  وناقد  سينمائي

Mmman98@hotmail.com