من قبول الاخر الى خطفه

 

التصنيف : الجريمه (:::)

بقلم : سعد الله بركات  (::::)

بداية لابدّ من التأكيد أن كلّ أعمال الخطف والخطف المتبادل(الخطف للمبادلة ) مقيتة ومدانة ، ومن دون تفريق بين ضحاياها  كائنا من كانوا وفي أي زمان ومكان، وأيا كانت التسميات : (رهائن أوضيوف  في إقامة جبرية ) .

ومما يفاقم الأزمة نفسيا ، تواتر أو شحّ الأخباربل واختلافها إلى حدّ التناقض مابين معرفة أوعدم معرفة الخاطفين أومصير رهائنهم وبالتالي حقيقة مروحة المطالب التي تقارب الاستحالة .

ثمة حكايات مريرة تستوجب التعاطف الإنساني مع ضحايا جرائم الخطف  بوصفها  واقعة على أمن المجتمع قبل أن تكون فردية، ولكن وجدتني أتوقّف أمام قضيّة  المطرانين ، فما كنت أنوي التطرّق لها  لو لم تطل محنتهما ، لتبدو مع قضية الراهبات المستجدة ، ملحّة أكثر بوصفها  قضية  مجتمع ورأي عام طالت رموزا روحية وتنغرس مخالب انعكاساتها في الجسم المجتمعي ككل فضلا عن كونها شاملة لغيرها  مما يطال  العامّة أو أي شخص من أي ملّة  أودين .

في الأسابيع الأخيرة  وقبل قضية راهبات معلولا، عادت قضيّة المطرانين المخطوفين في شمالي سورية  بولس يازجي ويوحنا ابراهيم  ، إلى التداول في وسائل الإعلام ، ولكن على نحو ما كانته من إيذاء للمشاعر وخاصة مشاعرالأقرباء ،فما بين توسيع إطار الأمل بانفراج قريب للكرب  وانعدامه  إيلام للنفس لايطاق.

ومن أسف أنّ مازاد من هذا الإيلام ، تناقل أخبار مطمئنة حينا عن حياتهما ومحزنة في أحيان عدة . وليس المجال هنا تفحّص المسؤولية ولوم الإعلام أم مصادره ، لكنّها مناسبة للتنويه بضرورة النأي عن التسابق والمتاجرة  أو التلاعب بمشاعر الناس ،حيث لاينفع الاعتذار عن تسرّع اوخطأ ، وإنمّا قد يضاعف الأذيّة إذا ذهب الظنّ إلى وضعه في خانة القصد من الإرباك.

عودة قضية المطرانين للواجهة  ،جاءت ضمن تواتر الأنباء للنهاية السعيدة لمخطوفي اعزاز اللبنانيين و- هي مانتمناه لكلّ ماسواهم- ، لكنها مع  ماحملته من بشرى بالتزامن أو القرب ،  تراجعت لتنحرف إلى مجال التخمينات أو التسريبات المقلقة.

ولئن تعدّدت التحليلات والأقوال والقصص أوتناقضت، عن دوافع وأدوار دول (عربية وإقليمية) أوعن ظروف ميدانية طارئة ومستجدات دولية ، فإن بعضها القليل أشار إلى صفقات و مبالغ  أو (عامل التسريع  الضاغط  من خطف الطيارين التركييين) ، وإذا صحّ هذان الأخيران وليتهما من بعض الظنّ ،فإن خطورة مضاعفة تؤسس لمخاطر أشدّ وتستدعي أسئلة العامّة : ماحال الذين لايملكون المال أوالذين لاحول ولاقوّة لهم والأمثلة كثيرة ؟؟؟!!!. إلى متى ؟ماذا بعد؟ وما المصير؟؟

حال المطرانين  والراهبات  من هذه الحال،إذا لم تشفع لهما  ولهنّ الرمزّية والمكانة الروحية  والمهام الإنسانية بل والفكرالنيّر ونشر رسالة  التعايش والمحبة السمحاء ؟!. ليس لي معرفة شخصية بالمطران يازجي ، والقليل الذي كتب عنه وعن المطران      ابراهيم  ، ينبض بما أشرت ،ولكن محاسن الصدف  ، أتاحت لي التعرّف عن    قرب على المطران  ابراهيم. معرفة عمقها التواصل في ضوء عنوان اللقاء  الأول عام2007 الذي أهداني  فيه  كتابه (قبول الآخر)  ،فاجأني موضوعه  وقد كنت أتوقع  كتابا في المسيحية والإيمان. لقد كانت مفاجأة سارّة بقدر ماسرّتني أراء أفاضل من شيوخ ورجال دين مسلمين عن التآخي واعتبار العمل والسلوك  مقياس المعتقد.

قبول الأخر: أيا  كان  في دين آخر، أو معتقد فكري آخر، أو وطن آخر، أخا وشريكا في الإنسانية  مثلما في الوطن  ، كانت دعوة ملحة وصادقة من راعي أبرشية  حلب للسريان الأرثوذكس ، دعوة للحوار والتعارف  كما هي لعدم الإقصاء وللتعاون لإثراء العقل ونتاجه لصالح الإنسان كائنا من كان  ، ولخدمة البشرية ونماء الأوطان ولتكريس الأمن والسلام في العالم ، وخلاص الشعوب من  التناحر و الحروب والخطف والفقر بل من الموت جوعا أوقتلا.

ومن أسف  خطف صاحب (قبول الآخر)  ورفيق دربه منذ ثمانية أشهر، بعدما راح قتل أفكاره يتفشّى وينهش الإنسان قبل القيم  ،وشتّان شتّان مابين قبول الآخر وخطفه.  فرّج الله كرب المطرانين والراهبات وغيرهم وغيرهنّ، وألهم الفاعلين الحكمة والرأفة والإشفاق وهداهم سواء السبيل.