جميلة بو حيرد.. تكريم ووفاء..!!

 

التصنيف : فضاءات عربية (:::)

طلال قديح  * – السعودية (:::)

من باب الوفاء لمن ضحوا في الحياة أجلّ وأعظم التضحيات وتكبدوا أقسى المشاق ، وعانوا أشد العاناة، وتجرعوا غصص آلام السحون واكتووا بكل أنواع الظلم والاستبداد.. تفنن الاستعمار في التنكيل والتعذيب ليكسر شوكة المقاومة، ويملأ النفوس يأساً وقنوطاَ، ويثنيها عن مواصلة المشوار. وما درى أن الوطن عزيز وغال ، وتهون في سبيله كل التضحيات ، وترخص الأرواح..فأي قيمة للحياة؟ وأي معنى لها؟ إذا كان الإنسان مستعبداً في وطنه ! بينما الغرباء يحتلون الأرض ويستبيحون العرض. ويستأثرون بخيراته وينعمون بثرواته.. وأهله يعانون العوز والفاقة، بينما أرضهم حباها الله ثروات طائلة وخيرات كثيرة.

ومن باب الوفاء للمناضلين الأجلاء الذين أعطوا بسخاء وجاهدوا وناضلوا حتى غدت أسماؤهم تملأ الدنيا ضياء وبهاء.. أسماؤهم تشحذ الههم وتحيي الأمل وتدفع للمضي قدما على طريق النصر بغير كلل.

ومن باب الوفاء كان حفل التكريم الأعظم الذي شهده لبنان بالأمس القريب ، واستقطب المئات بل الآلاف من الساسة والمناضلين العظماء والشعراء ورجال الإعلام والفكر الشرفاء الذين عاصروا الزمن الجميل وعرفوا رجالاته ممن ظلت  أعمالهم وأسماؤهم أناشيد يرددها الأحرار صباح مساء، ويوصي بها الآباء الأبناء.    امتلأ قصر اليونسكو في بيروت حتى آخره ، وشهد إقبالاً غير معهود ، وازدحاماً شديداً ولافتاً.. توافد المشاركون من كل لبنان..ومن سائر بلدان العالم ، حريصين على ألا تفوتهم هذه المناسبة العظمى.. ومن أجدر بالاحتفاء والتكريم من المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد، التي يعرفها العالم كله كأعظم رمز للنضال والفداء، فكانت امرأة لا ككل النساء..تباهي بها المرأة في كل الدنيا ويعتز بها الرجال الشرفاء كمناضلة من طراز نادر فريد.

أعادت جميلة للمرأة العربية دورها المشرّف الذي ميزها في كل العصور، إذ نافست الرجل شجاعة واستبسالأَ وجرأة وإقداماً، وأنجبت أبطالاً عظاماً.. جددت جميلة سيرة أسماء وخولة والخنساء وفدوى لتثبت أن أمتنا العربية ولود في كل العهود وتضحياتها بلا حدود.

جميل جدأ أن تكرم جميلة في حياتها لتدرك كم هي عظيمة لدى أمتها العربية!،وأنها لم تنسها ولن تنساها مهما طال الزمن.رأينا دموع الفرح في عيون جميلة تترقرق على خدها فبكينا معها ذاك الزمن الجميل وما حفل به من قادة ورجال جاهدوا وناضلوا للتخلص من الاستعمار الذي كان يجثم على الصدور حقبة من الزمان.    وليس من قبيل الصدفة أن تختار قناة الميادين التلفزيونية لبنان لتكرم جميلة بوحيرد.. أعطى لبنان لأمته العربية وللعالم أجمع نماذج رائعة في كل ميادين العلوم والمعارف وأهدى للبشرية قامات شامخة من علمائه الذين تشهد لهم الدنيا بوفرة وجودة العطاء.

كان التكريم عظيماً يليق بهذه المناضلة العملاقة رعاه قادة لبنان وشارك فيه كل أطياف المجتمع، ومن أحق من جميلة بوحيرد بهذه الحفاوة والتكريم ؟! بل كل هذا يصغر أمام نضالها وكفاحها الذي عانت وقاست خلاله السجن أعواماً طوالاً بعد أن حكم عليها الاستعمار الفرنسي بالإعدام..ولكن أمام ضغط الرأي العام العالمي والمنظمات الحقوقية اضطرت فرنسا مرغمة إلى تخفيفه للسجن المؤبد.

لكنها تحدت السجن والسجّان ودأبت على النضال من خلف القضبان مما أجبر فرنسا على الإفراج عنها لتتنسم عبق الحرية وتذوق طعم الحياة الحرة بلا قيود.    أجمع المتحدثون على عظمة جميلة وأنها أهل لأن تكون أنموذجاً يحتذى، و منارة وقدوة بها يقتدى.. تدرس سيرتها ومشوارها النضالي لتدرك الأجيال أن أمتنا تظل بخير، مهما تعثرت خطاها أو كاد لها أعداؤها.

كم كانت عظيمة فرحة جميلة بهذا التكريم وهذا الوفاء! فقد أدركت أن تضحياتها ونضالها الطويل لم يذهبا سدى ، بل هي فخورة اليوم بكل ما قدمت وكم تتمنى  لو عادت ترفل في ثوب الشباب لتعطي المزيد لأن الوطن  تصغر في سبيله كل التضحيات مهما عظمت.

إن تكريمها والاحتفاء بها يؤصل المقاومة فكراً وثقافة لدى الأمة ويعززها  في النفوس لتبقى شعلتها مضيئة على الدوام.

و بالتأكيد هي اليوم قريرة العين وراضية كل الرضا باستقلال الجزائر وجلاء الاستعمار الفرنسي عنها صاغراً ذليلاً ، لتتبوأ مكانها اللائق بين الدول حرة مستقلة، آمنة مطمئنة مستقرة بهمة أبنائها الميامين ورجالاتها المخلصين..أدركت جميلة ومعها اخواتها المناضلات – كما كنا يؤمنّ- أن الجزائر لها مكانتها ودورها في عالمها العربي وبعدها الأفريقي بل والعالم أجمع، وهذا ما لا ينسى أبداً.

وشكراً جزيلاً للميادين ، القناة الإعلامية المتميزة، ولإعلامييها على هذا الجهد المشكور..وجزاهم الله خيراً.    وعشت ياجميلة أبداً رمزاً للنضال ، وعاشت الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد، ملاذاً للأحرار ومنارة للثوار.

وعشتم وعاش لبنان.

•كاتب ومفكر عربي