التصنيف : اراء حرة [(:::)
بقلم : أ . تحسين يحيى أبو عاصي – فلسطين المحتله (::::)
كل نبي أو مُفكر أو فيلسوف أو حكيم ( مع الفرق الكبير ) عبر التاريخ الإنساني الطويل ، يبذر بذور فكره في تربة العقول البشرية ، ثم يتداولها البشر ، فيزيدون عليها أو ينقصون، وفقا لخيال أفكارهم وواقعهم المُعطى ، فالفكرة التي أتى بها هؤلاء العظماء ، ليست من صنع رجل واحد فقط ، بل هي إبداع سلسلة من التأملات والأفكار المتصلة والمتواصلة ، التي أثمرت ثمارا تتناسب وطبيعة ذلك الزمان والمكان ، الذي ظهر به ذلك النبي أو الفيلسوف أو المفكر ، ووفقا لطبيعة التربة البشرية المتلقيَّة في ذلك الوقت ، ومتغيرات كينونتها الخاضعة للجغرافية والسياسة … حتى أن الفكر السماوي استطاع البشر من أن يضعوا عليه بصماتهم ، من حيث التبديل ، والخلافات المذهبية ، وتعدد الآراء والمدارس الفكرية عبر التاريخ ، وكذلك الحال في الفكر المصنوع بشريا ( بعيدا عن الخلاف بين الأرضي والسماوي ) ، ولعل آخر تجربة في ذلك هي تجربة الدكتور يوسف القرضاوي ، الذي أجمع مع علماء العالم الإسلامي قبل سنوات ، على ضرورة تغيير الهدي النبوي ، وهو تغيير محمود ، من أجل مصلحة الأمة ، وذلك في موضوع تمديد فترة رمي جمرة العقبة ، بدلا من انتهاء توقيتها بغروب شمس يوم الوقوف على مِنى ، أي بعد يوم وقفة عرفة ، وذلك رحمة بالأمة ، حيث كان يسقط المئات من القتلى أثناء عملية الرجم ؛ بسبب الازدحام والتدافع ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحصول على ثمن تلقيح الفحل المنهي عنه ، ثم أجاز العلماء قبض ثمن التلقيح ؛ بسبب تغيير طرأ على الزمان والمكان ، حيث يتم استيراد الفحول من أماكن بعيدة ، والتكلفة الكبيرة المترتبة على ذلك من شراء ونقل وغير ذلك ، وهو الأمر الذي لم يكن من قبل ، فقد ارتفعت وتيرة الكثافة السكانية ، وقلت مساحة الأراضي الخضراء الصالحة للرعي المجاني ، وتعسر التنقل الذي كان من قبل بدون بطاقة إثبات شخصية وجواز سفر ، وخلافات سياسية ، وصراعات على الحدود … الخ .
وكذلك أيضا مسألة الشراء عن بُعد ، فقد أمر الشرع الحنيف بمعاينة البضاعة وتفحصها ، ودفع المال قبل أن تغادر البضاعة أرضها ، لكن العلماء أجازوا الشراء عن بعد من خلال الشبكة العنكبوتية ؛ من أجل توفير الوقت والجهد ، ورحمة بعباد الله …
لقد أفتى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أمور تتعلق في العراق ، وعندما عاد إلى مصر وسؤل نفس الأسئلة التي سؤل عنها في العراق ، أجاب خلاف إجابته في العراق ، وعندما سؤل عن السبب قال : ما يصلح لأهل العراق لا يصلح لأهل مصر .
من هنا نشعر بقيمة وبأهمية تغيير المفاهيم لصالح الناس وانسجاما مع الواقع المتجدد ، مهما كان نوع تلك المفاهيم والأفكار ، باستثناء الثوابت كالصلاة والصيام والزكاة وأمور العقيدة وما شابه ذلك … فهل يتمكن علماء الأمة اليوم ومن جديد ، من صياغة رؤية إسلامية تجمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الوضعية من غير تعارض ولا تناقض ولا تناحر !؟ ، وهل سيملك علماء الأمة رؤية شمولية ليست جمودية ولا متيبسة ، بل رؤية مرنة متطورة مع الزمان والمكان من أجل مصلحة الأمة !؟ ، فالأمة لن تتقدم إلا عند انفتاحها على الآخر ، وعند تطور المفاهيم وتلاقحها المستمر ، وهذا ما حدث عند تلاقي الثقافة الإسلامية مع الهندية واليونانية والمصرية والبابلية ، فأنتجت مزيجا راقيا ، صنع نهضة علمية ، وثورة في المفاهيم المتجددة ، منذ فجر التاريخ الإسلامي ، فتعددت أساليب تقديم المعلومة ، وتطورت المفاهيم الدعوية ، ودخل كثير من الناس الإسلام عندما تأثروا بعظمة أخلاق المسلمين ، بعيدا عن العنف وسفك الدماء والتكفير والشطب والرفض والإقصاء …
عندما عاد الشيخ محمد رشيد رضى من فرنسا إلى مصر قال : وجدت في فرنسا مئة أسطول من العلم ، كل أسطول يقول : من ضربك على خدك الأيمن ، فأدر له خدك الأيسر ، أما هنا فوجدت مائة مسطول يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة … محتوى قول هذا العلم الجليل يعني كيف نفهم الإسلام الذي يدعو للجمع بين الدنيا والآخرة معا ، ويدعو إلى المحبة والتسامح والرحمة ، وهذا يعني الجمع بين المبنى والمعنى للنص اللغوي في آن واحد ، سواء كان هذا النص آية من كتاب الله ، أو حديثا نبويا شريفا ، أو قولا مأثورا ، أو غير ذلك ، وهو الجمع بين مدلولات ثلاث ، المدلول الشرعي ، والمدلول اللغوي ، والمدلول الروحاني ، فالمدلول الشرعي هو مدلول ثابت واضح الرؤية ، والمدلول اللغوي فكثيرا ما تمّ تغييبه عن جهل أو قصد بسبب الخلاف حوله ، وأما المدلول الثالث فهو المدلول الروحاني ، وهو الأهم في رأيي ؛ بسبب فقر كثير من علماء الأمة بالروحانيات ، والتي هي البصيرة وليست البصر فقط مع ضرورة الجمع بينهما … فالتمسك بمبنى النص فقط بعيدا عن معناه ، يغرق الأمة بكثير من الخلافات ويدفعها إلى التناحر … الفرق شاسع بين مبنى الكلمة وبين معناها فكلمة “كعبة” – على سبيل المثال – يتكون مبناها من أربعة أحرف فقط ، وترمز إلى القدسية والطهارة والصفاء ، وتعني شعيرة تعبدية ، ولكن أعماق معاني كلمة ” كعبة ” لا يمكن أن يحيط بها قلم ، ولا كتاب ، ولا لسان ، ولا بيان ، ولا ندرك أسرارها الخافية ، والتي لا يعلم بها إلا الله عز وجل والراسخون في العلم من أهل البصيرة …
المعنى هو البصر وهو العقل ، والمعنى هو البصيرة وهو القلب … قال صلى الله عليه وسلم : ما سبقكم أبو بكر بكثير صوم ولا صلاة ، ولكن بسر وقر في قلبه . حديث مختلف حوله ولكن لا بأس في معناه … المعنى هو روح الكلمة ، وهو قريب من روح القانون في علم القضاء ، مع الفرق الكبير بينهما ؛ من أجل ذلك قال الحق سبحانه حول المعنى : (( لا يمسه إلا المطهرون )) وقال : ((وتعيها أذن واعية )) … المعنى هو بحر في مكنونه الدر كامن كما قال الشاعر حافظ إبراهيم – رحمه الله تعالى – :
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ . . . فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي ولا يمكن أن يغوص بحر المعاني إلا كل غواص ماهر ، يستخرج من المعاني اللؤلؤ والمرجان ، كما يستخرج الغواص من البحر كل ثمين … المعنى لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال القدرة على الاستشفاف ، والاسترقاق ، والاستلطاف ؛ لمعرفة ما وراء الحرف ، وما وراء المبنى من بحار المعاني والعلوم والفهوم المكنونة ، وهي صفات يجب أن تتوفر لدى كل من أراد الغوص في بحار المعاني ؛ ليستخرج منها جميل المعاني وأرقها .. المعنى هو نور يقذفه الله في قلوب الصادقين من عباده ؛ ليميزوا من خلاله بين الحق والباطل ، في زمن اشتدت فيه الفتن وأمست كقطع الليل المظلم …





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

