وديع الصافي : صرح الغناء الاصيل

 

التصنيف : فضاءات عربية (::::)

طلال قديح   * الرياض (::::)

فنان عربي أصيل .. وصرح شامخ من صروح الغناء تربع على قمته ردحاً من الزمن يشع  نوراُ  ويتلألأ ضياء لينير للأجيال الطريق نحو غد مشرق يفيض مودة وحباً.

إن وديع الصافي سيظل رمزاً للغناء العربي الأصيل المتدفق من عاطفة جياشة وأحاسيس صادقة بلا تصنع أو  مراءاة..إنه ينهمر من نفس آمنت بعروبتها وانتمائها انهمار الغيث من ديمة هطلاء تسقي الأرض فتحولها لرياض غنّاء وواحات خضراء وجنات فيحاء تؤتي أكلها كل حين وآن.

فنان عظيم له من اسمه أوفى نصيب..إنه وديع بكل ما تعنيه الوداعة من رقة وطيبة وهدوء يحاكي النسيم العليل والهواء البليل..تسمعه وتراه فيأسرك ويشدك إليه لتتلقف ما يجود به صوته من طرب ولا أجمل ! وكلمات ولا أصدق!

وهو صاف بكل ما يعنيه الصفاء من شفافية ورونق وبهاء يلوّن هذا النوع الفريد من الغناء بكل معاني الحب والوفاء. خدم وديع الصافي مسيرة الغناء العربي فترة  زمنية ليست قصيرة حتى صار اسمه على كل لسان حبا وإشادة وثناء.

وقليل أولئك الذين حباهم الله  بأن تكون أسماؤهم تعكس  ما يتحلون به من أخلاق وخلال. فقد يكون بين الاسم والمسمى بعد المشرقين، والهوة بينهما واسعة شاسعة..! إن رحيل فنان عظيم بحجم وديع الصافي لا شك يمثل خسارة لا تعوض للغناء العربي الأصيل..فالعظماء لا يتكررون إلا بعد سنوات طوال وعبر أجيال لكن أعمالهم وأسماءهم تظل خالدة وعصية على النسيان مع مرور الزمان.

إن ما يمتاز به  صوت وديع الصافي من سمات فريدة يختص بها دون سواه، تثير المشاعر وتهيج العواطف وتحرك الأحاسيس تدفع السامع إلى أن يحلق معه بعيداً في أجواء مشبعة بالآهات والاستحسان. وديع الصافي فنان ينتمي إلى جيل العمالقة الذين عرفهم الفن العربي فأعطوا بسخاء تجاوزوا به حدود الفضاء ليتربعوا على القمة الشماء.. من منا لا ينكر الفنانين العظماء أمثال : محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ   وناظم الغزالي..وأم كلثوم وفيروز وشادية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وصباح..؟!

أين فنانو اليوم من ذاك الجيل المتوج بكل معاني النبل والوفاء وصدق العطاء ؟!

سمعت وديع الصافي يغني ” عظيمة يامصر!!” فأسرني وأبكاني لأنه غناها محباً وعاشقاً لأرض الكنانة .. تفاعل معه الجمهور وتبادلوا معاً بل وتسابقوا في حب أم الدنيا..كان وديع منفعلاً إلى الحد الذي يحس فيه السامع والمشاهد أن عشقه لها لا يرقى إليه حب آخر..

خسارة الفن والغناء العربي فادحة لكن عزاءنا أنه ترك موروثاً عظيماً سيظل حياً.. والعظماء لا يموتون فذكراهم خالدة وإنجازاتهم باقية. • كاتب ومفكر عربي.