التربية اساس المجتمع والتقنيه وسيلة لتمزيق كينونته

 

الرابط : فن وثقافة  (::::)

أناس بن الشيخ – المغرب (:::::: )

ان الخوض في موضوع التربية هو بمثابة الخوض في اسس الانسانية جمعاء ، لانه ورغم ما لقي من اهتمام الا انه يظل المكون والقاعدة للمجتمع  التي وجب العودة اليه باستمرار ، فكلما بحثنا على هذا الكل ـ المجتمع ـ الا ووجدنا التربية جزء لا يتجزء من  مكوناته، نظرا للدور الرمزي الذي تعمل من خلاله على فرض اسلوب و هوية خاصة على المجتمع ، من خلال مجموعة من الاليات ، فكل الانساق المجتمعية ، تجدها حاضرة في التربية ، فالمدرسة و قبلها الاسرة تجدهم يتحدثون لغة التربية ، فلا مراء بأن قيمة المجتمع تتحدث من خلال الدور الذي تلعبه هذه الاخيرة ، و بنجاعة او فشلها تتحدد مكانة المجتمع .  ولعل برتراند راسل في كتابه (في التربية) شدد كثيرا على انه بدون تربية نسقية ـ اي لها علاقة بجميع الحقول المكونة للمجتمع بمفهوم بيير بورديو ـ  لا يمكن ان نرى مجتمعا له قاعدة قوية يصعب اختراق مكوناتها و فك رموزها   ، فرغم قوة التقنية إلا انه مع وجود تربية منظمة اي لها قاعدة تحكمها من خلال ربطها بجميع مكونات  و تاريخ و ثقافة المجتمع تصعب بذلك امكانية اختراق المجتمع و تنميطه بثقافة دخيلة لا تتلاءم و اسلوب عيش المجتمع . ان  تربية الطفل او الناشئ لا يجب ان تنفك عن مكونات المجتمع او تأخد صيغة واحدة   كالتربية الدينية مثلا  ، بل على التربية ان تتحدد من خلال ابعاد و ليس بعد واحد لان ذلك يساهم في جعل الفرد منفتح على جميع انساق المجتمع بدون ان تفرض عليه ، ففترة تلقين المسيحية   وجعلها روح المجتمع قد ولى حسب راسل  ، لكن ان حضر العكس و كان اساس المجتمع  اي التربية  ضعيفا فعندئد سهل اختراق المجتمع   خاصة من طرف التقنية التي تجعل من المجتمع  ان كان ضعيف البنية هدف سهل الاختراق ، ورغم تأكيد مارتن هايدغر على خطورتها ، لأنها تفقد المرء ما يميزه و المجتمع يظل امامها ضعيفا غير قادر على احتوائها لأنها تعمل على النفاد الى  جميع مكونات المجتمع الا انها استطاعت ان تنفد الى جميع المجتمعات خاصة المجتمعات العربية  . ان الالة لوسيلة لجعل المجتمع ضعيفا يقبل فقط ، ولو اخدنا على سبيل المثال المجتمع العربي ، فرغم التركيبة المميزة للمجتمعات العربية التي تظل تتغنى بعروبتها ، إلا ان الواقع يقول العكس حيث بدأت هاته الثقافة تتوارى و تختفي سواء من حيث اللباس ، التقاليد ، العادات  المهم جميع المكونات بدأت تتلاشى امام ما يسمى بالتقنية ، و عند النظر بشكل عميق الى الاسباب التي ساهمت في هذا التغيير ان لم نقل التحول نظرا لعمق المفهوم ، سنجد ان للتربية الدور الكبير في كل هذا ، فعندما تتخلى عن نمط عيشك من خلال اسلوب متميز عن باقي الاساليب رغم ما له وعليه ،  فبالضرورة ستقبل  اسلوب اخر بخصائص  مختلفة عن سابقتها ، لم تساهم انت في صنعه بل هو من سيصنع منك مجتمعا كما يريد و بما يخدم مصالحه ،  لن نتفا جئ ان وجدنا اللباس العربي بدأت تدخل عليه مجموعة من التغيرات ، ان هذا ليس بالشئ البسيط بل ان هذا التغير عميق كل العمق له  ـ الحداثة بمفهومها الضيق ـ  لان الذي سارع الى كل هذا لم يفكر بشكل اعتباطي بل بشكل معقلن  او ان صح القول متعولم ، فلكل مجتمع خصائص تميزه و ما ان يفقد المجتمع هاته الخصائص إلا و يصبح ضعيفا ، فالاكتشافات الحديثة في علم النفس ترمز في جملتها الى ان خلق الانسان يتكون و يتحدد بالتربية المبكرة  لان ذلك يساعد على تنمية مجموعة من القدرات التي تساعد بدورها على الاندماج  و التكيف مع مختلف الوضعيات ،كما ان التربية نوعين حسب معظم الباحثين ، تربية بهدف تهذيب الخلق ولها اهمية كبرى في السنوات الاولى من عمر الطفل ، و التربية لتحصيل المعرفة التي يصح تسميتها تعليما ، والتي تبتدأ من الدروس الاولى في المطالعة و الكتابة حتى السنوات النهائية من الجامعة  حسب راسل ، لكن بغياب الجزء يصعب الحديث عن التربية ، لانها كل لا يتجزأ ، و غير قابل للتجزيء . كما ان روح التربية تظهر في نجاح المجتمع من فشله ، فاميل دوركايم  يقر بضرورة التركيز على تربية المجتمع تربية  ممنهجة و ليست عشوائية ، تتحدد من خلال ممارسات الافراد تجاه المجتمع ، فرغم اقصائه بشكل او بآخر دور الفرد في صنع القرار و تاكيده على المجتمع ، وان الفرد عليه ان يخضع للمجتمع باعتبار هذا الاخير سابق عن الاول و كل من خرج عن ضوابط المجتمع المتمثلة في القوانين التي وضعت و اتفق عليها بشكل جماعي الا وتعرض  ، الا انه رغم ذلك يركز على التربية و التنشئة الاجتماعية ،فالتربية الهدف منها بدرجة اولى استدخال الفرد  لقيم ومعايير المجتمع الضرورية لإحداث عملية التكامل الاجتماعي داخل البناء الاجتماعي ويرى دوركايم أن مهمة النظام التربوي في المجتمع هي دمج الأفراد في المجتمع وهو ما يطلق عليه دوركايم مفهوم التضامن الاجتماعي ،  فالتربية هي الفعل الممارس من طرف الجيل البالغ على الأجيال التي لم تتأهل بعد للحياة الاجتماعية وهدفها أن تنمي في حالاته الفيزيائية والثقافية والذهنية التي يحتاجها من اجل   نقل ان لم نقل فرض  الثقافة الضرورية للاندماج الاجتماعي، و بهذا يكون دوركايم قد ابرز اهمية التربية في المجتمع رغم ما تركيزه عن المجتمع كان على حساب  الفرد ، إلا ان جون جاك روسو في كتابه “اميل” رأى  ان التربية الحقة هي بالممارسة اكثر من التلقين للطفل بأشياء ومعلومات لا يعلم معناها ، وان التلقين   ينتج  بالضرورة شخص متسلط او عديم الثقة بنفسه ، كما ان اساس المجتمع هو الفرد ، وبدونه يصعب ان نرى مجتمعا متماسكا ، علاوة على ذلك فالرغبة القوية التي يكتسبها الفرد تجعله يعمل باستمرار على تنمية قدراته و قدرات من حوله . لهذا فالتربية تظل الينبوع الذي بدونه  تصبح الحياة صعبة ، فهي ذاك الامل الذي لولاه لاستسلم الانسان لضعفه  وخر هالكا  ….. عود الى بدئ ان التقنية وغاياتها التي لا تخرج عن كونها تهدف الى خلق عالم موحد الثقافات و الغاء التمايز او الخصوصية ، وهي بذلك تقصي الثقافات المحلية و تجعل جوهر المجتمع اجوف خال من أي تميز ، وكل هذا يعزوه بعض الباحثين الى الضعف في  البنية التربوية ، التي لا تستطيع الحفاظ على مكونات المجتمع  و مواجهة اعصار التقنية . و بذلك تصبح للتربية الدور الفعال في الحفاظ على هوية المجتمع و ثقافاته المتنوعة  وخصائصه المميزة عن باقي المجتمعات .

المراجع:

-برتراند راسل ، في التربية ، ترجمة سمير عبده ، منشورة دار مكتبة الحياة بيروت. عبد الرؤوف الضبع ، علم الاجتماع العائلي ، دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر .

Rousso , Émile ou de l’éducation , GF Émile Durkheim, L’éducation morale (1902-1907) , puf