الرابط : اراء حرة (::::)
محمد قواص -لبنان (::::)
لم يحظ الشيخ أحمد الأسير باحتضان واسع من قبل السنّة في لبنان، بقي شيخ عبرا ظاهرة عابرة تلامس مشاعر الطائفة وتعبّر عن المكبوت لديها، بيد أن شكل الظاهرة ووسائل تعبيرها بقيت مُنفّرة لا تتسقُ مع مزاج السنّة ومزاج الصيداويين.
ولئن حظي الرجل بتضامن شعبوي أو سلفي متردد، إلا أنه ظل ظاهرة إعلامية يحتاج من أجلها إلى ترويج دائم، ولذلك انتقل من موقعة إلى موقعة بغية الحفاظ على حضور إعلامي في المشهد العام، من مسجد بلال بن رباح في عبرا، إلى ساحات بيروت، انتهاء بميادين القصير في سوريا.
اختار الرجل أسلوبا استفزازيا يتحرى جمع الأعداء وتوسّل الحصار، وذهب بعيدا في مهاجمة حزب الله وحركة أمل وزعمائهما، وانزلق أثناء ذلك في استفزاز الشيعة واستعدائهم. حمل جماعته في حجّ للتزلج في مناطق تسكنها غالبية من المسيحيين، فاستفز قسما منهم. هاجم تيار المستقبل، الذي يتزعم الحراك السياسي للسنة في لبنان، فخسر حيث أراد أن ينهل من جمهور التيار جمهوراً.
لم يقدم الشيخ أحمد الأسير نفسه سياسيا. قيل عنه إنه عفوي لا يحسب لأجندة ولا يناور لشيء خلف الكواليس. قال في العلن ما ترتبه قوى أخرى في تصريحات ومواقف وبيانات. وعبر بأبجدية مباشرة ما تدبجه خطب الآخرين من مضامين مرمّزة. جاء الرجل من خارج السياق فجفل منه أهل السياق ولفظته شروط هذا السياق. لم ينجح الرجل في أن يتموضع ضمن معسكر أو حلف أو بيئة، فكان أن انهار عقب أول قرار لإزالته في الشكل والمضمون. لم يتوقف اللبنانيون عن طرح السؤال المحيّر: من وراء الرجل؟ قيل إن رئيس الجمهورية اللبنانية فاتَح القطريين بشأنه فأنكروا أي ارتباط به. اتُّهم من قبل الخصوم بأنه ألعوبة في يد تيار المستقبل وشعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي. قيل أيضا إنه صنيعة حزب الله الذي يشتد التفاف الشيعة حوله كلما أخرج الأسير «تحريضا» أو «أثار فتنة». وظل تضامن السلفيين معه خجولا تخاله تضامن المحرجين أكثر منه تضامن البيت الواحد.
أصبح الرجل ظاهرة مزعجة للجميع. للدولة المربكة، لتيار المستقبل الذي فشل في ترويضه، ولحزب الله الذي تكال له الاتهامات والانتقادات بأقسى التعابير. أشاع حزب الله وحلفاؤه في الأسابيع الأخيرة التبرم والضيق من ضبط النفس، وصولا إلى الدعوة إلى التخلص من الأسير ومن «الفتنة» التي يمثّلها.
تحدث شيخ عبرا عن «حزب إيران» وسلاحه المثير للجدل. رفع شيخ عبرا الصوت وطالب واعتصم وهدد وهوّل، مطالبا بإزالة الشقق الأمنية التي تحاصره وتحاصر مدينته. تعاملت الحكومة مع الظاهرة بالتراضي والاسترضاء، فيما قوى الدولة العسكرية تولّت بارتجال ركيك إدارة ميدانية لمسلسل لا ينتهي، من الاستيعاب والتهدئة وتدوير الزوايا في سعي لتأجيل الانفجار. حصل ما يجب أن يحصل، تتراجع القوى السياسية بعد أن أشبعت الواقعة تبرما واحتجاحا وتفهما وتهديدا… إلخ، تاركة للميدان أن ينفجر. لا نعرف ما إذا كان الحسم العسكري جاء وليد ساعة الانفجار أم دُبّر له. ولا ندري هل الرواية الرسمية دقيقة في اتهام الأسير وصحبه بالتورط مباشرة وبدم بارد، أم أن قوى أخرى عملت على ذلك. ولا نعلم مدى دقة الحديث عن مواجهة بين جيش وخارجين عن القانون، فيما الصيداويون يتحدثون عن مشاركة حزب الله و»سرايا المقاومة» في المعارك وسقوط قتلى في صفوفهما.
المهم أن الواقعة أنهت عسكريا «مربع» الأسير الأمني وضجيحه، لكن جدلا كثيرا أثارته مواجهات صيدا وعبرا. أحمد الأسير يمثل مشكلة لكنه ليس هو لب المشكلة. يعتبر فريق كبير في لبنان أن الأسير ردة فعل طبيعية على فائض قوة يمارسه حزب الله على اللبنانيين في لبنان. هو ورم نبت من هيمنة الحزب على مقاليد الأمور في السياسة والأمن والمال والاقتصاد منذ «صدامات 7 أيار» واتفاقات الدوحة التي نتجت عنه. الأسير ظاهرة شكلية إذا ما قيست بالمعضلة الحقيقية التي ينقسم حولها اللبنانيون المتمثّلة بحزب الله وسلاحه، لاسيما في تفاقم ذلك منذ تدخل الحزب في الصراع السوري. ولأن الأسير ظاهرة شكلية، فإن إزالتها لا يضمن خروج ظواهر أخرى أكثر فتكا، طالما أن العلّة مستمرة في النمو والترعرع.
حظي الجيش اللبناني بإجماع استثنائي في الأيام الأخيرة. وقف فريق 14 آذار وراء الجيش لدفاعه المبدئي عن الجيش كجهة عسكرية وحيدة تحظى بشرعية السلاح مقابل لا شرعية السلاح الميليشاوي، بما فيه سلاح حزب الله. ووقف فريق 8 آذار وراء الجيش لتلاقي العملية العسكرية مع مراميه في إزالة منغصات تهاجم كل البنية التي يتشكّل منها الحلف، من احتكار حزب الله للقوة ومن ديمومة النظام في دمشق.
لكن هذا الإجماع الظرفي سيكون لا شك مؤقتا، ذلك أن الجيش نفسه غير قادر على (أو لا يريد) منع تجاوزات أمنية مشابهة لدى أطراف أخرى، ما يروج لتململ داخل صفوف قسم من اللبنانيين من غياب العدالة في تطبيق القانون على كل اللبنانيين سواسية. في صيدا، ورغم النفور من الحالة الأسيرية، هناك من وجد في العملية العسكرية ضد الأسير يوما أسودا يكرس «احتلال» حزب الله لعاصمة الجنوب.
والحقيقة أن تقدم الجيش اللبناني بشكل عام للإمساك بالحيزين العسكري والأمني لا يتوافق مع مزاج حزب الله وحلفائه. فصحيح أن مرامي العملية العسكرية تذهب في اتجاهات الحزب، غير أن الحزب لا ينظر بعين الرضى إلى إمكانيات تنامي دور الجيش في السجال الداخلي. لم يرحب الحزب قبل سنوات بعمليات الجيش ضد مخيم نهر البارد ورفضها معتبرا «المخيم خطا أحمر» (حسب تصريحات أمينه العام).
ولم يوافق الحزب، إلا على مضض، على نشر الجيش اللبناني في الجنوب بعد حرب 2006. واستفز الحزب أيضا الحديث عن تسليح الجيش، لاسيما بطائرات حربية، قيل أن سعد الحريري حصل على وعد بشأنها من قبل موسكو، بما يعبر عن لبس في العلاقة الحقيقية بين «المقاومة» والجيش من داخل المثلث الممل للشعب والجيش والمقاومة.
تأتي عملية الجيش مواكبة لمواقف لافتة من الرئيس ميشال سليمان دفاعا عن سيادة البلاد ضد الاعتداءات السورية. وهي في لبسها قد تشكل سابقة قابلة للرعاية، حتى من قبل المجتمع الدولي، بحيث يتحول الجيش إلى المؤسسة الوحيدة التي بإمكانها جرّ المترددين إلى كنف الدولة. قد يحتاج الأمر إلى انسحاب السياسة من المؤسسة العسكرية، بما في ذلك توقف الجيش عن إنتاج رؤساء للجمهورية. أمر لا يبدو واردا في السياقات الراهنة.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

