(كندرة) ام سعد العراقية ( كتبت هذه القصة سنة 2003)

 

الرابط : القصة (::::)

قلم : وليد رباح  – نيوجرسي (:::)

قررت في لحظة ما .. وفي زمان ومكان ما .. ان انعي اليكم ايها السيدات والسادة .. كعب كندرة ام جاسم العراقية في الحرب التي دارت رحاها على مشارف البصرة .. فام جاسم تعتبر صديقة لقوات الغزو بناء على البيانات الصادرة عن قوات التحالف التي جاءت الى العراق محررة .. ولم تأت محتلة .. مما رسخ في يقين ام جاسم .. أن تتحرك عن سبق اصرار وتعمد .. للحصول على كيلو او اثنين من الديمقراطية القادمة .. قبل ان (تنفق) ويتقاسمها العراقيون فلا تجد منها شيئا .. وكما لا تعرفون فان ام جاسم قد فقدت في قصف ملجأ العامرية ثلاثة من احبائها عندما كانت تسكن في بغداد .. وعندما رأت صواريخ التوماهوك تضرب بغداد قررت ان ترحل باتجاه الجنوب .. متناسية ان الجنوب نارا ملتهبة .. ولم يأت رحيلها للجنوب عن غباء .. فقد حسبتها في (مخها) فوجدت ان الشمال محاصر ب ( الاعدقاء) الاكراد .. والغرب محاصر بقوات الدولة التي كانت ( تلهف ) بترول العراق بالمجان .. ورأت ان حدود السعودية مغلقة بحجة تصليح الطرقات الملطخة بالمطبات والحفر.. لذا فالمكان الوحيد (الآمن) بناء على بيانات قوات التحالف هي البصره .. وهكذا حملت ( شماشيرها) واتجهت الى هناك .. فكرت ام جاسم ان تصحطب معها ميزانا لكي تزن لنفسها بعض نتف من الديمقراطية الموعودة .. ولكنها قالت لنفسها .. ان البصرة تحوي الكثير من الموازين .. ويمكن ان تستعير ميزانا من احد الناس لكي تزن لنفسها رطلا او دون ذلك من ديمقراطية قوات التحالف .. ثم حدثتها نفسها ان تأخذ في جعبتها بعض النقود فربما ارادوا بيعها شيئا من الديمقراطية دون منحها فطمأنت نفسها الى انها يمكن ان تبيع ( كندرتها ) اذا ما اقتضى الامر وتشتري بدلا منها بعضا من الديمقراطية .. في الطريق الى البصره حدثت اشياء غريبة وعجيبة .. فقد رأت قوات الجيش الغازي تطلق النار على المدنيين في الطرقات .. فتيقنت ان ما سمعته في اذاعة الجيش الغازي عار عن الصحة .. وشاهدت المرحاض الطيني في استراحة قرية النشوى مدمر عن آخره فعلمت انهم دمروه عمدا كي لا تقضي حاجتها عندما تريد ذلك .. رأت اطفالا يصرخون لانهم جوعى فطمأنتهم ان قوات ( التحالف) سوف تطعمهم.. وما عليهم الا الصبر .. ثم شاهدت جنديا امريكيا (يشحذ) سيجارة من أسير عراقي فكشرت وغضبت وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير .. اذن .. كيف يطعمون الناس وهم يشحذون السجاير .. رأت طائرة اباتشي تحوم فوق رأسها فنبهتها احدى النساء الى وجوب فرد عباءتها وفتحها خيفة ان يظن الطيار انها تخفي صاروخا من نوع ارض جو تحت عباءتها فيقصفها .. فضحكت ام جاسم .. وعندما لوحت للطيار برغيف الخبز الذي تخفيه تحت عباءتها ذهب الطيار بعيدا .. الا ان الشىء الذي كان يعذب ام جاسم .. هو كندرتها التي تخفيها تحت ابطها ولم تنتتعلها خيفة ان تهترىء وهي سائرة على طريق البصره .. كيف تحافظ عليها في وقت الازمات .. كيف تعطي اشارات لطائرات الغزاة بانها كندرة وليست صاروخا عابرا للفضاء.. كيف تحافظ على كعبها سليما وهو السلاح الوحيد الذي تمتلكه .. خاصة وانها لم تقرر استعماله بعد .. وهكذا نسيت ام جاسم جوعها وتعب سفرها وبحثها عن مكان آمن تلجأ اليه وركزت تفكيرها بذلك الكعب ( اللعين ) الذي تحتضنه  . ها هي ذي تفكر كيف تخفي تلك الكندرة عن اعين المارة والجنود .. ومن خلال تفكيرها اصطدمت بحاجز يفتش الناس على الطرقات فضمت ذراعيها الى كندرتها خيفة ان يصادرها الجنود .. وعندما جاء دورها في التفتيش تحدثت الى الجندي باسمة .. ولكنه لم يعرها اهتماما .. فام جاسم ضليعة في التحدث باللهجة العراقية المحلية .. والجندي لا يفهم سوى الرطن باللغة الانجليزية .. وبعد الحاح رأى الجندي ان ام جاسم لديها شيئا هاما فظن انها سوف تنضم الى قوات التحالف فاستدعى مترجما لكي يفهم ما تريده .. وكانت المفاجأة ان ام جاسم تريد تبديل كندرتها بالديمقراطية .. ضحك الجندي وسمح لها بالمرور وهكذا غادرت ام جاسم الحاجز الاول متجهة الى الحاجز الثاني ..

خلال الايام التالية .. نامت ام جاسم على جسر البصرة .. لم تر الديمقراطية ولم تشاهدها بام عينها .. كانت تسمع عنها ويقول لها الناس انها مخلوطة بالطحين الذي يمكن ان توزعه قوات التحالف على سكان المدينة .. اكثر من هذا قيل لها انها مشحونة عن طريق الكويت وسوف تأتي .. ولكنها انتظرت لليوم الثالث على التوالي فلم تر شيئا من الديمقراطية او تلمسها . يقال وعلم ذلك عند اهل الخبرة .. ان ام جاسم افاقت صباحا فرأت ان كعب كندرتها قد اعطبته بندقية جندي (صديق) فكسر .. وقيل لها ان مجندة من قوات المارينز رأت في كندرتها تخفيا من نيران الحرس الجمهوري فانتعلتها حتى يقال انها عراقية الاصل والجنسية فيبتعدون عنها .. وقيل ( او هكذا قالت ) ام جاسم .. ان العديد من الناس في البصرة .. قد احضروا معهم شوالات ذوات خطوط حمراء لكي يعبئوها بالديمقراطية .. ولكنهم لم يجدوا غير الرصاص والرعب والموت والدمار .. ووعد بان القوات سوف تحضر الطعام للناس بعد موتهم .. وبعد موت الديمقراطية