تعثر الثورات العربية


الرابط : اراء حرة (::::)
د. ناجي شراب – فلسطين المحتله (::::)
ما زالت الثورات العربية تعيش مرحلة إنتقالية تسودها عوامل التعثر والفشل أكبر من النجاح ،لأن هذه هذه الثورات وعلى الرغم مما حققته من إنجازات كبيرة لا يمكن إنكارها وأبرزها سقوط أنظمة حكم سلطوية كان يصعب سقوطها ، وحتى التنبؤ بقيام مثل هذه الثورات ، وخلق بيئة ثورية قابلة للتوالد الثورى من خلال إيجاد ولأول مرة مواطن ثورة ، بمعنى أنه مواطن لم يخاف من بطش أى سلطة ، وعلى إستعداد للتضحية بحياته من أجل تحقيق أهداف الثورة والتي على رأسها تحقيق العدالة الإجتماية والمساواة ، وتأكيد روح المواطنة الواحدة ، فهذه الثورات قامت أساسا لأن المواطنة لم تكن قائمة ، وبالتالي هى ثورة المواطنة االواحدة . هذا الهدف الأساس إذا لم يتحقق فهذا يعنى إستمرار حالة الثورة العنيفة بكل صورها . وبقراءتنا في مقالة سابقة للأسباب التي أدت إلى نجاح او قيام الثورات العربية ، نجد وهنا المفارقة التي قد تكمن وراء تعثر بل وتراجع الثورات العربية عن أهدافها الحقيقة في بناء دولة ديموقراطية مدنية تحقق هدف المواطنة الواحدة أن نفس الأسباب والعوامل السابقة ما زالت قائمة ولكن في إطار حكم قوى سياسية جديدة وهذه المرة هى الحركات الدينية التي إن لم تتخلص من عقدة الحكم ، وعقدة الحرمان السياسى ، وتفهم أساب إندلاع الثورات العربية فإن مصيرها لن يكون بعيدا عن أنظمة الحكم السابقة ، لكن هذه المرة سيكون العنف والقتل أشد ضراوة وشراسة لأن الحكم وهو الهدف ليس المواطنة الواحدة سيكون سببا لهذه القوى والحركات والتنظيمات الدينية في الدفاع عن حقها بالحكم باى ثمن ، دون إدراك أن الحكم الديموقراطى أو ما يسمى بشرعية الصندوق أبعد بكثير من حدود هذه الشرعية ، فالديموقراطية ممارسة ، ومنظومة حقوق أساسية تقوم على مفهوم المواطنة الواحدة ، وفى هذا السياق لا تختلف المقارنة بين نظام ما قبل الثورة ونظام ما بعد الثورة ، فالإثنان يشتركان في هدف الحكم ، وفى آلية شرعية الصندوٌق. وفى تفسير حالة التراجع وعدم القدرة على التكيف مع البيئة الثورية الجديدة تطرح نظريات كثيرة لتفسير هذا التراجع ، منها غياب الثقافة الديموقراطية وتجذر ثقافة العنف لدى المواطن العادى بسبب حالة الحرمان من ممارسة حقوقه السياسية والمجتمعية ، ولذلك وبمجرد أن وجد هذا المواطن بيئة جديدة إنفجرت في داخله الرغبة لتعويض سياسات الحرمان السياسى بالعنف الذي نلمس أشكاله ألأن ، وإلى جانب هذا العنف يوجد عنف الجماعات الدينية التي تسعى للحفاظ عل الحكم باي ثمن ، وفى السياق نفسه لا يمكن إعفاء القوى المعارضة من هذا التفسير ، وبالتالى أصبحنا أمام نموذج مركب من العنف الفردى والرسمى والمجتمعى .ومن الأساب التي تكرر نفسها غياب آليات الشرعية السياسية المنتخبة بالتمسك بالمعنى الضيق للشرعية والمتمثل في شرعية الصندوق، وضعف الشرعية أيضا لأن هناك شبهة تزوير في ألإنتخابات ، وعدم مشاركة حقيقية تؤسس لشرعية سياسية قوية .وهنا يفاجأنى تساؤل مهم هل السبب في حالة التراجع هو فوز ألأخوان ألمسلمين ومعهم قوى إسلامية مثل السلفيين ؟ والسؤال يصيغة معاكسة هل لو فازت القوى الليبرالية الأخرى سيتحقق الهدؤ السياسى وعملية التحول السياسى المنتظم نحو الدولة الديموقراطية الواحدة؟ أعتقد أن الإجابة في الحالة الأولى نعم الأخوان ووصول القوى السياسية ألإسلامية سببا مباشرا في تفسير حالة التراجع لأنها لم تتدرك أهداف الثورة ، وأنها ليست ثورة دينية بل هى ثورة سياسية من أجل اهداف سياسية ، وبالنسبة للقوى الليبرالية ففوزها كان سيكون له نفس النتائج لرفض القوى الدينية لأى شكل من أشكال الحكم العلمانى أو الليبرالى ، ولن يعترفوا بنتجية أى إنتخابات بل سيذهبون للتشكييك في نزاهتها. ولقد كانت وما زالت أمام القوى السياسية ألإسلامية وخصوصا ألأخوان فرصة كبيرة لتقديم نموذج حكم توافقى يجنبهم ويجنب الجميع الدخول في مرحلة الدولة الفاشلة التي ستكون بداية لثورة جديدة يخسرون فيها الحكم والسلطة ، ويخرج الجميع فيها خاسرا .وإلى جانب التفسيرات السابقة هناك من يرى الفشل في ألأساب السياسية وخلق بيئة ثورية لا تقبل المهادنة ، فلم تعد بيئة نظام الحكم الجديد بيئة ساكنة خاضعة خائفة ، مطيعة ، بل هى بيئة رافضة ، وهذه المرحلة قد تطول إلى أن تدرك كل القوى السياسية ومعها المواطن نفسه أنه لا جدوى من إستمرار العنف ، وأن البديل لذلك العودة لخيار التوافق السياسيى والمجتمى .وفى السياق نفسه يمكن القول أن إنحسار دور المؤسسة العسكرية ، ورغبتها بعدم المشاركة السياسية التي قد تكلفها الكثير من هيبتها ومصداقيتها الوطنية سببا في إستمرار حالة التراجع ، وفى غياب هذا الدور تبقى الحسابات السياسية لمن يحكم ومن في المعارضة المراهنة على عنصر الوقت والقدرة على عدم الرضوخ لمطالب الطرف الآخر التي يفسرها كل طرف بانها تنازل ، في مباراة من وجهة نظرهم غير صفرية . وهذه كلها حسابات ورهانات خاسرة . وأخيرا بإدراك هذه العوامل ، وتغيير مدركات الحكم ، وفهم الدور الحقيقى للدين كأحد مصادر الشرعية السياسية وليس كلها بقدر الخروج من عنق الزجاجة التي وضعت كل القوى الثورية نفسها فيه ،ووضعت الدولة والشعب معها في داخلها , والحل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة هذا إما بتوسيعها ، وإما بكسرها على رؤوس الجميع.
دكتور ناجى صادق شراب\ أستاذ العلوم السياسية \غزة
drnagish@gmail.com