مصالحة بعيدة المنال

الرابط : فلسطين (::::)
د. فايز رشيد – فلسطين المحتله (::::)
اجتماع القاهرة بين حركتي فتح وحماس بزعامة الرئيس عباس وخالد مشعل،وبحضورالفصائل الفلسطينية ,لم يكن الأول ولن يكون الأخير،فمن قبل جرت اجتماعات واتفاقات في العاصمتين المصرية والقطرية بين الطرفين , لكن الحصيلة على أرض الواقع كانت صفراً بامتياز،فلم تتحقق المصالحة , وتعطل عمل اللجان العديدة التي جرت تسميتها وتشكيل أعضائها. 
باختصار: تجربة شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية مع الطرفين لم تكن مشجعة مطلقاً فيما يتعلق بالمصالحة وتحقيقها بل العكس من ذلك:كل طرف يتمسك بسلطته سواء في رام الله أو غزة،ويمارس واقعه باعتبار(حكمه) مسألةً دائمة،دون الالتفات لمطالب ومصالح الشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات،ودون النظر للانقسام باعتباره كارثة لقضية شعبنا ومشروعنا الوطني, وباعتبار ضرورة إنهائه مسألةً ملحة, للظروف التي يمر بها النضال الفلسطيني على المستويين:الذاتي والموضوعي،فمن حولنا تتكالب إسرائيل وحلفاؤها على تصفية الحقوق الوطنية , وإنهاء هذه القضية, وفرض تسوية إسرائيلية-أمريكية ليس على الفلسطينيين فحسب , وإنما على الأمة العربية.للأسف لم يستجب الطرفان(وما زالا لا يستجيبان) لمتطلبات وضرورات المرحلة والقضية والمشروع الوطني.هذا بالرغم من أن السلطتين في كل من رام الله وغزة محتلتان،الأمر الذي يؤكد:أن نضالاً طويلاً ما زال أمام شعبنا لإنجاز حقوقه الوطنية , وبناء دولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.
الانقسام أعادنا سنوات طويلة إلى الوراء،وفضّ أصدقاء القضية الفلسطينية من حولها،وبدونا وكما نبدو أمام العالم كسجينين يتنازعان من يمتلك مفتاح السجن،الانقسام لم يبق على الصعيد السياسي فحسب،وإنما بدأ يتحول إلى انقسام جغرافي،وإذا ما استمر بضع سنوات أخرى فربما سيتحول واقعاً جغرافياً نهائياً.الانقسام يسهّل تصفية القضية الفلسطينية , ويؤثر سلباً على وحدة النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني في مناطق تواجده المحتلفة وفي الشتات.إنهاء الانقسام يشكل قوة للنضال الوطني, ويضيف أبعاداً إيجابية لانعكاس صورة الفلسطيني في الذهن العربي ولدى أصدقائنا على الصعيد الدولي.لا أحد سواء أكان فلسطينياً أم عربياً أم أممياً يستطيع فهم بقاء هذا الانقسام!.
ندرك كل الظروف والتعقيدات التي تمر بها الساحة الفلسطينية من حيث: اختلاف البرامج السياسيه وتعدد الانتماءات الفكريه والايديولوجيه،وتنوع الرؤى, والاختلاف أيضاً في الوسائل وآليات النضال, لكن فإن هذه القضايا كلها لم تكن وليدة الساعة،فقد رافقت النضال التحرري لشعبنا منذ بدايته،فالتعدد الفصائلي صاحَبَ الثورة منذ انطلاقتها  وبخاصة بعد عام 1967،كل ذلك لم يمنع قيام وحدة وطنية فلسطينية على مدى عقود زمنية رغم كل الاختلافات المشار إليها،كان يتم الاتفاق سابقاً على القواسم الوطنية المشتركة،هذا الأخير هو المطلوب تحقيقه الآن،وإذا ما تحرر شعبنا من نير الاحتلال فلتتصارع برامج القوى على الساحة الشعبية.شعبنا لم يتحرر بعد،لذا فإن الانقسام هو بمثابة مؤامرة على قضيتنا.
للأسف،أصدر الرئيس الفلسطيني قراراً بتأجيل موعدي تشكيل الحكومة الفلسطينية المؤقتة وإجراء الانتخابات لآذار /مارس القادم.هذا يعني:لما بعد زيارة الرئيس الأمريكي أوباما لإسرائيل ولمناطق والسلطة وللأردن،مما يؤكد:أن المراهنة على الولايات المتحدة باعتبارها(وسيطاً نزيهاً) ما زالت قائمة! نقول:إن هذه المراهنة خاطئة بامتياز،وسبق لمحمود عباس أن أجّل طرح عضوية فلسطين المراقبة على الجمعية العامة للأمم المتحدة لما بعد نتائج الانتخابات الأمريكية, وكان ذلك بطلب من الإدارة الأمريكية.ما الذي حصل بعدها؟أُجريت الانتخابات الرئاسية وفاز أوباما بولاية ثانية , لكن الموقف الأمريكي لم يتغير , وصوتت واشنطن ضد قبول فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة،ليس ذلك فحسب وإنما مارست الضغوطات على الدول الحليفة لها لتحذو حذوها في عملية التصويت!.
ما الذي يعنيه ذلك؟ذلك يؤكد:أن الولايات المتحدة التي تتبنى المواقف الإسرائيلية قلباً وقالباً،لن تمارس ضغطاً ولو صغيراً على إسرائيل من أجل زحزحتها عن مواقفها المتعنتة , ليس ذلك فحسب،وإنما سيمارس أوباما ضغوطاته على الجانب الفلسطيني للقبول بالمواقف الإسرائيلية ,والعودة إلى المفاوضات دون وقف الاستيطان لا في القدس ولا في الضفة الغربية , فقد سبق لإدارته أن أعلنت”إن وقف الاستيطان لا يشكل عقبةً،أمام عودة المفاوضات”.
سبق لأوباما أن تخلى عن مواقفه،إن بالنسبة لمواعيد قيام الدولة الفلسطينية(فقد تمنى في خطابه في الجمعية العامة في عام 2011،أن يرى مندوب دولة فلسطين موجوداً من ضمن الوفود, وها نحن في العام 2013 ولم يتحقق ذلك)وعن اشتراطاته بوقف الاستيطان من أجل العودة إلى المفاوضات،وعن وعوده التي قطعها في خطابيه في كل من أنقره وجامعة القاهرة:بأن تتعامل الولايات المتحدة في عهده بنهج جديد مع العالمين العربي والإسلامي: قائم على الاحترام ومراعاة مع تحتاجه المنطقة،وخاصة فيما يتعلق(بالسلام) : بين كل من الفلسطينيين والعرب من جهة،وبين إسرائيل من جهة أخرى.أوباما لم يكن الرئيس الأمريكي الأول في إطلاق الوعود حول حقوق الفلسطينيين وإنجاز دولتهم , بل سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين:كلينتون وبوش الابن.لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة تريدان إنجاز المصالحة،يرغبان ويفعلان ما بوسعهما لإبقاء الانفسام.للأسف لا توجد إرادة حقيقة لدى الطرفين الفلسطينيين لإنجاز المصالحة …لكل ذلك يبدو تحقيقها صعب المنال.
*   *   *