الرابط :” فن وثقافة (::::::)
بقلم : حسنى حنا – نيوجرسي (:::::)
التاريخ فى الساحل السورى ليس فكرة مجرده , ولا تتم قراءته فى اوراق وبطاقات .. الذاكره هنا حيه , فى الانهر والتلال والاعمده والفسيفساء , والمدن والقلاع , والحصون والمتاحف .
ومتحف اللاذقيه هو واحد من المتاحف الهامه فى سوريه , وهو يمتاز بضخامته وحسن هندسته , وتناسب عناصره العمرانيه , حيث القناطر الحجريه الجميله , والدعائم التى تحمل السقوف المعقوده , المبنيه بالحجر الرملى المحلى . كل هذا يجعل من هذا البناء , أجمل بناء فى عصره فى مدينة اللاذقيه , ويرقى هذا البناء الى القرن الثامن عشر , وربما قبل ذلك .
ويتميز هذا المتحف أيضآ , باحتوائه على العديد من القطع الأثريه والتحف الفنيه , فهناك التماثيل الحجريه , والتوابيت المزينه بالزخارف والنقوش , التى تعود الى العهدين اليونانى والرومانى , والجرار الفخاريه , والكثير من الآثار المكتشفه فى أوغاريت , والتلال والمواقع الأثريه الأخرى .
وفى قاعة الآثار القديمه (رأس ابن هانى ) يقبع حجر مستطيل الشكل يرتكز اليوم على قاعده خشبيه , يبلغ طوله 160 سم وعرضه 80 وارتفاعه 35 سم ولهذا الحجر قصه وأهميه كبيره , وقد تم العثور عليه فى موقع رأس ابن هانى الأثرى فى عام 1982 .
رأس ابن هانى :
يقع رأس ابن هانى , الذى يسمى أيضآ رأس الفنار , الى الشمال من مدينة اللاذقيه , وهو يبعد عنها حوالى ثمانية كيلو مترات شمالآ , وعن مدينة أوغاريت خمسه كيلو مترات غربآ . ويمتد على مسافه 2,5 كيلو متر داخل البحر , وعرضه حوالى 500 متر , ولا ترتفع أعلى نقطه فيه عن تسعة أمتار فوق سطح البحر , وتقوم على قسمه الاوسط والغربى مدينة سياحيه حديثه , وعلى ساحله الجنوبى ويقوم فندق ميريديان السياحى . أما من ناحيته الشرقيه , فتقوم مدينة أثريه هامه , كانت فيما مضى تابعه لمملكة أوغاريت الشهيره , التى كانت بحكم موقعها ونشاطها التجارى البحرى , مركز التقاء شعوب ولغات ويبدو من الناحيه الطبيعيه , أن رأس ابن هانى كان فى الأصل جزيرة , وحتى الألف الأول قبل الميلاد , كان أقرب شكلآ الى الجزيره منه إلى الرأس , وقد اتصل باليابسه من جهة الشرق حوالى الألف الثانيه قبل الميلاد , ويؤكد ذلك وجود طبقات رمليه ناتجه عن الردم البحرى .
الحفريات فى رأس ابن هانى :
بدأت الحفريات فى هذا الموقع عام 1975 , وقد دلت التنقيبات الأثريه على وجود مدينه كانت تابعه لمملكة أوغاريت , وقد كانت هذه المملكه تمتد من الجبل الاقرع شمالآ الى نهر السن جنوبآ .
ويرى العالم الفرنسى (رينيه دوسو R.Dussaud)
فى هذا الرأس موقع مدينة ديوسبوليس , التى كانت قائمه فى العهدين اليونانى والرومانى , والتى ذكرها المؤرخ الرومانى “بلينى” فى كتابه : (التاريخ الطبيعى ج 5 فقره 17 ) .
وتعمل فى رأس ابن هانى اليوم بعثه سوريه – فرنسيه مشتركه , ولقد أدت الاكتشافات الأثريه فى هذا الرأس حتى اليوم , إلى إكمال وتجديد معارفنا بشأن مملكة أوغاريت .
وتدل التنقيبات الأثريه أيضآ , أن هذا الموقع ظل عامرآ بلا انقطاع , منذ اواخر عصر البرونز الحديث 1300-1200 ق.م , إلى اواخر العهد البيزنطى فى سوريه (القرن السادس الميلادى) .
وقد ذكر العالم الفرنسى دانييل أرنو , أن هذا الرأس حمل اسم “بيروتى” أى بلده الآبار , استنادآ إلى نص أكادى اكتشف فى هذا المكان عام 1981 .
قالب صب السبائك البرونزيه :
يبدو أن القصر الجنوبى فى موقع رأس ابن هانى الأثرى , كان القصر الملكى , أما فى القصر الشمالى الواسع , فهناك العديد من الشواهد التى تدل على وجود منشأة صناعيه معده لتصنيع المعادن , كانت تقوم بصهر النحاس والبرونز , وصبها سبائك على شكل (جلد ثور) , أو (مستطيل مقوس الأضلاع) , وقد كانت السفن التجاريه الكنعانيه تنقل هذه السبائك فى البحر المتوسط , أو البحر السورى الكبير كما سماه بطليموس (حوالى عام 150 ق.م) حيث كانت تباع فى الموانى والمراكز التجاريه , المنتشره على أطرافه .
ورأس ابن هانى , هو اول موقع وجد فيه قالب حجرى , استخدم لصب تلك السبائك , وهو على شكل بلاطه حجريه ضخمه كانت مثبته فى الارض , حفر سطحها بالشكل المطلوب لصنع السبيكه , وقد تم نقل هذا القالب من موقعه الى متحف اللاذقيه فى مطلع عام 1991 .
أهمية الإكتشاف
إن اكتشاف هذا القالب , هو شئ خارق للعاده , بالنسبه للتاريخ الاقتصادى فى سوريه , بل وفى شرقى البحر المتوسط , والعالم القديم .
ويدل هذا الاكتشاف , على أن أوغاريت كانت تسهم إسهامآ نشيطآ فى تجارة النحاس الدوليه ,ولعل النحاس كان يجلب من جزيرة قبرص , أو من بلاد الاناضول , او من مناجم محليه لا تزال مجهوله .
وقد تم العثور على السبائك النحاسيه والبرونزيه فى اوغاريت نفسها وفى سواحل الاناضول , وقبرص , واليونان , وكريت , وجزيرة مالطه وصقليه وايطاليا , كما وجدت فى جنوب فرنسا واسبانيا , ووصلت عبر البوسفورالى البحر الاسود , حيث وجدت مقابل الشواطئ البلغاريه الجنوبيه , وقد كان النشاط البحرى خلال العصر البرونزى وبداية العصر الحديدى شديدآ وجسورآ ومفعمآ بالحيويه , حيث كانت المرافئ الكنعانيه فى شرقى المتوسط , وفى الكثير من أنحائه الأخرى , منتظمه كالآلئ فى الطوق .
اكتشاف أكبر كميه من السبائك البرونزيه :
فى شاطئ الاناضول الغربى عثر فى عام 1984 على حطام , يعتبر أقدم حطام سفينه عرفت حتى الآن , وتعود غالبآ الى القرنين 13-14 ق.م .
ويقوم بدراسة حطام هذه السفينه ومحتوياته , العالم الامريكى (د.جورج باس)
( D.G.Bass )
المتخصص فى مجال البحث والتنقيب الأثرى تحت سطح الماء . وقد نشرت نتائج أبحاثه فى مجلة (ناشيونال جيوغرافيك)
( national geographic )
فى عددها الصادر فى شهر كانون الاول من عام 1987 .
ان حطام هذه السفينه الاوغاريتيه الغارقه , يوفر خريطه مفصله ونابضه بالحياه , لطرق التجاره والشحن فى البحر المتوسط , لأكثر من ثلاثة آلاف سنه خلت .
كانت هذه السفينه تجوب شواطئ البحر المتوسط مبحره من سوريه الى قبرص , ومن ثم الى بحر إيجه , واحيانا الى ايطاليا , ثم تعود الى مصر فسفوريه من جديد .
لقد وجدت سبائك النحاس والبرونز والقصدير ذات الاربعه مقابض , مختزنه فى وسط السفينه , ومرتبه أمام الصارى , أما النفائس كالذهب والعاج , والجرار المليئه بالراتنج العطرى وغيرها , فقد كانت موضوعه فى مؤخرة السفينه , ومنها قلاده ذهبيه على شكل آلهه عاريه , تحمل غزالآ فى كل يد , وهذه القلاده تشبه بشكل ملحوظ واحده أخرى , وجدت فى موقع اوغاريت .
ان الشكل المميز للسبائك ذات المقابض الاربعه , يوضح المكان الذى انطلقت منه السفينه , حيث ان قالب الصب الوحيد فى العالم المعروف لهذه الاشكال , اكتشفت فى القصر المتهدم , فى رأس ابن هانى , قرب مدينة اوغاريت . وتظهر اللوحات الجنائزيه المصريه , مثل هذه السبائك , محموله بواسطة سوريين يقدمون الهدايا .
ونقرأ على سيبل المثال فى برديه مصريه تعود الى زمن الفرعون سيتى الاول (حوالى عام 1200 ق.م) : “اجلب لفرعون النحاس فى سبائك كثيره .. ” وقد كانت تلك السبائك أساسآ للتعامل التجارى من ذلك الزمن البعيد , كالنقود فى العصر الحاضر .
لقد كانت هذه قصة حجر .. بل ان لكل حجر فى الساحل السورى شيئآ يقوله .
والساحل السورى الذى تحدث عنه الكثيرون , كان وسيبقى قبل كل شئ , الساحل الذى تتجه إليه أنظار المؤرخين والجغرافيين , والسائحين ومحبى الطبيعه والجمال .






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

