القول ما قالت امريكا


الرابط : اراء حرة (:::)
طلال قديح  * الرياض (:::)
يحضرني بهذه المناسبة قول مأثور أو رؤية سديدة للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1880-1975) صاحب الكتاب المشهور ” دراسة للتاريخ” ، وهذا يعكس قراءة تنم عن بعد نظر وفهم واضح للتاريخ  ..أما هذا القول فهو ” وِيل للعالم إذا حكمه قطب واحد”!!
وكأنه هنا يتنبأ بسقوط أحد القطبين : الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.. وسقط الاتحاد السوفييتي وأسفر سقوطه عن دويلات ضعيفة وكيانات صغيرة بالكاد تذكر على المسرح الدولي..
وهكذا خلا الجو للولايات المتحدة الأمريكية ، فباضت وأصفرت.. وراحت تتصرف بلا رقيب أو حسيب..انطلقت ذات اليمين وذات اليسار تسوس العالم وفق هواها وبما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.. تصنّف الدول كما يحلو لها دونما اعتبار لحق أو قانون ضاربة بعرض الحائط كل العهود والمواثيق، فلا قداسة لأي شيء طالما لا يوافق سياستها ولا يماشي أجنداتها وما أكثرها! وهي متغيرة دوماً حسب الظروف والمستجدات.
ومن هنا ندرك أن العالم كان بالأمس أفضل حالاً منه اليوم يوم كانت هناك دولتان عظميان لا تستطيع الواحدة أن تنفرد بالساحة الدولية من غير أن تعرف ردود الأفعال لدى الطرف الآخروما يترتب عليه من تداعيات  على مستوى العالم كله.
أما الآن فإن العالم كله عدا المعسكر الغربي الذي يدور في فلك أمريكا ولا ننسى كذلك ربيبتها إسرائيل..هذا العالم يقاسي هذه السياسة الأمريكية الرعناء وهذه التصرفات الهوجاء..إن أمريكا تكيل بمكيالين وتتصرف بمعيارين لا يخدمان الأمن والسلم العالميين بقدر ما يخدمان نهجها وسياستها ويرضي أتباعها.. ونحن العرب اكتوينا بالسياسة الأمريكية المتغطرسة وتجرعنا بها الصاب والعلقم..فالعرب في نظرها ليسوا أكثر من قوم مجبرين أن يعيشوا راضين بما تيسر لهم ولا داعي ابدا للتطلع إلى أكثر من ذلك ، فهم لم يبلغوا سن الرشد بعد!! وهم سيبقون تحت الوصاية إلى ما شاءت أمريكا وحلفاؤها..!! وطالما أنهم معادون لإسرائيل الدولة الديمقراطية وواحة الحرية وفق تصنيف الغرب الظالم؟!
لنلتفت يمنة ويسرة نجد أن أمريكا هي أكثر الدول تدخلا في شؤون الدول الأخرى ، لم تترك مكانا يسلم من شرها وينعم بالسلام ليلتفت للبناء والإعمار.. فلا يحق لأحد أن يرفع رأسه أو ان يصرخ من الألم مهما بلغ وإلا فله الويل والثبور وعظائم الأمور..
خذوا مثلاً السياسة الأمريكية في الشرق الاوسط..إن إسرائيل لها أن تصول وتجول وأن تعتدي وتضرب بيد من حديد في أي مكان يحلو لها.. فالحجة جاهزة والمبررات موجودة..هي تدافع عن نفسها وتصون ترابها الوطني الذي ورثته عن آبائها وحررته من العرب الغزاة الذين سقطوا على هذه الأرض من كوكب آخر؟!! إنه منطق الغاب ، وسياسة الظلم والعدوان، وفلسفة القوة الباغية التي لا تخضع لقانون مهما كان.
إن  الفلسطينيين يتعرضون لهجمة صهيونية ظالمة ، تصادر ممتلكاتهم، وتهدم بيوتهم، وتقتل شبابهم ، ويطردون من أرضهم ليمتلكها المستوطنون الذين جاؤوا من كل بلاد الدنيا، مدفوعين بسياسة ظالمة تتبناها الحركة الصهيونية وتؤيدها أمريكا تأييداً مطلقاً بعيدا عن الحق و العدل.ٍ
ومن منطلق القطب الواحد والقوة العظمى الوحيدة فإن أمريكا ركبت رأسها واغترت بقوتها وأمنت أن لا أحد يجرؤ على كبح جماحها وإيقافها عند حدها بعد أن سقط عدوها اللدود الاتحاد السوفييتي الذي كانت تحسب له حساباً وتنظر إليه بحذر شديد..أما وقد ذهب مع الريح فلها أن تملك العالم وما فيه من غير حسيب أو رقيب.!!
ألا يكفي هذا ليدفعنا للبكاء على الماضي والتحسر بأسى على حقبة القطبين  ؟! فقد كنا آنذاك أفضل ، قدرنا دائما أن نندب حظنا ونبكي ماضينا يأساً من حاضرنا، قدرنا أن نذرف الدموع مدرارة لنغسل بها أخطاءنا وخطايانا..!! ونقول: ليت وليت..وهل ينفع شيئاً ليت؟!
•كاتب ومفكر فلسطيني.