الرابط : فن وثقافة (:::)
محمد حلمي الريشه – فلسطين المحتله (:::)
انقطاعُ “الطَّمثِ” الشِّعريِّ
مَا زلتُ أُحاولُ أَن أَتذكَّرَ سببَ انقطاعِ الشِّعرِ، خلالَ الفترةِ منَ العامِ (1982) إِلى العامِ (1985).
كلُّ مَا أَتذكَّرهُ هوَ أَنَّني بدأْتُ الحياةَ العمليَّةَ موظَّفًا فِي الماليَّةِ بعدَ تخرُّجي منَ الجامعةِ (بكالُوريوس محاسَبة وإِدارة) فِي العامِ (1982).
ربَّما انقطعَ عنِّي الشِّعرِ، أَو انقطعتُ عنهُ، بسببِ بَدءِ الحياةِ العمليَّةِ خصوصًا بعدَ الزَّواجِ، فأَردتُ أَن أَبدأَ البناءَ الأُسريَّ، الَّذي يحتاجُ جهودًا متواصلةً لإِقامتهِ، حيثُ الوضعُ الاقتصاديُّ للفلسطينيِّينَ تحتَ الاحتلالِ الصُّهيونيِّ، والَّذي كانَ أَقلَّ منَ الكفافِ عندَ معظمِ الشَّعبِ الفلسطينيِّ، فمَا بالكُ بموظَّفٍ فِي بداياتهِ!
أَتذكَّرُ، الآنَ، طُرفةً للأَديبِ/السَّاخرِ (بِرنارد شُو)، حيثُ سأَلتهُ زوجتهُ، بعدَ أَن لاَحظتْ أَنَّه لمْ يَعدْ يكتبُ لهَا/عَنها شيئًا بعدَ زواجهِ مِنها: لماذَا توقَّفتَ عنِ الكتابةِ عنِّي/لِي؟ فأَجابَها: وهلْ يُطعِمُ الصَّيَّادُ السَّمكةَ بعدَ أَن يصطادَها؟!
سأَنظرُ إِلى الموضوعِ مِن جهةٍ أُخرى/غيرِ طريفةٍ، فأَتساءَلُ: هلْ كانتْ الوسيلةُ الشِّعريَّةُ مِن أَجلِ غايةٍ عاطفيَّةٍ؟ أَي؛ بتحقُّقِ الثَّانيةِ ينتهِي عملُ/مفعولُ الأُولى؟ لكنِّني فِي تلكَ الفترةِ العاطفيَّةِ كتبتُ، أَيضًا، قصائدَ سياسيَّةً/وطنيَّةً/إِنسانيَّةً، وكنتُ أَنشرُ مِنها، فلماذَا بعدَ الوظيفةِ، فالزَّواجِ، هجَرتُ الشِّعرَ، أَو هجَرني هوَ- لاَ أَستطيعُ أَن أُحدِّدَ- خلالَ الفترةِ منَ العامِ (1982) إِلى العامِ (1985)؟ لمناسبةِ هذَا الكلامِ، فإِنِّي أَعرِفُ كثيرًا منَ الشَّاعراتِ والشُّعراءِ، بمواهبَ عاليَةٍ/متميِّزةٍ، قدْ تخلَّوا، نهائيًّا، عنِ كتابةِ الشِّعرِ لمثْلِ أَسبابي، أَو غيرِها!
أَنا رجعتُ إِليهِ، أَو أَرجعَني إِليهِ، أَو رجعْنا معًا إِلى بعضنِا في الآنِ ذاتهِ، في بداياتِ العامِ (1986)، فهلْ أَشكرُ الشِّعرَ علَى هذَا الرُّجوعِ أَمْ أَكفرُ بهِ؟ سأَتركُ الجوابَ، الآنَ، للصَّفحاتِ الآتيةِ.
الانتفاضةُ .. “كلاكيت” أَوَّل مرَّةٍ
عدَّةُ شهورٍ مرَّتْ علَى عودَتي الشِّعريَّةِ، كتبتُ خلالَها عدَّةَ قصائدَ ذاتيَّةٍ، ووطنيَّةٍ، وسياسيَّةٍ- فلسطينيَّةٍ وعربيَّةٍ.
لمْ يكُنْ، فِلسطينيًّا، ثَمَّ مَا يشيرُ إِلى “الهدوءِ الَّذي يسبِقُ العاصفةَ”.
كانَ الخروجُ منَ الشَّتاتِ اللُّبنانيِّ (بيروتَ 1982)، ومَا نتجَ عنهُ منَ انقسامِ الشَّتاتِ انقسامًا اختزاليًّا، أَبرزَ حدثٍ فلسطينيٍّ، تركَ أَثرَهُ العميمَ علَى معظمِ الفلسطينيِّينَ فِي الوطنِ المحتلِّ كلِّهِ منَ الوريدِ إِلى الوريدِ، قبلَ أَنْ نعرِفُ، هنَا، الوجهَ الآخرَ للشَّتاتِ؛ الوجهَ النَّقيضَ الَّذي لمْ يُمارِسْ “آدابَ الشَّتاتِ”، كمَا فِي الأُردنِّ فِي العامِ (1970)!
لاَ أُريدُ التهامَ “حلمةِ ثديِ” السِّياسةِ، الَّتي تنزُّ “حليبَ” أَغلبيَّةِ الفلسطينيِّينَ بحُكمِ حالتِهم، لأَنَّ الرَّضاعةَ كانتْ، ولمْ تَزلْ للأَسفِ، بالحليبِ الجافِّ، وهذَا مَا جعلَهم ينتظرونَ طويلاً تحقيقَ حرِّيتِهم علَى أَرضِهم التَّاريخيَّةِ.
مَا يهمُّني، فِي هذهِ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ، هوَ تلكَ الفُجاءة الَّتي فاجأَتِ الكلَّ علَى اختلافِ مشاربِهم؛ “الانتفاضةُ؛ اللَّونُ الأَحمرُ القاسيُّ.. الشَّجرةُ الَّتي نَبتتْ فجأَةً، ورفعَتْنا إِلى أَغصانِها المحاطةِ بالنَّارِ، حيثُ علَّقَ أَوَّلُ طفلٍ أَوَّلُ علمٍ علَى رأْسِها المدبَّبِ، ثمَّ هبطَ إِلى جذرِها ونامَ. ثمَّ.. لمْ يكُنْ منَ الممكنِ أَن تحشرَها فِي قفصٍ أَدبيٍّ لتُعلنَ انتماءَكَ لهَا علَى ورقةٍ.”
لَمْ أَنفعِلْ شعريًّا كمَا انفعلَ كثيرٌ منَ الشُّعراءِ الفلسطينيِّينَ وغيرِهم.
أَعرفُ أَنَّ الشِّعرَ هوَ المُهتدَى الأَوَّلُ التَّعبيريُّ قبلَ غيرهِ منَ الفنونِ، لكنَّهُ غالبًا مَا يكُونُ انْفعاليًّا/مرآةً عاكسةً/تسجيلَ حدثٍ؛ أَي كتابةَ شعورٍ محضٍ، لاَ كتابةَ شعرٍ ، أَو يكونُ شعريًّا، ولكنْ بلاَ شاعريَّةٍ.
ذلكَ “الشِّعرُ” حاولتُ تجنُّبهُ كثيرًا منذُ وعيِي الشِّعريِّ، علَى الرَّغمِ منْ أَنَّ لهُ سطوةً علَى الشُّعراءِ العربِ خصوصًا، قديمِهم وحديثِهم، بحكُمِ أَنَّه “ديوانُ العربِ”، ومَا لهذَا “الدِّيوانِ العربيِّ” منْ دلالاتٍ مختلفةٍ وكثيرةٍ نعرِفُها، حدَّ أَنَّه كانَ كثيرٌ منهُ، وإِلى الآنَ، أَقربَ إِلى النَّظمِ منهُ إِلى الشِّعرِ؛ نثرٌ منظومٌ، مقابلَ ما يسمَّى، “منْ (بودليرَ) إِلى الآنَ”، شعرًا منثورًا/القصيدةَ بالنَّثرِ.
قلْتُ: حاولتُ تجنُّبهُ لفراغِ شعرهِ منَ الشَّاعريَّةِ، كمَا لوْ أَنَّ قصيدتَهُ اشتعالُ ثقابٍ مرَّةً واحدةً أَو شمعةٍ، علَى أَبعدِ حضورٍ ونورٍ.
لكنْ؛ فِي الحدثِ العظيمِ، وغيرِ المتكرِّرِ إِلاَّ فِي أَزمان متفاوتةٍ جدًّا، تظلُّ قصيدتُه (أَي الحدَث) فِي الحلقِ مهمَا يحاولُ الشَّاعرُ أَن يتخلَّصَ مِنها، ولاَ يجدُ مناصًا سِوى أَن يلفظَها علَى الورقِ لكيْ لاَ تظلَّ عالقةً فِي حلقهِ أَمامَ قصيدتهِ التَّاليةِ/الآتيةِ الَّتي هيَ القصيدةُ القصيدةُ كمَا يرَاها/يريدُها/يسعَى سعيَها أَن تكونَ، وذلكَ لثباتِ إِيمانهِ بشعريَّةِ القصيدةِ مهمَا كانتْ عظمةُ/قداسةُ موضوعِها. لهذَا وجدْنا/نجدُ أَنَّ بعضَ الشُّعراءِ لاَ يضمِّنونُ قصيدةَ الحدثِ/الانفعالِ/المرآةِ للاعتبارِ الضَّروريِّ ذاكَ. (أُشيرُ إِلى أَنَّ هناكَ مَن لقَّبها بِـ”قصيدةِ الضَّرورةِ”). بالنِّسبةِ إِليَّ، فقدْ “كنتُ، ذاتَ عجزٍ، رسمتُ الانتفاضةَ شجرةً ساميةً، تسلَّقها طفلٌ ليضعَ علمًا مُشتَهًى، خاطهُ مِن ثيابهِ وخوفِ أُمِّهِ، علَى رأْسِها المدبَّبِ، ثمَ هبطَ الطِّفلُ- العصفورُ، مرئيًّا، إِلى جذرِها، ونامَ إِلى نفخة إِسرافيلَ القادمةِ. واعترفتُ بقلَّةِ الحيلةِ وبُخلِ الإِبداعِ فِي حالةٍ فريدةٍ كتِلكَ: لاَ يمكِنُ حشرُ تلكَ الشَّجرة- القبرُ الأَخضرُ فِي أَيِّ وعاءٍ فنِّيٍّ مطلقًا، إِنَّه العبثُ.. العبثُ.
لكنِّي لاَ أَزالُ، كلَّما ضاقتِ الأَرضُ بإِنسانِها الذَّبيحِ للمرَّةِ الأَلف، ورحُبتْ لقطعانِ برابرتِها الغزاةِ، أَزورُ الشَّجرةَ- القبرَ الأَخضرَ دونَ أَن أَذرفَ علَى شاهدهِ، كمَا أَوصاني، دمعةً ثانيةً، بلْ أَكتفِي، وصعْبٌ هذَا، بقراءَةِ سطورهِ الَّتي لمْ تزلْ ترفضُ أَن تُبدَّلَ حروفُ لغتِها العربيَّةِ المنقوشةِ بالخطِّ الكوفيِّ إِلى اللُّغةِ العبريَّةِ، أَو إِلى لغةٍ أُخرى.”
قصيدةُ الانتفاضةِ، فلسطينيًّا وعربيًّا، وبعدَ الصَّحوةِ منَ التَّماهي معَها، والتَّغنِّي بِها، تمَّ رجمُها بحَصى نقَّادٍ، وشعراءٍ أَيضًا.
طبعًا، فإِنَّ رؤيتَهم تركَّزتْ علَى كمِّ الحجارةِ الكثيرِ فِيها. كيفَ لاَ وسلاحُها الأَساسُ كانَ الحجرُ!
“كلُّ مرايَا القصائدِ كانتْ تعكسُ صورةَ (الجرينيكا الجديدةِ) بحروفِ الأَبجديَّةِ الجديدةِ الَّتي أَصبحتْ، بعدَ جلاءِ الدُّخانِ عنِ العيونِ، عيبًا شعريًّا! كيفَ وقدْ فعلْنا جميعًا، بمختلفِ قاماتِنا، الفعلَ نفسَهُ بالأَبجديَّةِ نفسِها؟ ربَّما كنَّا (وقِحينَ) أَكثرَ مِن أَعدائِنا، فأَخذنا (حصَّتَنا) منَ القصيدةِ المرصَّعةِ بالحجارةِ، ولمْ نَنصرفْ!”
أَنا، علَى الرَّغمِ منْ محاولاتِي التَّهرُّبَ مِنها للأَسبابِ الَّتي ذكَرتُها، كانَ لاَ بدَّ مِن أَن أَكتبَها لأَتخلَّصَ مِن عنادِ وقوفِها حاجزًا أَمامَ محاولةِ مُرورِ قصيدةٍ آتيةٍ أَنتظرُها.
“إِذًا: ماذَا فعلتُ للقصيدةِ آنذاكَ، وقدْ راودتُها عنْ نفسِها كثيرًا، وكدتُ أَقدُّ ثيابَها قُبُلٍ؟ بلْ وماذَا فعلتْ هيَ بِي، وقدْ راودتْني عنْ نفسِي أَكثر، وكادتْ تقدُّني روحًا وجسدًا؟ لاَ شكَّ أَنَّ كِليْنا حاولَ الآخرَ لكنْ دونَ جَدوى لكثيرٍ منَ الوقتِ، بعدَهُ (نجحنَا) فِي (التَّزاوجِ العرفيِّ) أَملاً أَن يرتاحَ الواحدُ منَّا مِن مطاردةِ الآخر حافيًا علَى بقعةٍ ساخنةٍ جدًّا، فأَنجَبْنا (أَبابيلَ)؛ القصيدةَ الأُولى الَّتي عادلتْ شمسَ كانُون أَوَّل بالحجرِ، بعدَ حملٍ استمرَّ زهاءَ أَربعةِ شهورٍ، رغمَ أَنَّ المولودَ لمْ يكنْ سِوى كائنٍ بسيطٍ خرجَ مِن رحمِ الشِّعرِ مزهوًّا بانفعالاتهِ الغاضبةِ.”
“الشَّمْسُ فِي الحَجَرِ المُقَدَّسِ وَالكَبِيرِ كَبُرْتُقَالَةْ
وَالشَّمْسُ حَبَّةُ بُرْتُقَالَةْ
وَالطِّفْلُ يَحْفِلُ بِالصِّدَامِ إِلَى الخَلَاصْ
وَيُلَوِّنُ الأُفُقَ المُدَجَّجَ بِالعِصِيِّ وَبِالرَّصَاصْ
طِفْلٌ كَبِيرْ
طِفْلٌ بِعُمْرِ الأَرْضِ وَالوَطَنِ الوَثِيرْ
طِفْلٌ غَزَالْ
عَرَفَ النِّزَالْ
وَهَوَى عَلَى رَأْسِ الحُثَالَةْ
دَمُهُ هُنَا.. دَمُهُ هُنَاكْ.. دَمُهُ عَلَى قَدَمِ الغَزَالَةْ.”
سلَّمٌ بالماءِ علَى شمسِ الجدارِ
لِمَ لاَ يقرأُ سياسيُّو اتِّخاذِ القرارِ، فِي أَيِّ وطنٍ، شعرَ شعراءِ الوطنِ المُخلصينَ لهُ؟
لَمْ يقرأْ أَنور السَّادات، مثلاً، الشَّاعرَ نَجيب سُرور، أَو الشَّاعرَ محمَّد عَفيفي مَطر، أَو الشَّاعرَ أَمل دنقل وتحديدًا قصيدتَهُ “لاَ تُصالحْ”؟ فأَغرقَ مصرَ بوقيعةِ واقعٍ لمْ تُشفَ مِنها إِلى الآنَ، علَى الرَّغمِ مِن “ثورةِ الخامسِ والعشرينَ مِن يناير”!
انحدارُ الانتفاضةِ الفلسطينيَّةِ الأُولى (انتفاضةُ الحجرِ)، بعدَ عدَّةِ سنواتٍ مِنَ القتلِ، والجراحِ، والأَصفادِ، والحصارِ، إِلى السُّكونِ، فالرُّكودِ، فالصَّمتِ، بوساطةِ عواملَ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ معًا، سحبَ الفلسطينيِّينَ للجلوسِ إِلى طاولةِ المفاوضاتِ/مائدةِ اللِّئامِ بعدَ إِيهامِهم بفقدِ الأَملِ مِن جدوَى حتَّى المقاومةِ الشَّعبيَّةِ، وأَنَّ البديلَ الأَجدى لهُم، هوَ الجلوسُ معَ المحتلِّ، ومَا يتطلَّبُ هذَا مِن اعترافٍ بهِ أَوَّلاً، والتَّصالحِ معهُ ثانيًا، والإِقرارُ لهُ بمَا اغتصبهُ ثالثًا، فكانَ المؤتمرُ/الفخُّ (مؤتمرُ مدريدَ)، الذَّي جعلَ بعضَ الفلسطينيِّينَ هنَا، مِن شدَّةِ اليأْسِ وضعفِ الأَملِ، يضعونَ بعضَ الأَزهارِ فِي بعضِ فوَّهاتِ بنادقِ المحتلِّ الشَّرهِ، فتغاضَوا عنْ رؤيةِ أَنيابهِ ومخالبهِ الَّتي لمْ ولنْ تجفَّ دماؤنَا عنْها، وهذَا الَّذي حدثَ ويحدثُ حتَّى لحظتِنا هذهِ، حتَّى بعدَ تركيعِنا/توقيعِنا (اتفاقاتِ أُوسلو) المشؤومةِ! الَّتي هيَ أَشدُّ سوءًا منَ نكبةِ العامِ (1948) بكثيرٍ، وكثيرٍ جدَّا.
كنَّا وغيرُنا، مِن قبلِ السُّقوطِ المدوِّي إِلى أَدنى قوائمِ طاولةِ المفاوضاتِ، قُلنا/حذَّرنا/صرَخنا حتَّى بحَّ صوتُنا، وقرعنَا حتَّى الجرسَ العتيقَ المعلَّقَ فِي أَعناقِنا، ولكنَّهم ذهبُوا، وحينَما عادُوا، كانُوا قدْ جُرِّدوا، ليسَ مِن أَوصافِنا، بلْ حتَّى مِن أَسمائِنا!
“لَا تَدْخُلُوا فِي السَّلْمِ مِثْلَ إِوَزَّةٍ
فَقَدَتْ جَنَاحَيْهَا عَلَى فَقْدِ العِظَامْ
لَا تَسْقُطُوا أَدْنَى مِنَ الْكَلِمَاتِ فِي وَحْلِ الكَلَامْ
لَا تَدْخُلُوا..
لَا تَسْقُطُوا..
لَا تَقْرَعُوا بَابَ السَّلَامْ.”
(… … …)
“هذَا الرَّدَى
مِلْءُ المَدَى؛
سَاقٌ تَجُرُّ وِثَاقَهَا لِلسَّلْمِ
أَوْ لِلنَّوْمِ
أَوْ لِلْعَتْمِ
أَوْ لِجَنَازَةٍ
أَنْتَ المُشَيِّعُ وَالقَتِيلْ.”
(… … …)
“هذَا السَّلَامْ؛
تُفَّاحَةٌ جَوْفَاءُ تُعْطِيهَا إِلَيْكَ،
وَسُلَّمًا
بِالمَاءِ تَرْسُمُهُ
عَلَى
شَمْسِ الجِدَارْ.”
اتِّحادُ الكتَّابِ.. “كلاكيت” أَوَّل مرَّةٍ
ذاتَ يومٍ ساخنٍ، لعلَّهُ فِي صيفِ العامِ (1991)، كنتُ عائدًا منَ القُدسِ أَتأَبَّطُ قهرًا علَيْها (كانَ قبلَ أَن يحرِمنَا الاحتلالُ الإِسرائيليُّ- الصُّهيونيُّ مِنها كلِّيَّةً)، فوجدتُ نَفْسي الأَمَّارةَ بالشِّعرِ تُوسوِسُ لِي/ تحرِّضني علَى النُّزولِ عندَ المَبنى الَّذي فيهِ “مَقامُ” اتَّحادِ الكتَّابِ. اسْتجبتُ لهَا بدونِ تكرارِ تفكيرٍ إِذ وضعَ الفضولُ استراحةَ يدِهُ علَى كتفِيَّ. لعلِّي قلتُ لهُ: لاَ بأْسَ مِن زيارةِ هذَا المكانِ/”المطبخِ”؛ هذَا الَّذي “يُوحِّدُ” الكتَّابَ، كمَا يبدُو مِن لسانهِ المُثبَّتِ علَى المَبنَى!
كانَ ثَمَّ أَصواتٌ تتناثرُ بإيقاعاتٍ مُتفاوتةٍ هيَ أَقربُ إِلى الضَّجيجِ. سمِعتُها وأَنا كنتُ مَا زلتُ أَصعدُ الدَّرجَ المؤَدِّي إِلى بابهِ الَّذي مَا أَن وصلتُهُ حتَّى رأَيتُهُ مشرعًا والأَصواتُ تهرْولُ عبرَهُ إِلى الرُّدهةِ. كأَنِّي كنتُني/رأَيتُني أَمامَ خليَّةِ نحلٍ مفتوحةٍ لطَنينِها، فقطْ، لاَ لعَسلِها!
مَا أَن رآني “رئيسُ” الاتِّحادِ حتَّى تركَ الجمْعَ وولاَّهُم دبرَهُ لاستقبالِي بالحضنِ اليابسِ والقُبلِ الفراغيَّةِ، كمَا لَو أَنَّنا كنَّا التقَيْنا مِن قبلُ، إِذ كانتْ تلكَ هيَ المرَّةُ الأُولى الَّتي أَراهُ فِيها ويَراني، وعلَى عجلٍ، قبلَ أَن أَجلسَ علَى مقعدٍ مَا، طلبَ منِّي صورةً شخصيَّةً لِي، وأَن أَملأَ استمارةَ انتسابٍ للاتِّحادِ، وقدْ أَعفاني- كرمًا، أَم سلطةً، أَم (…)؟ لَم أَكنْ أَعرفُ آنَها حقيقةً/فعلاً- مِن رسومِ الانتسابِ، وبلحظةٍ صِرتُ عضوًا فِي اتِّحاد الكتَّابِ مِنَ البابِ!
جلستُ علَى كرسيٍّ جانبًا، وساقٌ علَى ساقٍ، لاَ أَذكرُ مَن فوقَ الأُخرى كانتْ؛ اليُمنى أَمِ اليُسرى، لمَ لاَ؟ فقدْ صِرتُ، عَصرًا، عضوًا فجأَةً، مذهولاً مِن سُهولةِ/سَلاسةِ/سُرعةِ الحصولِ علَى العضويَّةِ فِي الاتِّحادِ، إِذ لمْ يتطلَّبِ الأَمرُ سِوى إِطاعةِ وَسواسٍ بعدَ قُدسٍ، وصورةٍ شخصيَّةٍ لكَ لمْ تكُنْ لديكَ، وإِعفاءٍ مِن رسومٍ كانتْ معكَ، وتعبئةِ أُنموذجٍ لَو باسمِكَ فقطْ، ثمَّ مَسموحٌ/يجوزُ/يحقُّ لكَ أَن تجلسَ علَى مقعدٍ/كرسيٍّ/طالةٍ فِي الاتِّحادِ، وأَن تضعَ ساقًا علَى ساقٍ، لاَ يهمُّ اليُمنى أَمِ اليُسرى، وأَن تستعملَ حتَّى الحمَّامَ دونِ استئذانٍ مِن أَحدٍ! فأَنتَ صِرتَ، منذُ أَمدٍ لاَ يتعدَّى الدَّقائقَ، مِن آلِ/أَهلِ البيتِ، وصحبهِ، وخلاَّنهِ.
جلستُ أُراقِبُ الكتَّابَ والكتبةَ، و”الرَّئيسَ” الحاليَّ/السَّابقَ، وهمْ مُنهمكونَ فِي التَّحضيرِ لانتخاباتِ الاتِّحادِ كمَا لوْ أَنَّها انتخاباتٌ ديمقراطيَّةٌ/شفَّافةٌ/نزيهةٌ! علَى الرَّغمِ مِن أَنَّها عربيَّةٌ الأَصلِ والصُّورةِ؛ مرشحٌ واحدٌ للرِّئاسةِ فقطْ، بعدَ ضغطٍ علَى مرشَّحينَ آخرينَ ليَنتحُوا جانبًا، فيَفسحُوا الطَّريقِ أَمامَ “الدِّيمقراطيَّةِ الآتيةِ” بشكلِها ومُحتواها الحقيقيَّينِ. حتَّى أَنَّ المرشحينَ المُستقلِّينَ لمْ يسلَمُوا مِن ضغطِ “الرَّئيسِ” الحاليِّ آنذاكَ/المرشَّحِ، لصالحِ قائمتهِ علَى علاَّتِ مَن فِيها مِن كتَّابٍ، ومَا هُمْ بكتَّابٍ، لكنْ لدِّيمقراطيَّتهِ أَحكامٌ وإِحكامٌ، مِن بابِ: “جُحا أَحضرَهُ، وجُحا أَكلَهٌ”. يحقُّ لِي، عربيًّا، أَن أَقولَ:
كلَّما أَسمعُ كلمةَ “ديمقراطيَّة”، أَتحسَّسُ سخريَّتي!
كانَ أَكثرُ مَا “يتكرَّمُ” بهِ هوَ طباعةُ كتبٍ لمَنْ يختارُهم بواحديَّتهِ فِي كلِّ قرارٍ، كرشوةِ انتخاباتٍ؛ كمَا إِطعامُ الحمَامِ لصيدهِ، لاَ لإِطعامهِ.
إِذا كانتِ انْتخاباتُ اتِّحادِ الكتَّابِ لاَ تختلفُ، مطلقًا ودائمًا، عنِ الانتخاباتِ السِّياسيَّةِ، وغيرِ السِّياسيَّةِ، فِي العالمِ العربيِّ، فأَنَّى لهُم أَن يكُونوا الضَّميرَ الحاضرَ/المنبِّهَ الواعيَ/الصَّحوةَ المستمرَّةَ/الجدارَ الأَخيرَ أَمامَ الاحتلالِ الإِسرائيليِّ- الصُّهيونيِّ الَّذي لاَ يزالُ، علَى الرَّغمِ منَ “اتِّفاقيَّةِ السَّلامِ المذلَّةِ” وبعدَ أَن تمَّتْ تعرِيةُ الفلسطينيِّينَ ومعظمَ العربِ حتَّى مِن ورقةِ التُّوتِ، ينشرُ سرطانَ كيانهِ العنصريِّ فِي كاملِ الرُّوحِ والجسدِ، كذلكَ أَمامَ الدِّيكتاتوريَّاتِ العربيَّةِ، الَّتي لاَ تزالُ تتغذَّى علَى ظلمِ/محوِ/إِهمالِ/سلبِ/قهرِ شعوبِها، وإِنْ بعضُها يتحرَّكُ/ينتفضُ/يثورُ هذهِ الأَيَّامَ، بعنوانِ “الرَّبيعِ العربيِّ”.
كانَ لاَ بدَّ، آنذاكَ، مِن تقديمِ اعتذارٍ للشَّاعرِ فيَّ؛ إِذ ورَّطتهُ، لفترةٍ قصيرةٍ، فِي عضويَّةٍ لاَ تليقُ بحرِّيَّتهِ وشعرهِ، وهوَ لمْ يتأَخَّرْ عنْ تقديمِ استقالتهِ مِن ذاكَ الاتِّحادِ المتَّحدِ معَ “رئيسهِ” لاَ غيرَ بطريقةٍ غيرِ رسميَّةٍ؛ قصيدةٍ خطَّها آنها تحتَ عنوانِ: “خطابُ الاستقالةِ- بقعٌ بيضاءُ علَى رقاعٍ أَسود”، ثمَّ قدَّمَها/نشرَها فِي صحيفةِ “القُدس”، والَّتي كانَ يحرِّرُ الصَّفحةَ الثَّقافيَّةَ فِيها آنذاكَ الروائيُّ أَحمد حَرب، والَّذي لمْ يَسلمْ مِن هجومٍ بشعٍ/شرسٍ، مِن قبلِ “رئيسِ” الاتِّحادِ لنشرهِ القصيدةِ/الاستقالةِ الفاضحةِ. أَقتطعُ مِنها الجزءَ الآتي (على الرَّغمِ مِن أَنِّي أَمقتُ الاجتزاءَ)، ليسَ لمحوريَّتهِ فِي القصيدةِ، بلْ لِـمَا يحتويهِ:
“بُعْدٌ بَعِيدٌ بَيْنَ مَا
تُلْقِي عَلَى سَطْحِ البَيَاضِ، وَمَا يَكُونُ الحَرْثُ فِيهْ
الأَرْضُ أَبْعَدُ مَا تَكُونُ مِنَ احْتِرَافَاتِ التِّجَارَةِ،
وَالتِّجَارَةُ تُخْطِئُ الأَحْلَامَ، لَا تَمْشِي عَلَى جَمْرِ المَحَابِرْ..
هَلْ كَانَ لِلشُّعَرَاءِ بَيْتٌ فِي رِمَالِ الكَفِّ، فَاصْطَفُّوا عَلَى
خَطَأِ السَّرَائِرْ؟
هَذَيَانُ هذَا الوَقْتِ أَنْ
يَطْفُوَ عَلَى وَجْهِ الجُرُوحِ شُعُورُ نَرْجِسَةٍ أَتَتْ
مِنْ بَاطِنِ الأَوْرَامِ، فِي لَهَفٍ، إِلَى حَيْثُ المَزَايَا..
قَامَ (الإِمَامُ) إِلَى عَنَاقِيدِ السَّرَايَا؛
هَلْ أَنْتَ وَاحِدُنَا الوَحِيدُ بِلَا مَثِيلٍ، أَمْ تُمَثِّلُ أَلْفَ
مَعْنًى لِلدُّمَى المَفْرُوغَةِ الأَوْزَانِ؟ بَلْ تَنْحُو إِلَى قَطْفِ الخَبَايَا..
ضَاقَتْ مَعَالِمُنَا بِنَا،
وَاشْتَدَّتِ الجُمَلُ الخَبِيئَةُ فِي الضُّلُوعِ، أَوَانُهَا
يَدْنُو مِنَ الأَعْنَاقِ، كَمْ بَرَزَتْ هُنَا
نُوَّارَةُ الكَلِمَاتِ أَجْرَاسًا، وَلكِنْ لَيْسَتِ
الآذَانُ تُخْرِجُ عُشْبَهَا المَنْسُوجَ: مَنْ يُصْغِي إِلَى
شَبَقِ السُّؤَالِ؟ وَكَمْ أَتَى صَوْتٌ يُعَالِجُنَا إِلَى أَصْدَائِنَا..
كَمْ دَجَّنُوا مِنَّا الوُلَاةَ فَأَقْبَلُوا،
طَوْعًا، إِلَى لَبْسِ المَقَاعِدِ، وَانْتِحَالَاتِ الشَّرَانِقْ
أَقْلَامُهُمْ خَشَبُ السَّلَالِمِ نَحْوَ غَيْبٍ مِنْ هَوًى
أَقْلَامُنَا عُوَدُ المَشَانِقْ..
هذِي هِيَ الأَثْوَابُ تَنْزَعُنَا عَنِ
الجَسَدِ المَرِيضِ، وَذِي افْتِرَاسَاتُ النَّظَرْ
هذَا هُوَ الفِكْرُ المُعَادُ، وَذَا غَرِيبٌ لَيْسَ يَدْنُو مِنْ تَفَاسِيرِ الْخَبَرْ
سِرِّيَّةُ الأَرْقَامِ تَدْخُلُ فِي الجُيُوبِ.. تَوَاكَلُوا
قَدْ يَقْصِمُ الشُّعَرَاءُ ظَهْرَ قَصِيدِهِمْ
نَحْوَ السُّعَالِ إِذَا تَرَتَّقَتِ الثُّقُوبُ النَّابِذَاتُ مِنَ الجُيُوبْ،
أَوْ أُخْرِجَ التَّهْرِيجُ مِنْ خُرْمِ الوَطَرْ.”






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

