الرابط : فن وثقافة (:::)
محمد حلمي الريشه – فلسطين المحتله (:::)
ثمَّ.. كانتِ الكتابةُ
فجأَةً امتدَّتْ يدِي تضمُّ أَصابعُها قلمًا، فكانتْ أَوَّلَ كتابةٍ/خاطرةٍ لِي لاَ أَذكرُ مِنها سِوى عنوانِها: “وهكذَا تمضِي الأَيَّامُ”، وأَذكرُ أَنَّني أَرسلتُها إِلى المجلَّةِ ونُشرتْ. ربَّما كانَ نشرُها دافعًا لكتابةِ غيرِها ونشرِها أَيضًا، إِذْ صرتُ أُراسلُها، بلْ وأَكثرَ مِن هذَا؛ صرتُ أَنتظرُ موعدَ صدورِها، إِذْ كنتُ أَذهبُ، مباشرةً، بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ إِلى مكتبةٍ، منذُ اليومِ الأَوَّلِ مِن كلِّ شهرٍ، أَسأَلُ عَنها، إِذْ كانتْ تتأَخَّرُ أَحيانًا بضعةَ أَيَّامٍ. كانَ انتظارِي يشبِهُ انتظارَ محبوبٍ مرهَقٍ/مراهِقٍ لمحبوبتهِ، والَّتي تمارسُ/تضجُّ دلالاً فِي حركاتِ مواعيدِها. أُشبِّهُ انتظارِي بهذهِ الصُّورةِ لأَنَّ معظمَ الفتياتِ كنَّ يفعلنَ هذَا، فأَغلبهنَّ لَمْ يكُنَّ يَعرفنَ منَ الحبِّ سِوى إِظهارَ الدَّلالِ المادِّيِّ/الجمالِ الجسديِّ- شاغلِ المرأَةِ الدَّائمِ- مَا أَمكنهنَّ ذلكَ. أَذكرُ منْ أَفعالِ البعضِ مَنْ كانتْ، بعدَ خروجِهَا منَ المدرسةِ، تسحبُ زِيَّها المدرسيَّ إِلى أَعلَى، وتُخفي الجزءَ المسحوبَ تحتَ الحزامِ لتجعلَ حدَّهُ السُّفليَّ أَعلَى الرُّكبتينِ طبقًا لأَهوائِها/جَراءَتِها، حيثُ شاعَ الـ”مِيني جُوب” آنذاكَ؛ فِي بدايةِ السَّبعينيَّاتِ مِن القرنِ الماضيِّ.
تَعدُّدُ كِتابةِ الخواطرِ يَعني أَنَّني بدأْتُ بالنَّثرِ، لاَ بالشِّعرِ. لَمْ يكُنِ الشِّعرُ، خلالَ السَّنواتِ الثَّلاثِ فِي كِتابةِ الخاطراتِ، قَدْ جسَّدَ لِي حضورَهُ الشَّفيفَ. فقطْ؛ كانَ ثَمَّ مَنْ يُسمِعُني أَنَّ أُسلوبي فِي كتابةِ الخواطرِ أَقربُ إِلى الشِّعرِ منهُ إِلى النَّثرِ.
لَمْ يكُنْ هذَا الرَّأْيُ شكَّلَ حافزًا لافتعالِ كتابةٍ شعريَّةٍ أَدَّعيها قصيدةً، وأَدَّعيني شاعرًا، لكنَّهُ كانَ حثًّا باذخًا إِلى الاقترابِ أَكثرَ منْ لغةِ الشِّعرِ فِي النَّثرِ، وقدْ كنتُ أَستمعُ إِلى أَغاني جارةِ القمرِ/فيروز، فتشدُّنِي اللُّغةُ/الصُّورُ الشِّعريَّةُ بموازاةٍ وتماهٍ معَ الموسيقَى الحريريَّةِ وصوتِها الملائكيِّ، لذَا كنتُني لاَ أَمرُّ (ببراءةِ مَا قبلَ الشِّعرِ) عابرًا دونَ قراءةِ اللَّحنِ والكلمةِ وعَلاقتِهما معًا، بحثًا عَن تماهٍ تتداخلُ فيهِ الكلماتُ والأَلحانُ الموسيقيَّةُ المنبعثةُ منْ آلاتٍ مصاغةٍ منْ موادَّ قدْ لاَ تَعني شيئًا وحدَها دونَ العدوانِ الإِيجابيِّ علَيْها، مثلَ هذَا المقطعِ الفيروزيِّ:
“وتِكيتْ غصونِ الوردْ عَا كتفِ السِّياجْ/وفَل القمرْ عا ضيعتُه وفلُّوا الدِّراجْ”.
مَا زلتُ أَذكرُني كيفَ رقصتْ صَرختي، فِي داخلِي وخارجِي، رقصةً/صرخةً عارمةً حدَّ أَنَّ الآخرينَ استهجَنوا حركتِي المسرحيَّةَ. ولمَ لاَ؟ غصونُ وردٍ (بنعومتِها الأُنثويَّةِ) تتَّكئُ علَى كتفٍ (لمْ يكنْ بشريًّا)، بلْ علَى (إِبريَّةِ) سياجٍ. ولمْ أَزلْ أُمارسُ هذهِ العادةَ اللَّذيذةَ فِي قراءةِ الموسيقَى/الغناءِ إِلى الآنَ، ومَا لمْ يكُنْ يحمِلُ هذَا المعنَى التَّصويريَّ المليءَ بشاعريَّةِ الحواسِّ ليسَ، باعتقادِي، قابلاً لقابِلَتي/ذائقتِي الخاصَّةِ.
تذهبُ بِي الذَّاكرةُ، الآنَ، إِلى أَنَّ لغةَ أَغانِيها شكَّلتْ تحريضًا عذبًا للُغتي الشِّعريَّةِ لِـمَا كانَ لِي بعدُ منْ شِعرٍ؛ لغةٍ تنبَّهتْ فِيَّ، منذُ التَّمارينِ الأُولى، إِلَى أَنَّ “مِن شجارِنا معَ الآخرِ نخرجُ بالخطابةِ، ومنْ شجارِنا معَ أَنفسِنا نخرجُ بالشِّعرِ.” (وِليم بِتلر يِيتس).
رسالةٌ إِلى (م) الأَديبِ
التَّحوُّلُ مِن كتابةِ الخاطرةِ/النَّثرِ إِلى أَوَّلِ كتابةِ مَا أَصفِهُ، مجازًا، شعرًا، كانَ صدفةً مُراهِقةً/حدثًا عفويًّا/غوايةً بريئةً اقترفَتْني بنيَّةٍ مجهولةٍ:
“لَمْ أَكنْ أَعي، دونَ شكٍّ شَهِيٍّ، أَنَّ تِلْكَ اللَّحظةَ كانتْ بابًا إِلى المجهولِ الآتِي؛ إِلى بدءِ الحفرِ بأَصابعَ غضَّةٍ، والسَّيرِ بخطًى أُفقيَّةٍ وعموديَّةٍ، والسِّباحةِ فِي الفضاءِ المضاءِ بنجومٍ مشعَّةٍ بتأَلُّقِ حروفِها. هكذَا كانَ مَا كانَ؛ دونَ إِرادةٍ مسبقةٍ، وفوَرانِ مراهقةٍ، وعنفوانِ ذَاتٍ.”
بالنِّسبةِ إِلى غَيري(*)، كانتِ الكتابةُ الأُولى مفاجأَةً/مفاجئةً؛ ولادةَ شاعرٍ بافتراضِ قصيدةٍ لسببٍ لغويٍّ/صوريٍّ/شكليٍّ فقطْ!
أَشرقتُ سؤالاً: “ولكنْ كيفَ أَصبحَ شاعرًا؟”، ثمَّ ظلَّلتهُ بإِجابةٍ تشكيليَّةٍ/تصويريَّةٍ فِي مطلعِ شهادتِي الأَدبيَّةِ الأُولى: “تخطيطٌ أَوَّليٌّ لِـمَا كانَ بعدُ”:
“فِي شتاءٍ مَا، فِي منزلٍ قربَ جبلٍ عالٍ، وهوَ علَى فراشِ مرضٍ باتَ مرضَ فِراشٍ أَصابهُ، بعدَ إِصابتهِ فِي مفاصلهِ الطَّريَّةِ، كانَ يقرأُ كتابًا، والغيومُ تعاكسُ الشَّمسَ وتلاعبُ حضورَها وغيابَها، مَا عذَّبَ حدقةَ عينهِ الَّتي يطلُّ طرفُها علَى النَّافذةِ المشرعةِ للهواءِ الَّذي يحبُّهُ.. حملَ هذَا المريضُ؛ مريضُ الفراشِ والفراشةِ قلمًا، وعلَى آخرِ صفحةٍ مِن كرَّاسةٍ مدرسيَّةٍ، كانَ أَلقاها جانبًا بعدَ أَن ملَّ حوارَها؛ خطَّ بعضَ الكلماتِ المرتَّبةِ كسلَّمٍ بقدمٍ واحدةٍ، ودرجاتٍ لاَ تتساوَى فِي أَطوالِها. وعندَما هبطَ عليهِ صمتُ الكتابةِ الَّذي لَمْ يكُنْ يعرفُ سببَهُ آنذاكَ، أَلقَى نظرةً عابرةً علَى كلماتِها المرتَّبةِ مثلَ شعرِ التَّفعيلةِ، وببراءةِ القولِ أَعادَ القراءةَ، وسريعًا تذكَّرَ ترتيبًا بِهذا الشَّكلِ تضمُّهُ عدَّةُ مجموعاتٍ شعريَّةٍ فِي مكتبةِ البيتِ.”
لَمْ تكُنِ الأُولى علَى تحميلِها مَا لاَ تحتملُ الأَخيرةَ. لاَ أَعرفُ إِلى الآنَ، كيفَ/لِمَ جرَّبتُ الثَّانيةَ، بعدَ حينٍ قصيرٍ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ الأُولى لَمْ تكُنْ فِيها/لَها منَ الصِّفاتِ الوراثيَّةِ للقصيدَةِ سِوى شكلِها الخارجيِّ؟!
أُثبِّتُ تلكَ الحادثةَ العاطفيَّةَ الأُولى، والَّتي أَشعلتْ نارَ الشِّعرِ فيَّ، شعرًا فِي قصيدةٍ عنونتُها: “كمَا مرَّ الهواءُ علَى رخامِ الذَّاكرةِ” فِي سنةِ (1996)، أَي بعدَ اثنتينِ وعشرينَ سنةٍ مِن وقوعِها! جاءَ فِيها:
“جَلَسَتْ حُرُوفٌ فَوْقَ أَوَّلِ رِحْلَةٍ لِلْقَلْبِ.. شِئْتُ رِسَالَةً
أُولَى لَهَا
شَاءَتْ قَصِيدَةٌ أَنْ تَجِيءَ بِزِيِّهَا الزَّغَبِيِّ فِي الخَطِّ الخَجُولْ
هِيَ قِصَّةٌ أُولَى.. افْتَعَلْتُ فَرَاشَةً
كَيْ تَلْحَقَ الضَّوْءَ الَّذِي يَنْسَابُ مِنْ شَجَرِ الحُقُولْ
فَإِذَا اشْتِعَالِي حَالَةٌ ضِدَّ الرُّؤَى
وَإِذَا اشْتِعَالِي مَنْظَرُ الوَرْدِ الَّذِي
يَنْسَابُ فَوْقَ المَاءِ نَحْوَ السَّائِرَةْ.”
… … …
… … …
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي مِنْ فُصُولٍ فِي حَيَاةٍ مَاكِرَةْ
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي؛ بَيْنَمَا
مَرَّتْ كَمَا مَرَّ الْهَوَاءُ عَلَى رُخَامِ الذَّاكِرَةْ
كَانَ اشْتِعَالِي دَهْشَةً لِلشِّعْرِ تَأْسِرُنِي، وَظَلَّتْ
دَهْشَتِي لِلآنَ تَصْحَبُنِي إِلَى
مَعْنَى القَصِيدِ بِدُونِ تِلْكَ العَابِرَةْ.”
الطَّريفُ المؤلمُ أَنَّ نشرَها، بصفتِها قصيدةً، وغزليَّةً أَيضًا، كانَ سببًا لهجومِ مدرِّسِ التَّربيةِ الدِّينيَّةِ (حسن. ع) عليَّ منذُ لحظةِ دخولِه غرفةَ الفصلِ الدِّراسيِّ: “أَتكتبُ غزلاً يا وَلد؟!”
حينَها عرفتُ عنْ نشرِها فِي الصَّحيفةِ، ومنْ ثمَّ إِخراجي منَ الفصلِ الدِّراسيِّ بضعةَ حصصٍ متتاليةٍ، عقوبةً لِي، إِثرَ جدالٍ قصيرٍ جدًّا، لَمْ أَطلبْ فيهِ، بصفتِه قَدْ تحوَّلَ، فجأَةً، إِلى قاضٍ وجلاَّدٍ فِي آنٍ، أَنْ أَعرفَ تُهمتي أَوَّلاً.”
ذراعانِ مفتوحتانِ فِي رصيفٍ ضيِّقٍ
“مسكَ طرفَ الخيطِ الَّذي لاَ نهايةَ لهُ؛ الخيطِ الَّذِي لَمْ يكُنْ يعرفُ، ومَا زالَ، إِلى أَينَ يقودُ؟ خيطِ الحبرِ وحِبرِ الخطِّ الَّذي أَعادَ بهِ كتابةَ المرَّةِ الأُولى، ليدفعَها إِلى فراغٍ فِي صحيفةٍ، كأَنَّ الفراغَ كانَ ينتظرُ أَن تدخلَ إِليهِ كلماتُه كفاتحٍ للبياضِ المعكَّرِ. أَيُّ شيءٍ حكَّ يدَهُ لتفعلَ هذَا؟
: ماذَا أَرى؟
أَهوَ أَنا هذَا الَّذي يَنظرُ إِليَّ بحروفِه السَّوداءِ؟
ومِن شدَّةِ دهشتِه ونشوتِه ظلَّ يطيلُ النَّظرَ إِلى اسمِه الَّذي تآلفتْ حروفُ المطبعةِ لتُظهرَهُ أَوَّلَ مرَّةٍ، ونسيَ مَا يليهِ وهوَ يسيرُ علَى رصيفٍ ضيِّقٍ فاتحًا ذراعيْهِ كجناحيْنِ نبتَا لهُ فجأَةً…”
عادَتْني “نارُ” التَّوحيديِّ
تجرَّأْتُ، بعدَ “الأُولى”، علَى عدَّةِ محاولاتٍ شعريَّةٍ، إِذْ بدأَ الشِّعرُ يَستحوذُ، بقوَّةٍ، علَى معظمِ يَومي بِنهارهِ، وليلهِ أَكثرَ، إِلى حدٍّ شعرتُ بهِ أَنَّني بِتُّ كائنًا ليليًّا.
قلَّدتُ “الشُّعراءُ قبلَ نضجِهم يقلِّدونَ وبعدَ نضجِهم يسرِقونَ.” (إِليُوت)، آنَها كتابةَ القصائدِ العموديَّةِ؛ ركَّزتُ علَى القافيةِ بدونِ بحورِ الشِّعرِ، إِذْ لَمْ أَكنْ عرفتُها بعدُ، ثمَّ وجدتُ أَنَّ تعلُّمَها ضرورةٌ، ففعلتُه وَحدي بينَ عشيَّةٍ وضُحاها، وأَتقنْتُ معظمَها/أَشهرَها، وصِرتُ أَكتبُ قصائدَ عموديَّةً، ولكنِّي لَمْ أُفكِّرْ بِنشرِها آنذاكَ، ولاَ أَعلمُ لِمَ لَمْ أَفعلْ! كنتُ كتبتُ مَا يشبِهُ الشِّعرَ الحُرَّ، إِلاَّ أَنَّه دونَ تفعيلةٍ للسَّببِ ذاتِه.
المحاولاتُ تلكَ؛ أَنستني كتابةَ الخاطرةِ، بشكلٍ جذريٍّ، بعدَ أَن آنسني الشِّعرُ؛ صارَ لِي تعويضًا عنْ حالةِ الفقدانِ المراهقِ. “الحرمانُ بالنِّسبةِ إِليَّ مِثلما النَّرجسُ بالنِّسبةِ إِلى وُوردثُورث” (فِيليب لاَركن)! هكذَا شعرتُ فِعلَهُ فِيَّ، فسخَّرتُ أَيَّ/كلَّ شيءٍ مِن أَجلِه، ولأَجلِ عناقِ الأَملِ ضدَّ الفشلِ/الأَلمِ.
أَشهدُ أَنَّه كانَ دواءً للعاطفةِ/القلبِ، لدرجةٍ شعرتُ بِها أَنَّه الأَبقَى/الأَهمُّ/الأَنقَى/الأَكبرُ منَ الميلِ الصَّغيرِ ذاتِه.
ذلِكَ الشُّعورُ لَمْ يَستقر فِيَّ طويلاً؛ إِذ ثَمَّ قلقٌ/عبثٌ/لاَ جَدوى؛ أَثْرَتْ كلُّها بسخاءٍ/بِكرمٍ طائيٍّ، هزائمِي الشَّخصيَّةَ، مَا أَدَّى بِي إِلى إِحراقِ كلِّ مَا كتبتُه كمًّا ونوعًا فِي تنُّورٍ معدنيٍّ أَشبَهَ بقلبِي.
“تسلَّقَ ذاتَ عصرِ يومٍ ملاذَهُ بعدَ عدَّةِ محاولاتٍ. أَشعلَ النَّارَ فِي كلِّ مَا خطَّهُ منْ عذاباتٍ حَتَّى لحظةِ الحريقِ. هكَذا علَّمهُ أَبو حيَّان التَّوحيدي بعدَ أَنْ قرأَهُ.
صوتٌ: لماذَا؟
صدًى: (…..)
إِذًا؛ إِنَّ كلَّ مَا فِي الأَمرِ أَنَّه أَطاعَ معَلِّمهُ الكبيرَ الَّذي سبَقهُ، فِي زمانٍ مَا بعيدٍ، إِلى ذلكَ الطَّقسِ الَّذي كادَ أَنْ يحرقَ بِهِ، أَيضًا، أَصابعَهُ ويطفئَ بصرَهُ.”
كَمْ قدَّني، قهرًا، شعورِي بالأَسفِ لفِعلتي اللَّهبيَّةِ/الشَّنعاءِ؛ مَا منْ أَهمِّيَّةٍ لتلكَ الأَوْرَاقِ الَّتي تقوَّستْ فوقَ بعضِها فِي حضنِ النَّارِ فأَنا أُتلِفُ تَلاًّ مِنها محاولاً إِقناعَ قلَقِي الشِّعريَّ بسفحٍ/ورقةٍ فقطْ! لعلَّهُ الحنينُ إِلى رائحةِ الكرَّاسةِ الأُولى/أَرديةِ الطُّفولةِ الشِّعريَّةِ، أَو إِلى مَا لاَ يمكِنُ، حتَّى لشاعرٍ، أَنْ يفسِّرهُ.
كتبتُ لهُ بلَسعاتِ نارهِ، علَى ضوءِ الأَلسنةِ النَّاريَّةِ لقرطاسهِ الثَّريِّ المشتعلِ، قصيدةً حاولتُ أَن أُودعَها تنُّورَ جنونهِ: “إِشاراتٌ غيرُ إِلهيَّةٍ إِلى أَبي حيَّانَ التَّوحيديّ”.
أُشعلُ مِنها:
“هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا فِي حُلُمِ الأَفْكَارْ؟
حِينَ تَمَشَّى فِي الهَمِّ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيّ رَأَيْتُ عَلَى عَيْنَيْهِ شُعَاعًا مِنْ لَهَبٍ أَخَّاذٍ، فَسَأَلْتُ بَوَاطِنَهُ فِي قَعْرِ التَّنُّورِ فَلَمْ أَسْمَعْ إِلَّا خَشْخَشَةَ الأَوْرَاقِ فَهَزَّتْنِي الهَزَّةْ؛ قَهَرَتْ فِيَّ الدَّاخِلَ وَالخَارِجَ وَالقَلَمَ المَسْلُولْ.
: هَلْ تَصْدُقُ عَيْنِي؟
كَسَحَابٍ شَاهَدْتُ النَّارَ تُعَانِقُ فَاهَ الفِكْرَةِ
فِي كُلِّ حَنِينْ..
لَمْ يَكُنِ الغَيْمُ الشَّاهِدُ فِي ذَاكَ النَّزْفِ،
وَقَدْ شَمِلَ الأَرْكَانَ بِشِدَّةْ
يَقْدِرُ أَنْ يُلْقِيَ دَلْوًا مِنْ مَاءْ.
هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا يَا شَيْخِي الطَّيِّبِ؟
أَسْفَلَ هذِي الجُمْلَةِ تَمْكُثُ أَكْثَرُ أَفْعَالِ اللُّغَةِ المُفْتَرِسَةْ
يَرْبِطُهَا حَبْلٌ سِرِّيٌّ
تَرْسُمُ وَشْمًا فَوْقَ الأَضْلُعِ فِي كُلِّ الأَنْحَاءِ، وَتَأْخُذُنِي
مِنْ حَيْثُ الدِّفْءِ إِلَى حَيْثُ الفَاصِلَةِ الرَّعْنَاءْ..
أَنَا لَا أَخْشَى أَنْ يَذْبُلَ سِتْرِي
أَوْ تَنْفُرَ مِنِّي الأَجْزَاءْ
فَلِمَاذَا يَا شَيْخِي الطَّيِّبَ مَا كُنْتُ أَرَى لَكَ أَوْزَانًا
تَتَّسِعُ كَدَائِرَةٍ فِي المَاءْ؟”






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

