الرابط : القصة (:::)
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك (:::)
مادت الأرض أسفل قدمي سوسو ، دارت بها الدنيا الف دورة ودورة ، نبأ رحيل الأب سمعان إلى الدير أطاح بعقلها بعيداً ، تحولت قدرتها على التفكير إلى شيء جامد لا حراك فيه لا تريد أن تصدق أنه تركها حتى دون كلمة وداع ، أو يترك لها حتى قصاصة ورقية يشرح فيها أسباب حكمه بالإعدام رجماً بعد أن فتحت كل النوافذ التي ستطل منها على دنياها الجديدة معه . كل ذرة في كيانها تصرخ وتنوح وتنحب ، وقفت أمام المرآة تتهمها بالخيانة والخداع والكذب ، أوهمتها بأن أسلحتها الجبارة قادرة على تحقيق النصر وكسب المعركة ، وسرعان ما يقع الأب سمعان أسيراً بين يديها لتسجنه في زنزانة عالم صُنع خصيصاً لهما مدى الحياة ، غلت الدماء في عروقها وثارت كالبركان وانتابتها ثورة مجنونة ، هشمت المرآة ، ألقت بنفسها فوق الفراش ترويه بدموع أشد مرارة من العلقم ، إحساس قاتل بأن روحها تتسرب بعيداً عن جسدها ، تاه عقلها بين أمل الماضي وقسوة اللحظة التي تعيشها وظلام مستقبل أعجف يفتح فاه عن آخره ليلتهف كل الأفراح ، تحدق في سقف الحجرة محاولة أن تخترقه بعينيها لتعاتب السماء على الظلم المرير الذي داس هامتها ، من المؤكد أن السماء هي السبب ، عندما طأطأ الأب سمعان رأسه أمام فتنتها الجبارة ، وقعت عيناه على تراب الأرض مصير كل كائن على وجهها ، فجأة تحركت رأسه لأعلى ونظرت السماء بنجومها اللامعة وسمع صوتاً معاتباً يسأله ، لماذا ؟! لماذا نكصت على عقبيك وهربت من طريق النور إلى طريق الظلام ؟!، ظلت تردد بصوت يأكله النعاس ، نعم من المؤكد أن هناك قوة جبارة هي التي أفلتته من قبضة أنوثتي . تناهى إلى سمعها طرقات على الباب ، نهضت تستطلع القادم في هذا الوقت من الليل ، أطلقت صيحة أخرجت الليل عن سكونه وألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تهتف :
ـ ما أروعك .. ما أروعك .. لم أكن أعلم أنك ستكون بهذه الأناقة بعد أن بدلت ثياب الرهبنة وأزلت لحيتك ، اندفعت بين ذراعيه وتركت شفتيها تتحسس وجهه الحليق .
قال ميلاد وداخل عينيه نفس النظرة الوديعة التي عشقتها:
ـ كان لا بد من اتخاذ هذه الخطوة بعد أن أقنعتني كلماتك ، فأوهمت الجميع بأنني سأعود إلى الدير ، ثم تسللت إليكِ لنحلق معاً في سمائنا الجديدة ، لقد ودعت الرهبنة وعدت إلى اسم ميلاد ثانية لكن لا أدري ماذا أفعل الآن .
قالت سوسو وهي لا تزال متعلقة بعنقه وكأنه تخشى أن يتسرب من بين أيديها :
ـ أنت لست مطالباً سوى بالجلوس على كرسي عرشك ، وتأذن لجاريتك بالجلوس عند قدميك لتنعم بما ستسبغه عليها من عطف وحنان .
قال وقد تحولت النظرة الوديعة إلى خوف حقيقي :
ـ أخشى أن يفطنوا لوجودي هنا ويأتوا لانتزاعي من الجنة التي أحلم بها بين ذراعيك.
ابتعدت للخلف وقد بدت داخل عينيها نظرة شرسة وهي ترفع قبضتها متوعدة :
ـ سيغرق زورقهم في بحر دمائي قبل أن يصلوا إليك .
امسك ميلاد بوجهها بين يديه وقال وعيناه تسكبان حناناً فاض عليها :
ـ كنت أخاف حرباً شديدة يشنها ضميري لكن الآن وأنا انظر في عينيك الجميلتين اشعر بقوة تدفعني لمحاربة العالم كله من أجلك .
أسندت رأسها إلى صدره قائلة وقد أغرورقت عيناها بالدموع :
ـ ضع أذنك علي قلبي وأنت تعلم كم كنت متلهفة إلي هذه اللحظة يا حبيبي وكنت على استعداد أن أدفع حياتي كلها من أجلها .
علا رنين الهاتف كنعيق بوم ينذر في ليلة ظلماء ، امتدت يدها تتحسس موضعه ، رفعت السماعة إلى أذنها وهي نصف نائمة منادية .. ميلاد .. ميلاد ..لكن صوت كريستا داهمها كمصيبة أتت على غير انتظار:
ـ من هو ميلاد أيتها الهاربة ، يومان وأنت متغيبة عن العمل وحاولت الاتصال بك أكثر من مرة .
أجهشت سوسو بالبكاء وانزعجت كريستا وتلاحقت كلماتها:
ـ ماذا بك ؟.. ماذا بك ..؟ سأحضر إليك فورا .
****
حدقت كريستا في وجهها وهي لا تصدق أن هذا الوجه لفاتنة الأفراح كما يطلق عليها ، طوقتها بذراعها وهي تحاول تهدئتها وقالت سوسو بصوت عذابها :
ـ ذبحني وهرب الخائن .
سألت كريستا مندهشة :
ـ من تقصدين؟
أجابت سوسو بدموع شاهقة :
ـ من يكون غير الأب سمعان .
أحست كريستا بالارتياح لانتصار الأب سمعان ، لكنها تمزقت حزناً علي حال صديقتها وحاولت أن تهون عليها قائلة بنبرة مواسية :
ـ وهل تعتقدي أن حاله أفضل من حالك الآن ، هروبه اعتراف بحبه لك لكن قتال ضميره حال دون ارتكابه لهذه المعصية .
رفعت سوسو نحوها عينين مستنكرتين قائلة بعصبية :
ـ هل تنظرين إلى حبه لي على أنه معصية ؟
قالت كريستا مستمرة في مواساتها :
ـ لست اقصد هذا المعني بالضبط ، لكن أنت تعلمي أن هذا الحب كان سيقذف به بعيدا عن الطريق الذي اختاره طائعا ، الناس تحترم المواثيق فيما بينها فما بالك بميثاقه الذي وقعه مع الله .
قالت سوسو وقد اندفعت إلى داخلها شراسة الإصرار :
ـ لا يهمني سوى ميثاق الهوى الذي وقعته عيناه مع عيني وسأبحث عنه وأعود به حتى لو ذهبت وراءه إلى نهاية العالم .
قالت كريستا مشفقة ومحذرة :
– خوفي عليك وحبي لك يدفعاني لأن أنبهك أنك واهمة ، قد تكوني أحرزت النصر في جولة واحدة في المرة السابقة ثم منيت بعدها بالهزيمة وأخشى عليك من ضربة قاضية لو حاولت اختراق دنياه مرة ثانية .
قالت سوسو بشراسة وإصرار أشد :
ـ سأعتبره انتصارا باهراً لي وأنا الفظ أنفاسي تحت قدميه .
********
مر شهر على عودة الأب سمعان إلى الدير بذل فيه مجهودا كبيرا ليعيد إلى نفسه سكينتها ، كانت المرة الأولى التي يشارك فيها في الصلاة ، رفض المشاركة في أي صلاة قبل أن يجدد داخله ، انتهت الصلاة وحانت منه التفاته جهة المصلين ، التقت عيناه بعينيها التي اجتهدت أن تودع فيهما استغاثة الغريق ولهفة المحروم ، ابتسم ابتسامته الوديعة وهرول من باب جانبي إلى صومعته وقد رجا أحد الأباء أن يغلق عليه الباب من الخارج ولا يفتحه إلا صبيحة اليوم التالي ، وجثا أمام المصلوب قائلا : اغفر لها يا سيدي فأنها لا تدري ماذا تفعل ، لا تدري أي خطيئة ترتكبها بمحاولة إغواءئها لراهب أمات نفسه عن الدنيا ونذر نفسه للآخرة . سمع قرعاً على باب الصومعة ، أجاب بصوت تملأه العزيمة ، آسف الباب مغلق والمفتاح ليس معي .
تمت .
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
يعتذر الروائي إدوارد فيلبس جرجس عن صدور هذا الباب إلى حين عودته من القاهرة .
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

