نشيج خافت في سديم معتم ( الى روح الدكتور احمد رياض سلمان )


الرابط : فضاءات عربية (:::)
محمد حسين الداغستاني – العراق (:::)
وأنا أثقب في ذاكرة الستين المتعبة عن مجريات آخر لقاء لنا معاً ، تذهب محاولاتي سدى ، فالذاكرة التي كانت مفعمة بالأحداث والوقائع السارة والحزينة  باتت مكدودة  وبدأت هي الأخرى  مثلي تذوي أوراقها كأشجار الخريف النفضية  فأتحايل عليها وأكتفي بتلك السوانح القابعة  في قعر ٍ سحيق يعز القدر أستعادتها إلاّ بمقدار !
ورحيلك الى تلك الولاية الأنيقة  في أمريكا القاصية  ليس فريداً ، بل ولم يكن مفاجئاً ، فقد كانت له مقدمات وأوجاع ومعاناة وضيق شديد ، لكنه كان مزدوجاً ، فلم تكتف بشد الرحال الى خارج البلاد بحثاً عن الأمان والعلاج  والإستقرار (المؤقت ) ،  وإنما  اعقبته برحيل سرمدي لا أمل لنا معه  بلقائك ثانية ، وإلى أين  ؟  إلى أرض طالما كنت تصب جام غضبك على سدنتها الذين عبثوا بالوطن ومزقوا اوصاله ويسروا لأعدائه أن يلتهموه وهو حي صابر  !  إنها الأقدار تجعلنا رهينة لجغرافية لا نختارها إلاّ قسراً  !
وبالعودة الى  السويعات المشتركة لنا في حديقة كازينو لبنان الصيفي  وكافتريا   سرلانكا  ، أنت بغليانك وفورة المشاعر الجبارة التي كانت تمور في اعماقك وأبو فراس برزانته ووقاره ، ومحمد رياض بمشاكساته وقدرته اللعينة على  إثارتك والذي يتذكرها الآن بندم شديد ، وأنا  الذي كنت أرتدي  ريش حمامة السلام لتهدئة المواقف وخلق الفهم المشترك  المفقود  ،  مع إنني كنت أشاطرك  في كل ما يثير حماسك ، أستذكر غضبك الجامح وتنبؤاتك  التي أثبتت الأيام صوابها فها  الوطن أصبح نهباً للداني والقاصي ، ولم يكلف الغازي نفسه فرش شوارع مدينتنا بالورد (كما وعد)  ولم يرصف الذهب والفضة بدلاً عن بلاط ارصفتها ، بل ورغم الثراء الفاحش فلا زلنا نحـّن الى كوة النور العليل  والأمن المفقود ، فأغضب على نفسي لإنني كنت أهادن أنذاك وابحث عن حلول متأرجحة لا نجدها اليوم في دنيانا !
إذا ّ رحلت عنا يا أبا علي في يوم حزين .. توقف قلبك الكبير ،  وأصبح كل ما في حولك مجرد موجودات صماء وخرساء هوت في وهدة الصمت الجليل ،  إلاّ بعض مرضاك المعدمين الذين كنت تترك عيادتك لتشتري لهم او لأطفالهم البؤساء الدواء على حسابك من الصيدلية المقابلة لعيادتك ،  وأحباؤك الذين بات النشيج الخافت يمزق أحشاءهم ويحيل يومهم الى سديم قاتم !
ولست قلقاً عليك حيث رحلت ، ففي صرتك التي تحملها على كتفيك  خزين وافر من انسانيتك التي  كانت تسفح على من إحتاجك ولم يحتاجك ،  كما وكان النبل الذي فيك يفيض على من حولك ، وبعد  فوراتك كنت تعود الى ذاتك المفعمة بالمودة واليسر والحياء والتسامح  بل والندم أيضاً وهذه من شيم الرجال .
أبا علي .. برحيلك الأليم أصبح من العسير  ترويض النفس على تقبل الأمر الواقع ، لقد ملأت حياتنا بقداسة الألفة والبذل السخي  ، ومثلما كنت حاضراً في المسرات والملمات  فستبقى معنا ، وسيشوب رحيلك الكثير من الرضوخ القسري والوجع الآسر .
وداعاً .