الرابط: القصة :
رواية الكاتب : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
عادت سوسو من الحفل شاردة الذهن بالرغم من المحاولات التي بُذلت لجذبها داخل حلقة الضوء ، ظنت صديقتها كريستا أن السبب هو عودتها إلى ذكريات زواجها الأليمة ووافقتها على الفور عندما رجتها أن ترافقها إلي المنزل وتبيت ليلتها معها ، طاب لسوسو أن تعيش مع أفكارها التي حلقت بها في سماء الأب سمعان ، ولما لا أليس الراهب من البشر له قلب ومشاعر وأحاسيس ، ما ذنبها إذا كان ما أجهدها البحث عنه لسنوات طويلة ولم تظفر به وجدته وبدون سابق إنذار في عيني راهب ، لن تدع هذه الفرصة التي لن تتكرر تفلت من بين يديها ، خبرتها والتجارب التي مرت بها علمتها كيف تفرق بين ما هو أصيل وما هو مزيف ، وما رأته الليلة ما هو إلا نبع مختف ما أن تكشف عنه حتى يفيض بدون حساب ، أو ماسة حرة لا تحتاج إلا لصقل خفيف لتسكب ضوءها النقي ، واثقة من إمكانياتها التي ستستخدمها للكشف عن هذا النبع ، والتي يجب أن تشحذها جيدا المباح منها والمحظور ، هذه الحرب التي ستخوضها هي الحياة بالنسبة لها يجب أن تكلل بالانتصار الباهر وفي الحرب تُباح جميع الأسلحة ، ولتبدأ فورا وبدون تقاعس . رقص قلبها طرباً وهي تراه واقفاً في نفس مكانه ليلة العرس ويبدأ معها حديثاً غير متوقع وابتسامة وديعة فوق شفتيه :
ـ لم أركِ أن كنت في العرس .
أجابت سوسو والسعادة تشع من عينيها :
ـ لقد كنت أظن انك لم تلحظ وجودي آنذاك !
ـ كيف وعيناي لم تفارقا وجهك طوال الوقت ؟!!
ـ لكن عيناي لم تلتق بعينيك ، وظننت أنك حتى لم تلحظ وجودي .
ـ لأنك كنت تهربين خجلاً بنظراتك بعيدا عنى .
ـ قد أكون هربت بنظراتي لكن من المؤكد سمعت دقات قلبي وأنت في مكانك .
ـ لم تسمعها أذنيَّ ، لكن دقات قلبي كانت تتجاوب معها طوال الوقت .
قالت سوسو وقد بدأت تشعر بأنها تطير فوق سحابة بيضاء :
ـ اشعر وكأنني أعرفك منذ دهر .
قال الأب سمعان وكأنه يجاورها فوق السحابة :
ـ من المؤكد أن أرواحنا تقابلت وتناجت في الفضاء الواسع بعيداً عن الأعين .
وقالت سوسو بقلبها المرتعش :
ـ أشعر بأنني سأموت من فرط السعادة ، فلم اكن أتوقع أن يتحقق ما كنت أنظر إليه كنجمة بعيدة المنال بهذه السرعة .
وقال الأب سمعان وهو يقتطف من سعادتها ويغمرها بسعادة أكبر :
ـ وسأطعمك أنواعاً وأنواع من السعادة عندما يضمنا عش الزوجية سويا .
ـ وكيف يتحقق هذا وأنت راهب ولا يسمح لك بالزواج ؟!
ـ ألم تسمعي عن قانون الرهبنة الجديد الذي يبيح للراهب أن تكون له زوجة بشرط ألا ينجب أطفالاً منها لأنه لا يسمح بوجود أطفال داخل الدير !!!!!
ـ لا تهمني الأطفال يكفيني أنت فلمساتك الحانية ستجعلني في غنى عن أطفال العالم كله .
ـ وأنا متأكد بأنك ستجعلين من صومعتنا داخل الدير قطعة من الفردوس .
ـ لكن هل أنت متأكد أن أحدا لن يعترض عليى زواجنا ؟
أجاب الأب سمعان مؤكداً كلماته بضربة قوية فوق المنضدة التي أمامه :
_ الأب سمعان عندما يقرر لا يثنيه عن قراره إلا الموت !!!
كان الصوت المنبعث من هذه الضربة كافيا لأن يهد حلمها وتهب من نومها مذعورة لا يطالعها سوى جدران الغرفة ، لم يكن الصوت الذي أيقظها سوى صوت الجريدة وهي ترتطم بالأرض ، اعتاد موزع الجرائد أن يلقيها من على بعد كل يوم أمام باب منزلها ، ولم يكن ما رأته سوى حلم لأمنية جَسَّدَها فكرها الذي لم يتعطل للحظة واحدة عن التفكير في الأب سمعان منذ أن رأته وحتى نعاسها المرهق بعد عودتها من الحفل . حاولت أن تغفو مرة أخرى فلم يذعن لها النعاس فهربت من الفراش واعدت لنفسها قدحاً من القهوة لعله ينشط من ذهنها المكدود . إستيقظت كريستا على الجلبة الصادرة من المطبخ وفوجئت بوجه سوسو الذي نال منه الإرهاق وكأنها لم تنم ليلتها ، كان القلق لا يزال يساورها وقد احتارت في أن تجد تفسيرا لحالة التبدل التي اعترت صديقتها فجأة ، اقتربت منها مبتسمة في محاولة لاستدراجها لتفضي عما بنفسها :
ـ لقد استيقظت مبكرة على غير عادتك ، اعلم انك لا تغادري الفراش قبل منتصف النهار يوم العطلة .
قالت سوسو بصوت نال منه الإجهاد :
ـ فعلا كما تقولين لكن اليوم وجدت نفسي غير قادرة على الاستمرار في الرقاد .
سألت كريستا طامعة في إجابة مستفيضة :
ـ هل هناك ما يشغلك ؟
أجابت سوسو بسؤال مبتعدة عن الإجابة على سؤال كريستا :
ـ هل شعرت يوماً بالحب ياكريستا ؟
ـ أنت تعلمين أن زواجي كان بعد قصة حب دامت لثلاثة أعوام.
ـ وهل تذوقت الحنان معه .. ؟
ـ أيامي معه كانت هناءً وما ذقته من حنان لا يضارعه إلا حنان أبي وأمي وهذا ما جعلني أنبذ فكرة الزواج ثانية خشية ألا أجد من يعوضني عنه .
قالت سوسو بلهجة مريرة :
ـ إذا فأنت لن تفهمي معني الحرمان من حنان الأب والأم ومن كل حنان آخر .
قالت كريستا في محاولة لتخفيف مرارة صديقتها :
ـ الآن أشعر بهذا الحرمان بعد أن فقدت زوجي .
ـ لكنك لم تفقدي كل مصادرك للحنان لأنك لا زلت غارقة في حنان أبويك ، ولذا فمن الصعب عليك أن تجربي العيش بإحساس من لم يذق الحنان طوال عمره لا لسبب سوى أن اقرب الناس إليه ضنوا عليه بوقتهم لكي يشبعوا أطماعهم في الثراء ، أو أن حظه العاثر كان يضع في طريقه من يريد الأخذ وليس لديه أي نية للعطاء .
قالت كريستا وهي تطوق عنقها وتقبلها :
ـ تأكدي انك ستقابلين يوماً من ينسيك كل هذا العذاب فأنت صغيرة ولا يزال أمامك الوقت .
قالت سوسو وقد انفرجت شفتاها عن ابتسامة حالمة :
ـ هل ستسرين لي إذا قلت لك بأنني قابلته وأنني وطدت العزم علي إشباع نفسي المحرومة من حنانه؟
قالت كريستا وهى تشدد الضغط على عنقها ووجهها ينطق بالفرحة :
ـ هل هذا ما كان يجعلك تبدين كتائهة في ليل الصحراء ؟
قالت سوسو وصوتها ينضح بالحيرة :
ـ وحتى الآن لا أزال تائهة ولا أعرف كيف سيكون الطريق إليه .
لاحقت أسئلة كريستا بعضها البعض والفضول يطغي عليها :
ـ ولكنك لم تخبريني من هو ؟! .. وهل سبق لي معرفته أم لا ؟! .. ومتى تقابلت معه ولماذا لم تخبريني بأمره من قبل أيتها الخبيثة؟
ـ قابلته أمس وأنت تعرفينه جيدا .. أجابت سوسو.. ثم ناظرة إلى وجه صديقتها وأكملت أما من هو ؟ فإنه الأب سمعان .
قالت كريستا وهي تحدق في وجهها بذهول :
ـ لست أظن بك سوى الجنون .
ـ إنها الحقيقة وسأكون مجنونة لو تركت هذه الفرصة تضيع من يدي .
ـ أي فرصة هذه التي ترجينها مع راهب ترك العالم كله وراءه!!!!.
ـ وهذا هو ما ابحث عنه .. فرصتي مع الأب سمعان الذي ترك العالم كله فإذا صرت له فسأكون كل عالمه الذي يغدق عليه من وافر حنانه دون حساب .
قالت كريستا وهي لا تزال رهينة الدهشة :
ـ إنت واهمة ، حادت قدماك عن طريق الصواب ، هل تظنين أن مهمتك ستكون سهلة ، أنت كمن يود اختراق قلعة حصينة ومنيعة تتحطم أمامها كل أنواع الإسلحة حتى لو كانت مدمرة .
قالت سوسو وكأنها تستعرض خبراتها :
ـ من فنون الحرب عدم محاولة اختراق القلعة لكن محاصرتها حتى تسقط .
قالت كريستا في محاولة إلى إدخال بصيصاً من العقل إلى رأسها :
ـ هل تعلمين أنك بفعلتك قد تدمري الرجل ولا تفوزي سوى بأشلائه .
قالت سوسو بلهجة في صلابة الحجر :
ـ سأجمع هذه الأشلاء في حضني وانفخ فيها نسمات الحب فتعود إلى الحياة .
قالت كريستا مخاطبة ضميرها :
ـ قد تعيديه للحياة لكن أيضاً لعذاب الضمير .
ـ لن يكون ضميره أشد من ضمير النبي داوود الذي زنى مع زوجة أحد قادة جيشه وحتى لا يفتضح الأمر دفع بزوجها للحرب ليقتل .
قالت كريستا غير مستسلمة لليأس :
ـ ووعده الذي قطعه على نفسه أمام الله بأنه سيكرس حياته له فقط .
قالت سوسو لتبرر استباحته لنفسها :
ـ ما سيجنيه من ثواب لإنقاذه نفس تردت في الهلاك يفوق بكثير حنثه بوعده .
قالت كريستا في محاولة لمداعبة خوفها :
ـ هل وضعت في حسبانك بأنك قد تمنين بهزيمة نكراء ؟
أجابت سوسو مستبسلة :
ـ ثقب جديد في جسد اعتاد على الطعن منذ طفولته لن يزيد في ألمه .
سألت كريستا سؤالاً تائها :
ـ وما موقفي أنا أمام هذا كله ؟!
وأجابت سوسو وهي تربت على ظهرها :
ـ موقف صديقة العروس التي تفرح لها .
أحست كريستا بفيض من الشفقة والحزن على سوسو ، ملقية باللوم علي كل من دفعها إلى هذا الضياع الذي تشعر به ، فوَلَّد داخلها مرضاً يستعصي شفاؤه ، فالنفس المريضة اشد صعوبة في شفائها من الجسد المريض ، داهمتها حيرة فيما يمكن أن تفعله لتزيح عن عقلها تفكيره المجنون ، وهي تعلم أن رأسها العنيد لا يمكن أن يوقفه شيء ولم تستطع شيئا سوى الدعاء لها .
**********
لم يعد هناك مكان آخر في كيان سوسو يتسع لشيء جديد من الأب سمعان ، ملأت به القلب والعقل والفكر وكل ذرة في كيانها ، بداية يومها الذي يشرق بخيوطه الذهبية فينعش روحها ، ونهاية يومها تتسلل خيوطه الفضية تداعب وجهها لتستكين لنعاس حلو يتراءى لها من خلاله مشاهد من أحلام تنقلها إلي عالم لم تر مثله من قبل .. عالم خال من البشر ، لا تخطر فيه سوى ملائكة تظلل بأجنحتها علي حبيبين هامت روحاهما فوق روابي الحب وهي والأب سمعان في المقدمة ، ولما لا وهي متأكدة من أن الأب سمعان اصبح توأم روحها الذي طال بحثها عنه وعليها أن تسكن في قلبه وتفوز به وتنجح في مهمتها التي تعلم أنها ليست بالسهلة . هداها تفكيرها الذي لم يهدأ للحظة واحدة أن تكون خطوتها الأولي هي اتخاذ مظهر التقوى والورع لعلها تستطيع اجتذاب نظره ، ثم تليها بخطوة أخري أكثر تقدما .
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف .
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

