الراهب (6)

الرابط: القصة :
رواية الكاتب : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
عادت سوسو من الحفل شاردة الذهن بالرغم من المحاولات التي بُذلت لجذبها داخل حلقة الضوء ، ظنت صديقتها كريستا أن السبب هو عودتها  إلى ذكريات زواجها الأليمة ووافقتها على الفور عندما رجتها أن ترافقها إلي المنزل وتبيت ليلتها معها ، طاب لسوسو أن تعيش مع أفكارها التي حلقت بها في سماء الأب سمعان ،  ولما لا أليس الراهب من البشر له قلب ومشاعر وأحاسيس ، ما ذنبها إذا كان ما أجهدها البحث عنه لسنوات طويلة ولم تظفر به وجدته وبدون سابق إنذار في عيني راهب ، لن تدع هذه الفرصة التي لن تتكرر تفلت من بين يديها ، خبرتها والتجارب التي مرت بها علمتها كيف تفرق بين ما هو أصيل وما هو مزيف ، وما رأته الليلة ما هو إلا نبع مختف ما أن تكشف عنه حتى يفيض بدون حساب ، أو ماسة حرة لا تحتاج إلا لصقل خفيف لتسكب ضوءها النقي ، واثقة من إمكانياتها التي ستستخدمها للكشف عن هذا النبع ، والتي يجب أن تشحذها جيدا المباح منها والمحظور ، هذه الحرب التي ستخوضها هي الحياة بالنسبة لها يجب أن تكلل بالانتصار الباهر وفي الحرب تُباح جميع الأسلحة ، ولتبدأ فورا وبدون تقاعس . رقص قلبها طرباً وهي تراه واقفاً في نفس مكانه ليلة العرس ويبدأ معها حديثاً غير متوقع وابتسامة وديعة فوق شفتيه :
ـ لم أركِ  أن كنت في العرس .
أجابت سوسو والسعادة تشع من عينيها :
ـ لقد كنت أظن انك لم تلحظ وجودي آنذاك !
ـ كيف وعيناي لم تفارقا وجهك طوال الوقت ؟!!
ـ لكن عيناي لم تلتق بعينيك ، وظننت أنك حتى لم تلحظ وجودي .
ـ لأنك كنت تهربين خجلاً بنظراتك بعيدا عنى .
ـ قد أكون هربت بنظراتي لكن من المؤكد سمعت دقات قلبي وأنت في مكانك .
ـ لم تسمعها أذنيَّ ، لكن دقات قلبي كانت تتجاوب معها طوال الوقت .
قالت سوسو وقد بدأت تشعر بأنها تطير فوق سحابة بيضاء :
ـ اشعر وكأنني أعرفك منذ دهر .
قال الأب سمعان وكأنه يجاورها فوق السحابة :
ـ من المؤكد أن أرواحنا تقابلت وتناجت في الفضاء الواسع بعيداً عن الأعين .
وقالت سوسو بقلبها المرتعش :
ـ أشعر بأنني سأموت من فرط السعادة ، فلم اكن أتوقع أن يتحقق ما كنت أنظر إليه كنجمة بعيدة المنال بهذه السرعة .
وقال الأب سمعان وهو يقتطف من سعادتها ويغمرها بسعادة أكبر :
ـ وسأطعمك أنواعاً وأنواع من السعادة عندما يضمنا عش الزوجية سويا .
ـ وكيف يتحقق هذا وأنت راهب ولا يسمح لك بالزواج ؟!
ـ ألم تسمعي عن قانون الرهبنة الجديد الذي يبيح للراهب أن تكون له زوجة بشرط ألا ينجب أطفالاً منها لأنه لا يسمح بوجود أطفال داخل الدير !!!!!
ـ لا تهمني الأطفال يكفيني أنت فلمساتك الحانية ستجعلني في غنى عن أطفال العالم كله .
ـ وأنا متأكد بأنك ستجعلين من صومعتنا داخل الدير قطعة من الفردوس .
ـ لكن هل أنت متأكد أن أحدا لن يعترض عليى زواجنا ؟
أجاب الأب سمعان مؤكداً كلماته بضربة قوية فوق المنضدة التي أمامه :
_ الأب سمعان عندما يقرر لا يثنيه عن قراره إلا الموت !!!
كان الصوت المنبعث من هذه الضربة كافيا لأن يهد حلمها وتهب من نومها مذعورة لا يطالعها سوى جدران الغرفة ، لم يكن الصوت الذي أيقظها سوى صوت الجريدة وهي ترتطم بالأرض ، اعتاد موزع الجرائد أن يلقيها من على بعد كل يوم أمام باب منزلها ، ولم يكن ما رأته سوى حلم لأمنية جَسَّدَها فكرها الذي لم يتعطل للحظة واحدة عن التفكير في الأب سمعان منذ أن رأته وحتى نعاسها المرهق بعد عودتها من الحفل . حاولت أن تغفو مرة أخرى فلم يذعن لها النعاس فهربت من الفراش واعدت لنفسها قدحاً من القهوة لعله ينشط من ذهنها المكدود . إستيقظت كريستا على الجلبة الصادرة من المطبخ وفوجئت بوجه سوسو الذي نال منه الإرهاق وكأنها لم تنم ليلتها ، كان القلق لا يزال يساورها وقد احتارت في أن تجد تفسيرا لحالة التبدل التي اعترت صديقتها فجأة ، اقتربت منها مبتسمة في محاولة لاستدراجها لتفضي عما بنفسها :
ـ لقد استيقظت مبكرة على غير عادتك ، اعلم انك لا تغادري الفراش قبل منتصف النهار يوم العطلة .
قالت سوسو بصوت نال منه الإجهاد :
ـ فعلا كما تقولين لكن اليوم وجدت نفسي غير قادرة على الاستمرار في الرقاد .
سألت كريستا طامعة في إجابة مستفيضة :
ـ هل هناك ما يشغلك ؟
أجابت سوسو بسؤال مبتعدة عن الإجابة على سؤال كريستا :
ـ هل شعرت يوماً بالحب ياكريستا ؟
ـ أنت تعلمين أن زواجي كان بعد قصة حب دامت لثلاثة أعوام.
ـ وهل تذوقت الحنان معه .. ؟
ـ أيامي معه كانت هناءً وما ذقته من حنان لا يضارعه إلا حنان أبي وأمي وهذا ما جعلني أنبذ فكرة الزواج ثانية خشية ألا أجد من يعوضني عنه .
قالت سوسو بلهجة مريرة :
ـ إذا فأنت لن تفهمي معني الحرمان من حنان الأب والأم ومن كل حنان آخر .
قالت كريستا في محاولة لتخفيف مرارة صديقتها :
ـ الآن أشعر بهذا الحرمان بعد أن فقدت زوجي .
ـ لكنك لم تفقدي كل مصادرك للحنان لأنك لا زلت غارقة في حنان أبويك ،  ولذا فمن الصعب عليك أن تجربي العيش بإحساس من لم يذق الحنان طوال عمره لا لسبب سوى أن اقرب الناس إليه ضنوا عليه بوقتهم لكي يشبعوا أطماعهم في الثراء ، أو أن حظه العاثر كان يضع في طريقه من يريد الأخذ وليس لديه أي نية للعطاء .
قالت كريستا وهي تطوق عنقها وتقبلها :
ـ تأكدي انك ستقابلين يوماً من ينسيك كل هذا العذاب فأنت صغيرة ولا يزال أمامك الوقت .
قالت سوسو وقد انفرجت شفتاها عن ابتسامة حالمة :
ـ هل ستسرين لي إذا قلت لك بأنني قابلته وأنني وطدت العزم علي إشباع نفسي المحرومة من حنانه؟
قالت كريستا وهى تشدد الضغط على عنقها ووجهها ينطق بالفرحة :
ـ هل هذا ما كان يجعلك تبدين كتائهة في ليل الصحراء ؟
قالت سوسو وصوتها ينضح بالحيرة :
ـ وحتى الآن لا أزال تائهة ولا أعرف كيف سيكون الطريق إليه .
لاحقت أسئلة كريستا بعضها البعض والفضول يطغي عليها :
ـ ولكنك لم تخبريني من هو ؟! .. وهل سبق لي معرفته أم لا ؟! .. ومتى تقابلت معه ولماذا لم تخبريني بأمره من قبل أيتها الخبيثة؟
ـ قابلته أمس وأنت تعرفينه جيدا .. أجابت سوسو.. ثم ناظرة إلى وجه صديقتها وأكملت أما من هو ؟ فإنه الأب سمعان .
قالت كريستا وهي تحدق في وجهها بذهول :
ـ لست أظن بك سوى الجنون .
ـ إنها الحقيقة وسأكون مجنونة لو تركت هذه الفرصة تضيع من يدي .
ـ أي فرصة هذه التي ترجينها مع راهب ترك العالم كله وراءه!!!!.
ـ وهذا هو ما ابحث عنه .. فرصتي مع الأب سمعان الذي ترك العالم كله فإذا صرت له فسأكون كل عالمه الذي يغدق عليه من وافر حنانه دون حساب .
قالت كريستا وهي لا تزال رهينة الدهشة :
ـ إنت واهمة ، حادت قدماك عن طريق الصواب ، هل تظنين أن مهمتك ستكون سهلة ، أنت كمن يود اختراق قلعة حصينة ومنيعة تتحطم أمامها كل أنواع الإسلحة حتى لو كانت مدمرة .
قالت سوسو وكأنها تستعرض خبراتها :
ـ من فنون الحرب عدم محاولة اختراق القلعة لكن محاصرتها حتى تسقط .
قالت كريستا في محاولة إلى إدخال بصيصاً من العقل إلى رأسها :
ـ هل تعلمين أنك بفعلتك قد تدمري الرجل ولا تفوزي سوى بأشلائه .
قالت سوسو بلهجة في صلابة الحجر :
ـ سأجمع هذه الأشلاء في حضني وانفخ فيها نسمات الحب فتعود إلى الحياة .
قالت كريستا مخاطبة ضميرها :
ـ قد تعيديه للحياة لكن أيضاً لعذاب الضمير .
ـ لن يكون ضميره أشد من ضمير النبي داوود الذي زنى مع زوجة أحد قادة جيشه وحتى لا يفتضح الأمر دفع بزوجها للحرب ليقتل .
قالت كريستا غير مستسلمة  لليأس :
ـ ووعده الذي قطعه على نفسه أمام الله بأنه سيكرس حياته له فقط .
قالت سوسو لتبرر استباحته لنفسها :
ـ ما سيجنيه من ثواب لإنقاذه نفس تردت في الهلاك يفوق بكثير حنثه بوعده .
قالت كريستا في محاولة لمداعبة خوفها :
ـ هل وضعت في حسبانك بأنك قد تمنين بهزيمة نكراء ؟
أجابت سوسو مستبسلة :
ـ ثقب جديد في جسد اعتاد على الطعن منذ طفولته لن يزيد في ألمه .
سألت كريستا سؤالاً تائها :
ـ وما موقفي أنا أمام هذا كله ؟!
وأجابت سوسو وهي تربت على ظهرها :
ـ موقف صديقة العروس التي تفرح لها .
أحست كريستا بفيض من الشفقة والحزن على سوسو ،  ملقية باللوم علي كل من دفعها إلى هذا الضياع الذي تشعر به ، فوَلَّد داخلها مرضاً يستعصي شفاؤه ، فالنفس المريضة اشد صعوبة في شفائها من الجسد المريض ، داهمتها حيرة  فيما يمكن أن تفعله لتزيح عن عقلها تفكيره المجنون ، وهي تعلم أن رأسها العنيد لا يمكن أن يوقفه شيء ولم تستطع شيئا سوى الدعاء لها .
**********
لم يعد هناك مكان آخر في كيان سوسو يتسع لشيء جديد من الأب سمعان ، ملأت به القلب والعقل والفكر وكل ذرة في كيانها ، بداية يومها الذي يشرق بخيوطه الذهبية فينعش روحها ، ونهاية يومها تتسلل خيوطه الفضية تداعب وجهها لتستكين لنعاس حلو يتراءى لها من خلاله مشاهد من أحلام تنقلها إلي عالم لم تر مثله من قبل .. عالم خال من البشر ، لا تخطر فيه سوى ملائكة تظلل بأجنحتها علي حبيبين هامت روحاهما فوق روابي الحب وهي والأب سمعان في المقدمة ،  ولما لا وهي متأكدة من أن الأب سمعان اصبح توأم روحها الذي طال بحثها عنه وعليها أن تسكن في قلبه وتفوز به وتنجح في مهمتها التي تعلم أنها ليست بالسهلة . هداها تفكيرها الذي لم يهدأ للحظة واحدة أن تكون خطوتها الأولي هي اتخاذ مظهر التقوى والورع لعلها تستطيع اجتذاب نظره ، ثم تليها بخطوة أخري أكثر تقدما .
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف .
edwardgirges@yahoo.com