الرابط : القصة :
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
استقرت سوسو في عملها ومدينتها الجديدة ، عانت من الوحدة لبعض الوقت إلى أن ظهرت في حياتها ” كريستا ” ، انفتحت أمامها كوة في جدار الأمل في أن يكون لها من تستطيع أن تبوح له بمكنون قلبها ، للمرة الأولى تشعر بهذا الإحساس المريح بأن لها صديقة حقيقية تأمن لها ، زادت الأيام وتجاربها من الترابط واشتداد عرى هذه الصداقة ، اندمجا بإحساس أن كل واحدة لا يمكن أن تجد نفسها إلا مع الأخرى ، إزداد هذا الشعور بعد تعرفها إلى أسرة كريستا ووجدت لها مكاناً في قلوب أفرادها عوضها عن بعض الحنان المفقود ، عاشت جوا أسريا مع هذه الأسرة الصغيرة المكونة من الأب والأم وابنة صغيرة بعد أن لجأت كريستا للإقامة معهم ، تلملم أحزانها بينهم بعد حادثة انقلاب سيارتها التي راح ضحيتها زوجها ، فقدت الزوج والحبيب الذي ارتبطت معه بقصة حب طويلة انتهت بزواج انتهى حتى قبل أن يترك لها ثمرة يمكن أن تقلل من أحزانها ، أتفقا على تأجيل إنجاب الأطفال لكي يستمتعا بحياتهما ولم يكن يعلما أن القدر أحياناً يأتي بما لم يكن في الحسبان ، لم تستطع الارتباط مرة أخري ، رفضت كل العروض والمحاولات مفضلة أن تعيش على ذكرى زوجها الذي أحبته لأطول فترة ، هذه الحادثة وظروفها كان لهما الفضل في ازدياد التقارب ورباط الصداقة الشديد الذي جمع بينها وبين سوسو ، وجدت كلاً منهما في الأخرى الأنيس الذي ترتاح له وتفضفض إليه بكل ما في داخلها دون حرج ، كل منهما تستمع إلى الأخرى برفق وأناة لتكون الدواء لجرحها . لم تفكر سوسو مطلقاً في العودة إلى مسقط رأسها حتى من باب الزيارة ، تركته وتعمدت نسيانه كماض مؤلم غير آسفة ، اكتفت بالسؤال عبر الهاتف عن أبيها وأمها بعد أن داهمتهما الأمراض نتيجة للضغوط التي فرضاها علي أنفسهما لأعوام طويلة في السباق المارثوني للوصول إلى أبواب الغنى والثراء ، ثم الولوج والإبحار دون توقف لالتقاط الأنفاس ، لكن لو حسبت بالخسارة والمكسب النتيجة ستكون تفوق بجدارة للخسارة ، فقدا ابنتهما وهي لا تزال على قيد الحياة ، وكأنهما انجبا الباطل ، وتلاها الوقوع بين براثن المرض ، حتى دفء الوطن فقداه في غمرة جنون المال فلم يزوراه سوى مرتين خلال ثلاثة وثلاثين عاما . الأولى حين تلقيا مهاتفة تخبرهما بأن والده على فراش الموت ، يزرف الدموع اشتياقا لرؤيتهما ورؤية حفيدته ، سافرا مصطحبين معهما الحفيدة التي بلغت عامها الثالث عشر من عمرها ، الغريب والمدهش أنها أحست بالراحة وهي بين ذراعي الجد الذي تراه للمرة الأولى ، وكأنه انتقل لقلبها اشتياقه لرؤيتها التي جاءت متأخرة جدا ، ظلت يده تربت علي ظهرها مهدهدة وهو يبكى كطفل صغير ، لم تحاول أن تنتزع نفسها بعيدا عن حضنه وكأنها لا تريد فراق المشاعر والأحاسيس الدافئة ، الأغرب أنها بكته كما لم تبك في حياتها بعد أن فارق الحياة ولم يمض سوى أربعة أيام على وصولهم وكأنه كان يتشبث بها من أجل رؤيتهم . اتخذوا طريق العودة ولم يمض سوى أسبوع واحد علي وفاة أبيه ، وكان التعقيب الوحيد لسوسو هو أنها كانت تود أن تعيش دائما بين هؤلاء الناس الطيبون . أما المرة الثانية فلم تكن سوسو في اصطحابهما لانشغالها بامتحانات آخر العام ، وكانت هذه الزيارة بعد وفاة والدة جانيت للتخفيف عن والدها الذي اصبح في حالة يرثي لها بعد رحيل زوجته ، كانت هذه هي الزيارة الأخيرة ، وهكذا حكما على أنفسهما أن يقضيا ما تبقى من عمرهما في صحبة الأمراض ومفتقدين ابنتهما الوحيدة وبعيدين كل البعد عن تراب الوطن ، ولست أعلم لو وضع في كفتى ميزان الحكمة ما خسراه وما ربحاه أية كفة ستكون الأرجح ، من المؤكد أن الإجابة لن يعرفها احد سواهما فهما اللذان خاضا التجربة .
********
” الأب سمعان ” أو ” ميلاد ” اسمان لشخص واحد ، الأول بعد انخراطه في حياة الرهبنة ، والثاني هو ما قيد به في شهادة ميلاده ، في الحقيقة لم يكن هناك فرق يذكر بين الحالتين فالانتقال من حياة العالم لحياة الخلوة بالنسبة لميلاد لم يتطلب منه إحداث تغييرات كثيرة في سلوكه الشخصي ، وكأنه وهب نفسه لهذا الطريق منذ ولادته ، نسمع أحياناً أن شخصاً التحق بالدير نتيجة لظروف صعبة اعترضت حياته ففضل الابتعاد عن العالم ليداوي جراح قلبه ، لكن ميلاد لم تكن به حاجة للابتعاد عن العالم فظروفه منذ ولادته يحسده عليها الكثيرون ، نشأ في حضن عائلة ميسورة الحال أباً عن جد ، ومن أم وأب مشهوداً لهما من الجميع بعراقة الأصل والطيبة والمحبة للآخرين وصنع الخير وتقديسهم للأسرة والحدب والسهر على أبنائهم الثلاثة دون تمييز، فنشئوا والخصال الطيبة تملأ داخلهم بكل شيء جميل ، مقدرون للرعاية التي أحاطت بهم من كل جانب حتى شبوا عن الطوق وأصبحت الحياة بالنسبة لهم هي السير على خطى أبواهما مقتدين بما تعلموه ومنتفعين بنصائحهم وإرشاداتهم .
كان ميلاد الذي جاء ترتيبه الأوسط بين اخوته نموذجا لما يجب أن يكون عليه البشر ، أفصحت ملامحه الوديعة عما بداخله من نقاء السريرة ، ووشت عيناه عن حنان حقيقي يشعر به كل من تلامس معه ، وباختصار كان ميلاد من الشخصيات التي يرتاح إليها أي إنسان يتعامل معه من قريب أو بعيد تاركا اثراً لا ينمحي بسهولة من الذاكرة ، وظهر هذا جلياً واضحاً خلال سنوات دراسته وتعامله مع زملائه ومدرسيه فعُرفَ عنه دماثة الخلق ، لا يألو جهدا في مساعدة أي زميل له ، مشاركا بنشاطات مختلفة ، ممازحا دون إسراف فاكتسب محبة واحترام الجميع ، انتقل للمرحلة الجامعية متلفعا بنفس هذه الصفات ، ومرت سنوات الدراسة بالجامعة وهو يقفز من تفوق لتفوق وبالرغم من اختياره ليكون ضمن أعضاء هيئة التدريس بالجامعة إلا أنه اعتذر واضعا نصب عينيه الطريق الذي قرر أن يسلكه بعد تخرجه ، هذا الطريق الذي استهواه منذ طفولته عندما كانت تصطحبه أمه برفقتها إلى الكنيسة ، وكان يوم الأحد بالنسبة له اجمل أيام الأسبوع وكم كانت تسر به وباصطحابه معها ، وعندما تخطى مرحلة الطفولة كان يسلك طريقه إليها بمفرده ، زاد ارتباطه بها وقرر أن يكون خادما بالكنيسة ، وعندما وصل إلي المرحلة الجامعية كان مسئولا عن خدمة أحد فصول الشباب ، ما كان يدخل البهجة إلى نفسه تلك الزيارات التي كان يقوم بها للأديرة كلما حانت له الفرصة ليستنشق بين جنباتها نسمات الراحة والاطمئنان ، حاسداً ساكونها على ما يتمتعون به من صفاء النفس بعيدا عن متاعب العالم التي لا تنتهي ، وفي إحدى هذه الزيارات كان له حديث طويل مع أحد الرهبان عاد بعدها وبداخله إصرار لا يقاوم على أن يكون من أهلها ، لكنه لم يفصح لأحد عما بداخله . لم يكن يعذبه سوي ابنة عمه الوالهة في حبه والتي لم يكن يراودها أي شك بأن النهاية السعيدة لا بد وأن تتحقق بزواجها منه ، بالرغم من أنه لم يظهر نحوها ما يدفعها لاعتقادها الواهم ، لكن يبدو أن زواج أخيه الأكبر من أختها فتح أمامها أبواب الأمل ولم يبق سوى اجتياز عتبتها ، تحينت كل الفرص لتكشف عن عاطفة فاض بها الفؤاد وتقسم بأنها لن تكون لأحد غيره ، لكنه كان يقفز كحصان جامح مبتعدا مراعيا بكل ما أوتى من كياسة ألا يتسبب في جرح مشاعرها تاركا هذا الموضوع لحينه ، وعندما استقر أمره نهائيا علي هجر العالم وملذاته لم يجد بدا من مكاشفة أسرته بمكنون صدره ، اختلف وقع الخبر عليهم فالأب شعر بحزن غير يسير ، أما الأم فيبدو أن شعورا داخليا كان يخالجها بمراده وهي تراه شديد الالتصاق بالكنيسة ولم تزد عن قولها فلتكن إرادة الله ، أما أخواه فمازحاه بأنه يريد أن يجبرهما على تقبيل يده بعد أن يصبح كاهنا ، وتمنيا له أن يحقق ما يريده من اختياره لهذا الطريق ، لكن المأساة تفجرت عندما تطاير الخبر إلى ابنة العم ، وانتابها شعوراً بأن أحلام السنين تنسحق أمام عينيها ، وأنها لن ترى الحياة إلا في ثوبها الأسود فهبت تقاتل عن قلبها الذي توشك أن تفقده ، حاولت باكية مستعطفة أن تثنيه عن عزمه وأن يرحم حبها الذي لن يكون لغيره ، أحس بغصة في حلقه وشعور بذنب لا يغتفر بالرغم من براءته ، كم حاول بهروبه من أمامها أن يحجب عنها شعاع الأمل ، لكن يبدو أنها اعتبرت صمته توقيعا علي طرف الهوى ، كادت دموعها أن تستنفر دموعه لولا أنه سارع بالفرار دون أن تنبس شفتاه بكلمة واحدة يخفف بها من آلامها ، لتيقنه من أن كل كلمة قد يتفوه بها الآن قد تزيد النار اشتعالا وتفتح بابا للمناقشة التي لا يُرجى منها شيء . فضل الهروب تاركا للأيام أن تداوى هذا العطب الذي حاق بقلبها بسببه دون أن يكون له جريرة . أصرت أن تكون حاضرة أثناء مراسم سيامته راهبا، ذهبت وهي تحمل فؤادها المنكسر ، وبالرغم من الدموع التي ذرفها جميع الأهل والأصدقاء ، وهو يقف أمام رئيس الدير ولفيف من رهبانه يتلون عليه صلاة الموتى كالعادة المتبعة عند سيامة أي راهب ، فإن دموعها كان لها لون آخر وهذا ما عكر عليه صفوه عندما حانت منه التفاته إلى وجهها بالرغم من السعادة التي كانت تغمره ، صلاة الموتى كانت بالنسبة له كصلاة العرس التي تزف العريس إلى عروسه ، بل بالنسبة له أفضل فعروسه التي سيزف إليها الآن نقية وشفافة وليس بها عيوب البشر وهي اختيار قلبه ، وسيكرس لها ما بقي له من عمر ساجدا عند قدميها. انتبه من فيض أفكاره التي حلقت به بعيدا علي صوت رئيس الدير وهو ينهي صلاته معلنا أن الابن المبارك ميلاد انتهت علاقته بالعالم منذ هذه اللحظة وأن اسمه الجديد هو الأب سمعان . ودعه الأهل والأصدقاء تاركينه ليخطو أولى خطواته في طريقه الجديد الذي سار فيه بخطي كلها بركة وكأحسن ما يكون عليه الراهب من صفات جعلته يحظى بمحبة الجميع ، فتم اختياره بالرغم من صغر سنه ليكون مرشدا للشباب بأحد كنائس المهجر ، ولو تركت له حرية الاختيار لرفض الخروج إلى عالم هرب منه بمحض إرادته ، لكن طاعته فرضت عليه القبول فسافر تاركا كل شئ في صومعته التي خصصت له كما هي داعيا الله ألا تطول غيبته عنها .
——————–
وإلى اللقاء مع الحلقة التالية ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

