الرابط : القصة :
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك :
بالرغم من وصول سوسو وكريستا إلى مكان الحفل ، إلا أن سوسو كان ذهنها لا يزال أسيراً للوجه الذي لم تفارق صورته خيالها طوال الطريق ، دلفتا إلي الداخل حيث الموسيقي الصاخبة علي أشُدِها والمصابيح الكهربائية ترسل أضواءً تتراقص بكل الألوان وراقصة غربية تتوسط القاعة تتمايل علي أنغام الشرق ، وإنصافاً للحق نقول بالرغم من كونها لا تمت للشرق بصلة لكنها أبدع أداءً من الراقصات الشرقيات اللاتي أصبحن لا يعنيهن من الرقص سوي التلوي بطريقة تُبرز مواطن الإثارة فيهن ، فتحولت إلى شيء غير مستساغ لمجرد إثارة الشهوات وليس لإبراز نوع من الفنون الشرقية . فشل كل من حاول أن يحظى برقصة مع ” سوسو ” أو فاتنة الأفراح كما أُطلق عليها ، حتى محاولة دفعها للرقص منفردة كعادتها لم تجد هوى من نفسها ، حاضرة بجسدها فقط بعد أن تحرر عقلها ليسبح في مكان آخر ، مكان لم تكن تتوقع أن يعلقَ منه شيء في ذهنها أو تنطبع منه حتى مجرد صورة في خيالها ، الكنيسة بالنسبة لها ليست أكثر من مكان تذهب إليه في المناسبات للاستعراض بجمالها وأناقتها ، أما الصلاة فهي آخر شيء يمكن أن يدفعها للحضور ، هذا إن كانت تعرف من طقوسها أي شيء ، أو لمن تقدم ، ما اعتراها اليوم شيء غريب جداً ، لا ينتمي لإسلوب فكرها من قريب أو بعيد ، غرابته قد تصل إلى صورة لذئبة تحتضن حملاً صغيراً لإرضاعه ، غريب أن تنجذب إلى راهب ليس به شيء يُلفت النظر سوى تلك النظرة التي شدت انتباهها فلم تستطع أن تبعد نظرها عنه طوال العرس ، بالرغم من أنه لم يلحظ حتى وجودها ، نظرته التي كان يلقيها من وقت لآخر لم تكن تنظر إلى وجه بعينه فلا العرس ولا المدعوون كانا يشغلان تفكيره ، وحضوره لم يكن سوى للمجاملة فقط فهو لم يشارك حتى في طقوسه ، كم تاق قلبها واشتهى أن تلتقي أن ينظر نحوها حتى ولو للحظة ، وهي التي اعتادت أن تحاط بالنظرات البريئة أو غير البريئة في كل مكان تذهب إليه إو أي مجتمع تندمج معه ، ماالذي دهاها الآن ، تأمل في نظرة ترسلها عين راهب حتى ولو كانت بلا معنى أو هدف ، كل أنواع النظرات خَبرتها وعرفتها وتفهم فيها جيداً ، تجاربها في هذا الميدان لا يستهان بها بالرغم من أعوامها التي لا تتعدى العقد الثالث ، لكن إذا قيست بتجاربها مع الجنس الآخر تضاف إليها عشرات وعشرات من سنين الخبرات وليس الزمن . أُرهِق فكرها في أمر هذا الراهب وتبعثر ولم تعد بقادرة على جمع شتاته ، حاولت أن تبعده عن ذهنها ولم تستطع ، لحظات ويعود إليه ثانية بصورة أشد وأقوي مضافاً إليه كثيراً من علامات الإستفهام والتعجب ودهشة تكاد تخرج على لسانها بصوت مسموع .. لماذا ؟ ، تعمدت أن تشغل نفسها بما يدور حولها في الحفل من مناظر عجيبة وأحاديث أعجب ، تنشغل لثوان تعود بعدها لتحلق إلى نفس المكان وأمامها الراهب الذي يشع وجهه بضياء هادئ يحبب فيه كل من يراه ، حتى عندما دلفت إلى فراشها بعد هذه السهرة الطويلة التي امتدت لبعد منتصف الليل بساعتين لم تستطع إغماض جفنيها بسهولة ، يطل بوجهه وكأنه يوجه ابتسامة نحوها ، يكاد لسانها أن يحادثه فتختفي الصورة سريعاً لتعلن الوهم الذي تملكها ، انحصر فكرها في زاوية وضاق عليه المخرج فاحتبس بها . عندما استيقظت في اليوم التالي كانت قد قررت أن تخوض تجربة هي أقرب للجنون .
********
سيسيليا أو سوسو اسمان لإمرأة واحدة الأول مدون بشهادة الميلاد والثاني أطلقه عليها أصدقاؤها بالمدرسة تمييزا لها عن سيسيليا أخرى كانت تدرس معهم بنفس السنة ، اشتركت الفتاتان في نفس الاسم لكن الاشتراك في الجمال كان مستحيلا ، فقرر الزملاء أن يكون اسم سوسو لصاحبة الوجه الجميل . وُلدت سوسو من أبوين مصريين أباً عن جد ، الأب كان يسكن حي الأزبكية مع أسرته المكونة من أخ وأخت اصغر منه ، وأب يعمل موظفاً بمديرية التربية والتعليم ، استقالت الأم من عملها كموظفة بإحدى الشركات مفضلة التفرغ لشئون منزلها بعد أن جاءت الابنة الصغرى للحياة ، يعينهم على تكاليف المعيشة ما يغله البيت الذي يقطنون به والمكون من ثلاث شقق غير سكنهم ومحلين أسفل العقار، وإن كان العائد لا يعتبر بالشيء الكثير إلا انه كان يساعد بجانب ما يتقاضاه الأب من راتب شهري ، وبالإضافة إلى حكمة الأم وتدبيرها يمكن القول بأنهم كانوا يعيشون حياة لا بأس بها ، لا ترتفع إلى المراتب الموسرة ولا تهبط إلى مهاوي الفقر ، الأب لا تنقطع عن رأسه أحلام اليقظة والمنام في أن يرى ابنه البكري طبيباً ، حتى لا يقضي حياته خلف مكتب قديم في أحد دواوين الحكومة منتظراً لجنيهات لا تشبع ولا تغني عن جوع ، تدلف إلى جيبه مع بداية الشهر وسرعان ما تفر قبل أن يمضي الأسبوع الأول منه ، وعلاوة سنوية تقل بكثير عما تكلفه زيادة الأسعار عام بعد آخر . تحول الحلم إلى حقيقة بالتحاق ” فوزي ” إلى كلية الطب بعد أن حصل على الثانوية العامة بمجموع لو نقص نصف درجة لما تمكن من الفوز بمقعد داخل هذه الكلية التي أصبحت هدفاً وأمنية ، لكن يبدو أن دعوات الأب الذي قضى عمره مكافحاً من اجل أولاده لم تذهب سُدي . في أحد مدرجات كلية الطب ومع اليوم الأول للدراسة جلس ” فوزي ” مجاوراً لزميلته ” جانيت ” التي كانت تشابهه إلى حد كبير من حيث ظروفه الاجتماعية ، ولدت في حي شبرا من أب يعمل في أحد البنوك ، وشغلت الأم نفسها بشئون المنزل لأن دخل الأب من البنك كان لا بأس به ، جاء ترتيب جانيت الثاني لثلاث أخوات لم ينجب الأب غيرهن بالرغم من أُمنيته في أن يُطعمَ خلفته بالذكور ، لفظ هذه الأُمنية تماماً بعد قدوم الإبنة الثالثة وآثر السلامة ، خوفاً من أن تأتيه زوجته بأنثى رابعة وخامسة في انتظار قدوم الذكر ، كما فعلت أخت زوجته التي أنجبت سبع بنات وكأنها تعاند القدر والنصيب وفي النهاية لم تحظ بإنجاب الولد ، وتحولت إلى لوم نفسها تارة وإلقاء اللوم على زوجها تارة أخرى لتشجيعه لها على مسلسل الحمل والولادة طمعا في أن يأتي من يحمل اسمه ، عاندته الأيام وأبت أن تحقق له أمنيته وتركته يلوم نفسه ، يقلق مضجعه كثرة التفكير في زواج بناته وما يتبعه من تكاليف وتجهيزات ، وأصبحت الأم تجاهر بحسد أختها التي لم تنجب سوى ثلاث إناث . تزوجت الكبرى ووصلت الصغرى إلى نهاية المرحلة الثانوية ، أما الوسطى ” جانيت ” هي الجالسة في مدرج كلية الطب بجوار فوزي الذي كان يتحين الفرص ليرمقها بنظرة جانبية فلم يجد فيها شيئا يخطف البصر ، ملامح الوجه عادية ليست بالجميلة ولا بالدميمة ، ملبسها يركن للإحتشام كعادة بنات الأسر المحافظة ، ويبدو أنه ليس وحده الذي حركه الفضول نحو جارته بل هي أيضا لم يخلو الأمر معها من لفتة تستكشف فيها هذا الجار أو الزميل ، وأيضاً لم تجد فيه شيئأ ملفتاً للنظر ، انتهى الدرس ونظر نحوها وعلى وجهه ابتسامة تحمل بعض الخجل قائلاً:
ـ لم أر من يكتب بهذه السرعة المذهلة مع الاحتفاظ بجمال الخط .
أجابته ضاحكة :
ـ وأنا لم يقابلني من له القدرة على التلصص مثلك .
كانت هذه المزحة البريئة بداية لتعارف لم يزد عن حدود الزمالة والتعاون للحصول على افضل النتائج في الدراسة ، نشأت بينهما نوع من المنافسة القوية التي أذكت من نيران الجد والاجتهاد ، مضت سنوات الدراسة في رتابة ، يتقابلا في الكلية ويبتعدا أثناء العطلات طالت أو قصرت دون أن يطرأ على علاقتهما شيء من التغيير سوى اشتعال المنافسة من عام لآخر . في آخر عام من الدراسة تقابلا أمام اللوحة التي عُلقت عليها نتيجة السنة النهائية وقد احتلا فيها مركزاً مرموقاً ، تبادلا التهنئة ، نظر نحوها محدقاً في وجهها وكأنه يراها للمرة الأولى ، بدت فوق شفتيه ابتسامة صبي لم يشب عن الطوق ، وبدون أية مقدمات سألها كما لو كان يعرض عليها المشاركة في مشروع تجاري :
ـ هل تقبلين الزواج منى ؟
ـ ولما لا .. أجابته بنفس طريقته وحمرة الخجل تعتلي وجهها وكأنها تعلن قبولها المشاركة في مشروعه .
طرح فوزي سؤاله وكأنه يتحدث عن تفاصيل المشروع :
ـ هل كنت تفكرين في إمكانية ارتباطنا بعد الانتهاء من الدراسة؟
وأجابت جانيت وكأنها تحسب تكاليفه :
ـ مجرد توقع وخاصة أن الدراسة لم تنته بعد فالطب يختلف عن أي مجال آخر ولا تنتهي فيه الدراسة بمجرد الحصول على البكالوريوس .
ـ لكنك وافقت على الفور ولم تبدي حتى بعض التردد في قبول عرضي كما تفعل الكثيرات ، وخاصة إننا لم تربطنا العاطفة طوال سنوات الدراسة !
ـ اعتدت أن أسلك من الطرق أقصرها ، ولا أرى داعياً لأن أتعزز كما تفعل الفتيات فأنت زميل لي منذ فترة طويلة قضيناها في الجد والاجتهاد ، ولم أر على سلوكك إي غبار ولم تكن لك تلك الأعمال الصبيانية التي يلجأ إليها الطلبة مع بعض الزميلات .
ـ هل اعتبر قبولك موافقة عقلانية فقط ؟
ـ هل تضايقك الحقيقة لو كانت إجابتي بالإيجاب ؟ .. شعوري نحوك حتى الآن هو مزيج من الارتياح والتعود وإعجاب بتصميمك على التفوق ، لكن قد يتحول هذا الشعور بعد الزواج إلى شيء آخر، لم تشأ أن تقول إلى حب وكأنها لا تريد أن تقيد نفسها بأي كلمة يمكن أن يأخذها عليها بعد الزواج .
علق فوزي وكأنه يعلن عن توقعاته لنجاح المشروع .
ـ تكفيني صراحتك هذه الآن بل وأقدرها لك لأنها ستكون دُعامة لإنجاح زواجنا دون أوهام في بحور العسل ، التي يغرق فيها الكثيرون ثم تنقلب إلى صحراء مجدبة بعد عدة اشهر على الأكثر .
*****
تم زواج الدكتور فوزي من الدكتورة جانيت بعد فترة قصيرة من تخرجهما بأبسط الإمكانيات ، وبمجهودات والد فوزي الذي سهل لهما الطريق بعرضه السخي في أن يقيما معه إلى أن يتدبرا أمرهما للحصول على سكن خاص يأويهما ، بعد أن يمضيا في طريق العمل بعض الوقت لتوفير المال اللازم ، عصت الأيام والأحلام معاً ولم تحقق من تطلعاتهما حتى ولو نذراً يسيراً ، المرتب بالكاد يكفي احتياجاتهما من ملابس ومواصلات ومستلزمات دراسية مع بعض الترفيه النادر ، ولولا إقامتهما في منزل أسرته ، وتغاضي والده في معظم الأحيان عما يدفعاه لقاء طعامهما مشفقا عليهما ، لكانا قاسيا الكثير وعضا أصابع الندم علي ما ضاع من عمرهما وجهدهما في دراسة الطب ، حتى الإنجاب اتخذا قراراً بتأجيله بعض الوقت رغم معارضة الأب الذي كان في اشد الاشتياق لرؤية حفيد له ، ورغم مرور ثلاث سنوات على زواجهما قضياها بين العمل والدراسة لينال هو دبلوم الجراحة وتنال هي دبلومة في طب الأطفال ، لم تتغير أحوالهما المعيشية ولم تبدو في الأفق أي بادرة يمكن أن تحولها للأفضل ، لم تكن هناك إمكانية لإحداث هذا التغيير سواء عن طريق إنشاء عيادة مشتركة لا يملكان من تكاليفها جنيهاً واحداً ، أو العمل بإحدى المستشفيات الكبرى التي كانت قاصرة علي من يملك الواسطة ، أو سعداء الحظ الذين يرثون الوظيفة كأبناء لأساتذة في كلية الطب ، أما التفوق والنبوغ فلم يعد لهما وجود .
وإلى اللقاء مع الحلقة التالية ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

