الدراسة : راحت علينا

الرابط : اراء حرة :
طلال قديح  * الرياض :
“الدراسة ضاعت علينا”.. بعفوية وببساطة وبلا مقدمات .. وبكل براءة الطفولة المنزهة عن كل الأغراض ، انطلقت هذه الجملة على لسان طفل سوري وسط هذه الحرب الشرسة التي ابتليت بها سوريا فدفع أهلها ثمناً باهظاً من دمائهم وأرواحهم وأمنهم وأمانهم ، فتشردوا عن الوطن الغالي الذي طالما عاشوا فيه آمنين مطمئنين لا عدو لهم إلا إسرائيل .. لكن كل شيء تغير وتبدل ، فكثر الطامعون والمتآمرون وتلاقت مصالح الأعداء عند الكيد لهذا البلد العظيم صاحب التاريخ العريق.
انسابت هذه الصرخة على لسان هذا الطفل الذي اختزل بها رؤية أطفال سورية لما يشهدونه من قتل ودمار طال البشر والحجر.. حزن على فقدانه مدرسته التي اعتاد أن يذهب إليها كل صباح ليلتقي زملاءه ومعلميه حالما بمستقبل مشرق وضاء.. ظل يداعب مخيلته ويملك عليه كل أحاسيسه..يتطلع هو وزملاؤه إلى إنهاء دراستهم ليسلكوا درب الآباء في التخرج والظفر بوظيفة تتفق وميولهم فتحقق لهم حياة هانئة مستقرة خالية من المنغصات.
اختزل هذا الطفل أحلام أطفال سوريا بل أطفال العرب جميعاً ، ومن هنا كان لهذه الجملة وقعها الخاص على كل من سمعها عبر وسائل الإعلام التى رددتها كثيراً. من حق أطفال سوريا أن يعيشوا في سعادة وسلام بعيدا عن هذه المعارك التي حرمت الكثيرين منهم حنان الآباء والأمهات الذين قضوا خلال هذه الحرب المدمرة.
لكم الله يا أطفال سوريا الحبيبة..قلوبنا معكم وندعو الله أن يحفظ بلاد الشام وأهلها لتظل واحة أمن وسلام كما كانت على مر الزمان..لا شك أنكم تعتبون على أمتكم العربية ، وهذا من حقكم عليها، وتعلقون عليها آمالا كبارا أن تهرع لنجدتكم وتمد طوق النجاة لكم وسط هذا الهيجان العاصف الذي يزداد يوما بعد يوم..!!
لا عذر لنا نحن العرب أن نقف متفرجين لا مبالين، نكتفي بعد الضحايا والشجب والاستنكار وهي عادة أدمناها واستثمرها أعداؤنا لصالحهم وخدمة أغراضهم الخبيثة.. ألا تحرككم صرخات الثكالى ، وبكاء الأمهات ،واستغاثات الأطفال ..؟!
إن المؤامرة على سوريا لا تستهدفها فقط بل هي حلقة أوسع لتشمل العرب جميعاً..فالعدو واحد وإن تلوّن بألف لون أو ظهر بألف وجه!!..
إن كثرة الأطراف المتصارعة على أرض الشام ، وكلٌ له أجندته وله مآربه ينبئ بما لا تحمد عقباه ، وينذر بشر مستطير، يتعدى الحدود ويتخطى السدود.. فانتبهوا يا عرب، وأفيقوا قبل أن تندموا، ولات ساعة مندم..!! وأجدني هنا أردد قول نصر بن سيار:
أرى خلل الرماد وميض جمر   ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تُذكى       وإن الحرب أولها الكلام .
لا تتركوا الشام وحيداً، وتكتفوا بالفرجة على ما يقاسيه ! ألا تحرككم صور هذا الدمار الذي طال دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية وحلب سيف الدولة..؟
سوريا أمانة في أعناقنا جميعاً، وبغيرها لن تقوم لنا قائمة..هكذا علمنا التاريخ ،هي دائما بوابة السلام وبوابة الحرب ، على أرضها تتحطم الغزوات ويندحرالغزاة .. فلنتق الله ولنتوحّد لإيجاد مخرج لهذه الأزمة المدمرة قبل أن تخرج الأمور عن حد السيطرة، فيغتنم الفرصة كل من له أطماع في سوريا الحبيبة فيعيث فساداً وإفساداً.
أطفال سوريا يتطلعون بشوق بالغ للعودة إلى مدارسهم فيمرحون ويلعبون ويطلبون العلم ويمارسون حياتهم بحرية وبراءة كبقية أقرانهم في كل بلاد الدنيا. حفظهم الله ووقاهم كل مكروه، وأسعدهم بأهلهم ووطنهم الغالي.ً
•كاتب ومفكر فلسطيني