الرابط : اراء حرة :
بقلم : كاتب لم يذكر اسمه :
لكن لبنان مبتلىً بالفتن. وزعران لبنان (كزعران العرب جميعا من المحيط إلى الخليج) جاهزون للعمل كأعواد ثقاب لإشعال فتيل الفتنة كلما طلبها طالب. وكل شيء بثمنه طبعاً. وطلاب الفتنة كُثرٌ منذ استُهدف الوطن العربي بإقامة الدولة الصهيونية في خاصرته.
أطلت الفتنة برأسها في لبنان في هذين اليومين بعد اغتيال العميد الأمني وسام الحسن. خسرته جماعة 14 آذار قطعا، فحزنوا على أنفسهم قبل أن يحزنوا عليه. بُعيد الحادث، هبّ إلى المكان سمير جعجع وحاول اصطناع حزن لم يطاوعه كثيراً، لأن عقله كان مشغولا بكيفية الاستفادة من دم “صديقه الحبيب” الذي “استشهد” للتو. أما فؤاد السنيورة، ذلك البكّاء العظيم، فقد ألقى عند دفن الحسن خطاباً تأبينيا تهدّج فيه صوته حتى كاد يبكي. لكن الخطاب الخالي من فصاحة قس بن ساعدة لم يلفت نظري بقدر ما لفته هياج الجماهير التي من المفروض أنها تنصت للخطاب، لكن مهمتها كانت الصراخ لأجل الصراخ، خاصة حين تسمع شيئاً من قبيل اسم “الرئيس الشهيد رفيق الحريري”، أو من قبيل تحميل سوريا وزر اغتيال الحسن. فاقتنعتُ بقول المنفلوطي، “الشعب شعب في كل عصر والعامة عامة في كل مصر”. ذلك أنني ذات زيارة إلى لبنان قبل بضع سنين، سمعت خطاباً متلفزاً لسعد الحريري، كانت الجماهير (وكلها أولاد زعران) همها الصراخ لا الاستماع للخطاب. (أظنهم كانوا محقين. فالخطاب لا أراكم الله مكروها في حياتكم!) بعد عودتي إلى عمّان كتبت “دردشة” حول مشاهدتي يومئذٍ، وتذكّرتها اليوم لأن السنين تمضي ولا يتغيّر البشر. فاسمحوا لي أن أنبش عنها من تحت أوراقي التي لا تفتأ زوجتي تخفيها حفاظاً على نظافة البيت. قلت يومئذٍ:
مرجعيتنا القومية والوطنية:
أظنني منذ نعومة أظفاري خلقني الله قوميا عربياً متعصباً لعروبتي. لذلك، فإنني منذ أسبوع أو يزيد فرحتُ أن وجدت لنفسي مثلا أعلى في الحياة ومرجعية وطنية وقومية! والقصة أنني وزوجتي ذهبنا لزيارة ابن عم لي متزوج من امرأة فاضلة من قرية القرعون، في منطقة البقاع في لبنان. لم تكن هذه رحلتنا الأولى إلى تلك البقعة الجميلة المطلة على بحيرة القرعون، والتي يزيدها جمالا حفاوة أهل القرية بضيوفهم. لكن هذه الرحلة تميزت بأنْ كانت قُبيل الانتخابات النيابية في لبنان. فشاهدنا الإعلاناتِ الانتخابيةَ المنتشرةَ في كل مكان وطئته أقدامنا وعجلات سيارتنا. من هذه الإعلانات صورة ضخمة للشيخ – الذي لا أعرف من شيّخه – سعد الحريري، وتحت صورته عبارة “مرجعيتنا القومية والوطنية”! وبما أنني قومي عربي متعصب، كما قلت، فقد خطر ببالي، وقد عزّت المرجعيات، أن أجعل منه مرجعية لي ومثالا به أحتذي! لكنّ المشكلة أنني أصلا أرى في هذا الغلام ولدا عييا لا يصلح لا للنطق ولا للفعل، وأن من سخرية القدر أن يكون عنده هذا الكم الهائل من المال الذي ورثه عن أبيه الذي كسبه بطريقة ما من مملكة آل سعود النفطية. ولعلّ من سياق طبائع النفس البشرية أنّ يطلب السلطانَ من اكتفى من جمع المال. ورفيق الحريري – رحمه الله – نال من المال ما كفاه وزاد، أي أنه أصبح يأكل بدل منقوشة الزعتر منقوشتين، وقد شوهد في “السيتي كافيه” يتحلى على قرطوسين اثنين من البوظة (يعني الآيس كريم، لا البوظة المصرية)، وقد تزوّج بدل المرأة اثنتين، قيل إنه طلّق الأولى، أمَّ سعد وبهاء، ليتزوجها صاحبه فهد، رحم الله الاثنين. وهكذا، بعد أن حظي من كل شيء باثنين – كسفينة نوح عليه السلام – أخذ يتطلع إلى السلطان، منفقاً ماله في سبيله. على أنه، من حيث الشخصية، لم يكن سيئا ولم يكن غيره من ساسة لبنان بأحسن منه. بل إن صديقنا هاني الهندي (أحد مؤسسي حركة القوميين العرب – رحمها الله وإيانا!) روى لنا أن رفيق الحريري كان في مطلع شبابه منتميا للحركة. وكان مكلفا يومها بتهريب جريد ة الحرية، الناطقة باسم الحركة، إلى سورية، لأن سلطاتها كانت تحظر دخولها بالتي هي أحسن. وحين جاءته فرصة العمل في السعودية، وكان فقيرا جدا، ولا عيب في ذلك طبعا، رفض د. وديع حداد، وكان، رحمه الله، حادّ الطبع، أن يسمح لرفيق بالسفر إلى السعودية، حيث لا نضال ولا “حرية”. فكان أن تدخل أخونا أبو محمود (هاني الهندي) شفقة على حاله. وهكذا سافر إلى السعودية. أما بقية القصة فكما تعلمون. لم يكن الحريري الأب ذلك العبقري، كما يحلو للمستفيدين من ماله أن يصفوه. ولكنه لم يكن سيئا، خاصة في بلد العجائب، لبنان! أما أن يرثه في السياسة هذا الولد الغرُّ العييّ الذي لا يعرف أن يُركِّبَ جملة مفيدة، وقريباً سيصبح رئيس وزراء لبنان، فسخرية ما بعدها سخرية. التقيت ذات يوم برجل كنت أحترمه أيام الجامعة، ففوجئت بأنه يعمل مستشارا لدى الحريري، وهو الذي كان يُحاضر علينا في النادي الثقافي العربي في بيروت بمبادئ الماركسية! لا بأس. أكلُ العيش، كما يقول إخواننا في مصر! لكن البلية في لبنان أن سعد الحريري (أو من يسميه صديقنا د. كمال الطويل، “الميني حريري”!) يكاد يكون اشترى بماله – ولحساب السعودية طبعا – الطائفة السنية في لبنان ونصّب نفسه شيخاً عليها. ذات يوم – بعد خسارة سليم الحص في الانتخابات النيابية أمام قائمة الحريري – حضرتْ إحدى محاضراتنا في المنتدى العربي في عمّان صحفية لبنانية. ولا أدري ما الذي فتح حديثا بيني وبينها، وكان أن قلت لها: إن سقوط سليم الحصّ في الانتخابات أمام رفيق الحريري مهزلة العصر! عندها أخذت هذه الصحفية “تنطُّ وتزطّ”، أي تقفز وتولول كأن حية لدغتها! لكن المال سلطان، كما قالت العرب. والمال يُكبّرُ الصغيرَ ويُصغّر الكبير. أطرف ما سمعتُ في زيارتي القصيرة للبنان خطبةٌ لـ”الميني حريري” يقف فيها أمام حشد ضخم من المريدين الجاهزين للهتاف والتصفيق لسبب أو لغير سبب. وهو، بالمناسبة، يخطب باللغة العامية البليغة (يخزي العين!) فلو سمعه سيبويه لمزّق كتبه ثم انتحر. ولعلّ أبا العلاء كان يقصده في قوله: وعيَّر قساً بالفهاهةِ باقلُ! ما علينا ! المهمّ أن ذلك الحريريّ، في خطبته العصماء التي قد يُعلقها له آل سعود من أبناء فهد على جدران الكعبة، قال لا فُضَّ فوه: “كانوا بدهم ياخدوا إريتم (يعني قريطم – مكان قصر أبيه في راس بيروت)، بس طلع لهم واحد اسمه سعد!” انتهى الاقتباس! (حين كنا صغارا، كنا نخاف إن مشينا في أزقة الليل أن يطلع علينا الغول أو العامورة – أظنها امرأة الغول – فلم يكن سعد قد ولد بعد!) أما جماهيرُ الفتى سعد التي كادت تُجنُّ لهذه البلاغة، فصفقت وهتفت ساعة كاملة، وسعد يبتسم ابتسامة أبي حمزة الشاري في خطبته العصماء: “شباب والله مكتهلون في شبابهم …!” ذكّرني حشد الهتافين والمصفقين بحكاية رواها الرواة الأقدمون عن رجل في الحجّ كان يحيط به جمع غفير من الناس وتبدو عليه مظاهر السؤدد. وإذ لفت نظر الخليفة الأموي، عبد الملك بن مروان، سأل عنه فقيل له: هذا فلانٌ بن فلان، إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم، لا يدرون فيم غضب!
روى الأصمعي عن سيدنا أرخميدس أنه قال يوم اكتشف آلة المُخْل: أعطوني مكانا أقف فيه لأحرّك لكم الأرض! وروى ابن مالك عن بعض صعاليك العرب قوله: أعطوني مال آل سعود لأخرجَ لكم مفاسد الأرض من جحورها وأنثرها على الكون. والله أعلم!






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

