ذهاب (الجعل) الى بيته (2)


الرابط : القصة :
فرج ياسين – العراق :
دارت فناجين القهوة المرة على القوم ، ونهض رجلان ، التقط أحدهما ، إبريقا من تلك الأباريق التي أحضرت في فترة ذهابي إلى الخلاء ، ووضعت على مقربة من الموقد ثم تحدث عدد من منهم عن الصلاة التي فات موعدها ، كانت مجمرة الموقد تزداد شحوبا . وتألق ضوء الفانوس الموضوع على مبعدة من الكوخ وكأن وضعه هناك كان مُـعَـدّاً لكي يضيء مكاناً آخر ، ربما كانت هناك حلقة أخرى معقودة وراء الكوخ . ثمة أمهات صغيرات . يرقدن على أفخاذهن أطفالهن الرضع ويدرن حديثا متصلا عن الحضري الذي طرق قريتهم هذا المساء . أحسست مع احتسائي عددا من فناجين القهوة بدغدغة حريفة شملت كل سطوح حلقي . فمددت يدي والتقطت لفافة ، أشعلها الرجل الجالس إلى جانبي ، قائلا أن التدخين يخلي الرأس من المشاغل . كان حماد وعدد من الرجال قد دأبوا على مغادرة المكان ثم العودة إليه . وفي المرة الأخيرة طلب حماد من صبيين الذهاب لمساعدة الشيخ عفتان على المجيء وهمس في أذني : إنه الشيخ عفتان مريط الطرفة . أكبر أبناء القبيلة سنا ، قيل أنه فر من الجيش التركي في السفربرلك . ثم ألقي القبض عليه واقتيد إلى الحرب مجددا ، قاتل المسقوف مع الأتراك لكنه اسر وبقي هناك بعد انتهت الحرب ، ثم عرف طريق العودة إلى القرية أخيرا ، قلت له : هل قلت إن لقبه الطرفة ؟ فأجاب الرجل : نعم ذلك هو اسم جد أبيه .
كانت لصديقه العجوز باقر الأميري سقيفة مشيدة من أغصان الأشجار ، في إحدى زوايا حديقته المترامية الأطراف ، كان يسميها زاوية الروح . يوصي كل عام عددا من معارفه بأن يزوده بحمولة شاحنة من أغصان الغرب والسوس ، لكي يعاد إكساء السطح والجدران التي تضطر إلى نزع أوراقها تحت وطأة الهياج القاسي لدوامات الصيف ، فضلا عن الجفاف والمطر ، وما كان سيليق بالرجل العجوز استضافة الدكتور خليل في الأبهاء المترفة والحجرات المؤثثة بالأرائك الخارجة لتوها من بين أيدي صناع متحذلقين ، بالوقت الذي كان الحديث سيدور بينهما عن الشواطئ والجروف ، والجزر الصغيرة التي تغير أشكالها كل عام في عرض التيار . وعلى الرغم من أن الأستاذ باقر الأميري ، ينتمي إلى واحدة من قرى الجنوب ، إلا أنه دأب على الاعتراض في كل مرة ، بأن خليل الطرفاوي ـ الذي لا يمتلك أي دليل على موطن جده الأول ـ عليه أن يبدأ البحث متخذا من شمال بغداد . بما لا يقل عن مائة وخمسين كيلو مترا . منطلقا لخطوته الأولى . ومع أنه لم يكن يعدم وسيلة لمناقشة الأمر من زوايا أخرى ، فإن دليله شبه الوحيد ، كان يتصل بالاسم فقط . إذ ظل يعتقد إن لقب الطرفاوي سيليق قبل قرن ونصف ، برجل ينتمي إلى واحدة من قرى الشمال الأدنى ولعله أقنع الدكتور خليل بذلك ، لمجرد الربط بين اسم الطرفاوي ونبات الطرفاء المنتشر في تلك الأنحاء ، إضافة إلى أن والده كان قد وجد نفسه يسكن في منزل جده الكبير ، ذي الحجرات العشر على شاطئ دجلة ، إلى الجنوب قليلا من الكاظمية ، عند حاشية بغداد العليا في أواسط الأربعينات . وفي زاوية الروح هذه ، تم التعارف بين الرجلين ، يوم حصل الدكتور خليل على عنوان الأستاذ الأميري من زميله في القسم فؤاد العطار من أجل التعرف على ذلك الرجل الذي كتب بحس متقدم أبحاثا كثيرة في منهج التاريخ وعلم الاجتماع ، ونشرها في دورية عربية أكاديمية متخصصة وقد أعجب الدكتور خليل بطريقة الأميري في طرح الدرس التاريخي الأنثروبولوجي ، فضلا عن طريقة طرح الدرس الحضاري . كان الدكتور خليل قد أصبح أحد محرري تلك الدورية وبعد أكثر من لقاء مقتصد أيقن بأنه قد تعرف على أحد أعمدة الفكر المطمورين . ومرت سنتان منذ أن وجد في اللجوء إلى زاوية الروح تخلصا مهذبا من ذكرى جنازة أحلامه وصار ينزع ورقة أثر أخرى من غصن الآمال . وقد أوشك أن يلحق به اليباس . بيد أنه أفلح في الجمع بين باقر الأميري وفؤاد العطار الذي كان يذكرهم دائما بأن التحام ثلاثة أجيال في بوتقة لا يعني أبدا أن درس التاريخ ما زال بخير . لكن الدكتور خليل أحال الجلسات الطويلة إلى مساحات شائكة للبحث عن اسم جده الأعلى ، الذي قد ينزلق إلى تسميات أخرى قريبة إلى الصورة الموروثة في ذهنه. وكذلك البحث عن بقعة من الأرض . كانت نصال جده قد رشتها بدماء أعدائه .
جيء بوسائد كثيرة أخرى . تم قذفها بإهمال بين الرجال ، الذين تقاسموا وضعها بينهم وقد أصبت واحدة منها ، حشرتها بين ظهري وجدار الكوخ ، مع أنني كنت أحتفظ بواحدة أريح عليها منكبي بين حين وآخر ، مقلدا الآخرين وزفت نسمة خفيفة مشبعة برائحة الشاطئ ، شممت فيها عشرات الروائح . التي تنسمتها أيام الرحلة الثمانية غير أنها الآن مختلطة بأبخرة أقنان الدجاج ودخان السكائر ، وروث المواشي . وفي إحدى الخرائط التي نسجتها النجوم في صفحة السماء الحالكة ، قرأت طالعي . إنه مكتوب في خيط المصابيح المعلقة مثل شبكة الصياد ، وأتاحت لحاستي في الإصغاء التقاط  نباح كلاب الفتية الرعاة ، وديك الغروب وصوت مضخة الماء كأنني أسمعها للتو . وبغتة اختفت أوجه الرجال المحيطين بي في مديات بصري القريبة . وغشيت مخيلتي صور الأشجار . لقد استرعى انتباهي عدم مصادفتي شجرة واحدة في نصف الساعة الأخيرة قبل وصولي إلى هذه القرية ثم عدت في الطريق الذي سلكته مسبل الجفنين راجعا خطوة بحثا عن ظل شجرة . هناك صادفني صبي أكد لي ، أن الطريق سالكة إلى قرى أخرى تقع على مبعدة في الشمال ، ولولا ذلك لما جرؤت على السير كل هذه المسافة وحيدا إلا من شبح جبل يعلوه السراب ، يلوح طيفه في الأفق الممتد ، مثل ثلاثين بعيرا تخب هونا لا تظهر منها إلا أسنمتها , وعلا نواح طائر مر خطفا في الفضاء الواطئ فوق الكوخ . وما كان ليعيدني من جولة البحث عن الأشجار في الطريق إلا نهوض الرجال وشخوصهم إلى جهة قريبة . كان الفتيان اللذان بعثهما حماد قد عادا ، وهما يحتضنان منكبي رجل عجوز من الجانبين ، ويحجلان به في خطوات ضيقة أشبه بزحف سلحفاة . ورأس الرجل يترامى على كتفيهما , منسدلا فوق لحيته الطويلة البيضاء . أجلسوه في مكان متوسط بينهم . كان يضع يشماغاً دون عقال ، في حين لم تكن دشداشته البيضاء الفضفاضة ـ وهي تسربل جسده الضئيل المتهالك ـ إلا لتصلح كفنا ، لكنها نظيفة جدا كأن ثلاثاً من النساء عملن على إحكام إلباسها له قبل مجيئه . ففكرت : كم كان سيبدو متسقا مع كل شيء هنا لو أنه حضر من دون كفنه ! .
سمعت حماداً يذكر له أن بينهم ضيفا ، وأنه استدعي لمشاركة الضيف عشاءه . كان حماد يهشم ألفاظه ، يمعن في ليِّها وإطالتها منتظرا أن تستمر الحروف في إنتاج صداها ، ريثما تستقر منجمة في مسامع الشيخ البطيئة الاستجابة . أخيرا راحت عيناه تبحثان عني ، فظننت أنه سوف يتعرف عليّ ، يفتح ذراعيه ليقول لي : تعال يا بني ، أين تراك رحلت كل هذه الدهور ، بعيدا عن الأهل والعشيرة ؟ لكن الشيخ عفتان دار ببصره ، وعاد أدراجه إلى النقطة التي بدأ منها ، ثم لوى رقبته وأطبق شفتيه زافرا أنّة ًمسموعة بأنفه . بعد قليل أجاب بأنه لم ير أحداً .
أحضر برع القهوة ، وساعده في ارتشافها ، ثم صب له مزيدا منها حتى مََـدَّ يداً مرتعشة مشيرا أن كفى ، وسمع أصواتا تحوقل وتسبح وتكبر ، لكن الرجل الذي يجلس إلى جواري هتف بصوت مرتفع : إنه هنا ، أنا هراط البريش . فأجاب الشيخ بصوت واهن ، كأنه ينتزع من جوفه بأزميل : أخ يا هراط ، لو أنني استطيع الرؤية كما الماضي ! حيا الله الضيف . فرددت ـ وقد أخذت تترامى أمامي صورة الأستاذ باقر الأميري بعد عشرين عاما ـ وعليك السلام يا عم . ثم ملت على أذن هراط هامسا : أأستطيع أن أوجه بعض الأسئلة إلى الشيخ . أجاب هراط : نعم . قلت : هل كان له عم ؟ فأجاب : أجل ، إنه جدي . لكنني استدركت قائلا : أكان له عم خرج من القرية تحت أي ظرف ولم يعد أبدا ؟ فنهض هراط وجثا بين يدي الشيخ وصاح في أذنه : أكان لك عم خرج من القرية ولم يعد أبدا ؟ انتظر الجميع ، يرين عليهم صمت ثقيل قبل أن يطلب الشيخ التأكيد : هل قلت عم ؟ قال هراط : نعم , أكنت أنت وجدي وحدكما أبناء خلوف الطرفة ؟ أجاب الشيخ : نعم ، وحدنا !
كان والده يقتاده تحت سقيفة سوق السراي ، ذاهبين إلى ( ثانوية التفيض ) في اليوم الثاني لتسجيله في الصف الأول المتوسط ، حين لفت نظره إلى سرج حصان . رآه معلقا بين عدد من الحقائب والسيور وظروف المسدسات والبنادق الجلدية قائلا : أنه كان سيليق بنا أن نتخذ حصانا لكنه في ذلك المساء انفرد بفتاه في حديقة المنزل المطلة على دجلة وحدثه بأمر ما كان سيشرع فيه لولا مشاهدته إصبعا رمادية نحيفة تشف من تحت الجلد الناصع البياض . فوق شفته العليا لقد فكر بغمامة تستجمع دكنتها منتظرة هطولها . من دون أن يكون ذلك تحت مباركة ملائكة الحب والرحمة . قال له ـ وليس أمامهما سوى منضدة واطئة ـ إنك بالكاد تعرف اسم جدك الأول . وهذا بحد ذاته يعد عارا . ولكن ليس الآن إنما بعد سنين . فأجاب الفتى بإطراقة ثقيلة وكان ذلك يعد من مقبلات التهذيب العالي في ذلك الزمان . فأضاف الأب : لكنك منذ ستة أعوام دأبت على تذييل اسمك واسم أبيك بلقب الطرفاوي ، وقد حان الآن أن تعرف من كان ذلك الرجل ؟ سمح الفتى لنفسه أن ينسى أمام أبيه هامسا : لكم شاقني أن أسأل شيئا من ذلك ؟ فأجاب الرجل : لا عليك كل شيء في أوانه . وبقدر الغموض الذي يحيط بأصلك البعيد ، فإنني سأؤكد لك . بأن لجدك مزايا وأخلاق وتهور أمير ولكن بنكهة أقرب ما تكون إلى النكهة البدوية المعجونة بلعاب ثور تركي ، بحيث أنني لم أشك لحظة واحدة , عندما كان أبي يحدثني عن أجدادنا كما حدثه والده : إنما آباؤك كانوا ينتمون إلى قبيلة كل همها الغزو وانتزاع الفرص من القبائل الأخرى ، التي تجاورها . صحيح أنني رأيت أبي يجلس في ديوان الوالي التركي مرتين ، ويتاجر مثلي بالحبوب . لكنني لا أعرف ما الذي أوصله إلى ذلك ، لأنه لم يقل لي شيئا ، لقد حكى لي قصة جده الطرفاوي ، عندما اكتشف بعد سن البلوغ المتأخر بأنني لا أجد حولي من ادعوه بعمي لأن أبي كان وحيد أبيه كما أنت . وكنت محاطا بأبناء أخوالي مما جعلني أشعر كل يوم . أن ثمة حلقة منتزعة . ليس من حياتي اليومية بل من ضميري نفسه . ولم يخف ذلك على أبي . إذ كان يردد أمامي دائما لا سيما بعد أن ينظر إلي من زاوية منحرفة قليلا في نطاق العلاقات العادية مع أبناء أخوالي , ولعله كان يفكر بأن شخصيتي سوف تمحى غدا أو بعد غد ، ولا أسمى بعد ذلك ـ أي بعد موته ـ إلا ابنا لأخوالي . أن يردد على مسامعي كلمة أبيه التي حفظها على ظهر قلب : أسمع يا ولد : إن كان لك خال يستحق التقدير فلا تسمه خالي بل سمه عمي . ذلك لكي يقال أنك ابن أبيك !
تذكر الصبي أمه التي ترقد عليلة في الداخل متأثرة بمضاعفات حسكة السمك المنغرزة في حنجرتها ، منذ طفولته . ثم استحضر كل علاقته بأخواله ولم يفكر وقتها بأن أباه كان يحاول إبلاغه رسالة جده إليه , ولم يحاول وزن ثقل حياته سوى ضمن حديث أبيه أم خارجه من دون علاقته هو بأخواله .
حكى له قصة جده : لقد سمي بالطرفاوي لأنه غزا مرة بقومه فتبعه أولئك الذين شن الغارة على ديارهم سالبا كل مواشيهم ثم لوى عنان جواده . وقاد قومه في معركة هائلة جرت على أرض تنمو فيها شجيرات الطرفاء حتى تبلغ هامة الرجل . وما أن تكشف الفجر حتى كان جده يمتطي صهوة جواده محاطا بأكثر جماعته الذين احتفظوا بأرواحهم الباسلة ؛ ليلقوا نظرة أخيرة على الميدان المصطبغ بالدم . وغادرت نباتات الطرفاء خضرتها إلى الأبد . وقد أصبحت حمراء تقطر أغصانها دما في ضوء الفجر . قيل أن تلك البقعة من الأرض ما زالت تحتفظ بآثار قوائم جواد جده المتحجرة المحفورة بالدم في تنويعات رمزية , تكاد تروي تاريخ المعركة وتفصيلاتها , وقد تحولت الأرض منذ ذلك اليوم إلى لوح رخام كبير ، لا تأوي إليها إلا الغربان والشياهين والحبارى ، للقيلولة من دون ظل .
لكن أحدا لم يشر إلى أنه رأى تلك الأرض أو وطأها . إنها كانت ترنيمة الجميع وما كان سيحلو لأحد العيش قبل أن يعجن دمه وعرقه بهذه القصة . ولما كنت ستعيش مثلي من غير أن يكون لك عم ، فيتعين عليك الاحتفاظ بهذه القصة ، لأنها كساء الحلم وقبعته وبها وحدها ، سوف ترتدي أسئلة الروح ، أجابتها الطازجة المستمرة في المستقبل .
دارت أسراب البعوض ، منقضة حول ضياء الفانوس , متسربة فرادى فوق رؤوس الجالسين , في رفيف طنان يشبه مروق نسر في فضاء منخفض . لم يبد أحدٌ أية حركة تنم عن تحاشي لدغاتها ، لكنني جعلت أمد يدي مستحيياً إلى جبيني أو إلى ذقني , أفعل ذلك ببطء شديد موحيا بأني لم أكن أتعمد إبعاد البعوضة أو اقتناصها ، غير أنني تلمست مرة عنقي فهجست دحرجة جسم لزج تحت أناملي .
أحسست بانسحاقها وانفجار نتنها ، وهو يحلق طائفا حول منخري الحساسين . خيل إلي أن الرجال إنما كانوا ينتظرون صامتين نتائج تجربتي مع البعوض ، ثم مع الحشرات الأخرى ، مما جعل أحاسيسي تتجه تلك اللحظة إلى استطلاع من نوع مختلف . ربما كان سيحصل مع ظل جسدي المتبقي على حصيرة في زاوية الروح . مع باقر الأميري وفؤاد العطار ، اللذين يجلسان الآن متقابلين على الحصران ، وقد كفا لتوهما عن رسم خارطة خرافية لم تدر بخلد أي جغرافي في العالم . رسما فوقها بهباء سيكارة الأستاذ ، وثفال القهوة المنسكب بينهما ، أسماء القرى والجروف والأحراج والحقول التي مررت بها .
ولاح جُـعَـلٌ من أقصى الجلسة ، خارجا من حافة منطقة الضوء ، خلف الفانوس ، مستعرضا بخيلاء ملك كرته السوداء ، هازا أعطافه من دون توقف ونابذا آثار أقدامه في ضوضاء العتمة ، ذاهبا على الرغم من الجميع إلى بيته !
في جولة فاشلة ، حاول هراط إثارة الشيخ ، جارا إياه للتحدث عن أيامه الخوالي ، لكنه أجاب إجابات مفككة ، أفضت إلى نقاش طويل ـ استغرق زمنا ـ عن العشائر والأفخاذ المنتشرة في المنطقة ، وعن الوشائج ، التي تربط بينها . تعرفتُ على أسماء أمراء وسلاطين وشيوخ . لم أكن قد سمعت بأسمائهم ، مستنيما إلى الإصغاء بذهن تنقدح في أطوائه ، بين آونة وأخرى قصة جدي الطرفاوي . بيد أنني لم أصغ إلا إلى نتف متفرقة . تأخذ طابع المفاخرة . إذ استقل ذلك المنحى بهامة الحديث وسنامه ، جعل الرجال يذكرون أجدادهم بطريقة تصورهم وكأنهم أنصاف آلهة ، بأعمالهم الخارقة وأسمائهم العجيبة العصية على النطق ، مسبغين عليهم أقصى ما يأتي للرجال من مآثر تتلى كالآيات في أفواههم . أخذوا يتذكرون قصائد وأخبار الشيوخ العظماء من شمّـر وعنزة والرولة والصايح وطئ وتميم وغيرها ، ويقرؤون قصائد في المفاخرة والغزو والعشق : لسعدون العواجي ، والشريف عون وعبد الكريم الجربة ، وراكان بن حثلين ، ثم عبد الله الفاضل المقتول في طيف ثريا ، وهو يلوح في شآبيب المطر المنسكب .
لاحت سيارتي مرسومة بين أجساد الصبية المتكئين عليها ، بدشاديشهم المخططة القصيرة . كدت أفتقد لونها الأبيض لولا أن تذكرت دخان الموقد وشحوب الظل ، وعلوق الأتربة والسناج في زجاج النظارة ، التي لم أبادر إلى مسح زجاجها منذ وصولي في الغسق .
أخذت أرى وجوه الرجال ، إلى درجة جعلت عواطفي نحوهم تفيض بِبِرْكـَة ٍمن الصفاء الزجاجي المقزز . ماذا لو أردت قياس حاجتي إلى مشاركتهم الآن بكمية فضولي العابر ، وليس بأحكام شهوتي المتأججة ؟ إذا لكان مختلفا تماما ، ففي هذه الحالة ليس ثمة هم ولا انتظار . إن الجندب لا يضطر إلى الالتفات إلى الخلف لكي يرى سعة الخطوة التي قطعها بقفزته ؛ وجعل جسدي يتعرق تحت قميص البيجاما ، وقد أضر بركبتي ووركي جلوسي متربعا أو متكئا مما لم أعتد عليه قبل اليوم .
تدخل زوجته بقهوة الساعة التاسعة ، وقد أتمت استحضاراتها الليلية المبالغ بها ، لسهرة ما كانت ستتم كما يبغيان إلا مرة كل أسبوعين . في تلك اللحظة يكون قد تخلص من قميص البيجاما منذ فترة . نَـحَّـى أكثر تقاليده رسمية . وخلص إلى قراءة صحف اليوم أو الأيام السابقة ، تلك القصاصات المكدسة على طرف المكتب ، التي لا تمس بالضرورة موضوع تاريخ العصور الحديثة في أوربا بل كل ما له علاقة بالفروع القريبة من تخصصه ، كتاريخ الشعوب الأخرى وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وفروع من الأدب كالشعر . وبضربة من كفه ينحي كل تلك القصاصات والجرائد جانبا ثم ينصرف لطلعتها العنقاء ، التي اشتهاها من دون مقدمات على ظهر سفينة مبحرة ذات يوم . ثم يبدأ باقتصاص من انفلات عواطفه المبكرة شيئا فشيئا ، كان يثأر من رجولته الخانعة ؛ وما تمر ساعة قبل أن يؤول الثفال في قعر الكأس إلى كثيب له هشاشة الإسفنج تتلامح في خطوطه أهوال مستقبل محكوم بالفشل ثم ينتهي بهما الأمر كل في مكانه الحقيقي . الذي كان له قبل مهزلة الدعوة الفاشلة .
تلتقط هي دفاتر الإملاء أو رزم أوراق الامتحانات ، وتبدأ في العمل ملوثة أظافرها المدهونة وفستانها المتخير منذ ما قبل الغروب . ماحية من دون رحمة لون شفاهها وخدودها الزهري ومضيعة وسط حركات وانفعالات صغيرة لباقة جسدها بإشارته المنمقة . فضلا عن إهراقها لرائحة جسدها الاصطناعي في أبخرة عرقها المتخثر . تحت تأثير نسيانها مرات متكررة ، إنها إنما تجلس في مكان مبرد بشكل طبيعي . وحيث يكون قد انتقل إلى واحدة من مشاغله المقررة في الجدول اليومي ـ كأن لم يكن في الأمر أي استثناء ـ إذ يخف نصف عار إلى أحد الأدراج ، يتناول كتابا ثم يعود ليلقي بساقيه فوق منضدة الكتابة مغيبا نصفه الأسفل في مقعده ، فلا تلوح منه إلا قدماه ، منتصبتان فوق المنضدة مثل أذني أرنب يراقب من مخبأه مكانا محفوفا بالخطر ! وسوف يبقى هذا هو وضع تهويمته الأولى . إلا أنه بعد استيقاظه في الساعة الحادية عشرة والنصف على هسيس خروج زوجته سوف يذهب إلى الحمام . ويعود لإلقاء نظرة وحيدة على مادة السهرة في التلفزيون وقبل أن يجلس لمشاهدة شيء يدلف إلى حجرة النوم . فيلقي نظرة أخيرة على جثتها المتناومة . إذ تتاح له ـ بعيني بركة حبها الذي لم يتغير أبدا ـ رؤية الحراب منغرزة في عريها المرائي .
أحضر أحد الصبية حزمة مربوطة من أغصان الطرفاء ، ذي الأوراق الدقيقة المتقاربة ، بدأ يكنس المكان بين الرجال ، في حين طاف برع بإبريق الماء . فأخذ الرجال يمدون أطراف أصابعهم ويسرحون شواربهم ولحاهم بأناملهم المبتلة . نابذين عباءاتهم والوسائد التي كانوا يرتفقونها خلف ظهورهم . لاحظت لأول مرة وجود المسدسات بأغلفتها السود معلقة في جنوبهم ، ثم سحقت آخر السكائر على الأرض عند حافة الفراش . وخطا هراط بركبتيه خطوتين ، فأصبح يقابل تماما الشيخ عفتان ، صاح في أذنه ، إن كان سيأكل مع الجماعة . لكن الشيخ اكتفى بهز لحيته ثم التفت وقال لي : هل تشعر بالراحة في مكانك ؟
انفلت أربعة من الفتية دفعة واحدة داخلين ، كفكف الرجال لهم أكتافهم مفسحين مكانا أرحب ، فوضعوا أربعة من الجفان في أماكنها ، لا يفصل جفنة عن أخرى سوى متر واحد ، وجاء حماد خلفهم بكثيب من الخبز يحمله على يسراه بينما حمل آخرون آنية مملوءة لبنا . لا بد أن الجميع كانوا يقفون وراء الكوخ بانتظار لحظة انقضاضتهم المسرحية ! ثم وقف الرجال جميعا عدا الشيخ عفتان , وألفيتني أقف محاصرا بين رجال كالرماح . وما شعرت برعب الضيافة كما شعرت به تلك اللحظة ، ثم جلسوا وهم يتهامسون قال لي رجل جلس قبالتي : كـُـلْ . مـُدَّ يدك وسم باسم الله الرحمن الرحيم . وتلَّ هراط عضدي ، وأخذت أصغي إلى صوت البسملة الجماعية . ثم هوت كفي ، جزرت نصف رغيف بدا حارا وهشا بين أصابعي ، غمست قطعة في الفاهقة بالمرق واللحم ، متخلصا من إحراج اللقمة الأولى ، وتذكرت علب الأطعمة المحفوظة في صندوق الفلين الخالي من الثلج ، منذ أربعة أيام ، حين لم تؤد الدروب المعقدة التي سلكتها إلى أية مدينة كبيرة من تلك المدن التي يمكن لي فيها الحصول على الثلج . وفطنت إلى أنني لم أكن لأتعشى إلا قطعة من الجبن مع قليل من الخبز أو العصير فعلت ذلك مرات عديدة ، وأنا أقاسي لدغات البق ومضايقات الحرمس على شواطئ دجلة الحصوية القريبة من القرى وقد هدني التعب ، حيث اضطررت للنوم تحت أضواء النجوم ثلاثَ ليالٍ هي أبلغ ما في تجربتي حقا ليس لأنني عانيت وحيداً مخاطرَ محتملة كانت ستلم بي أو بسيارتي بل لأنني نجحت أمام إغراء تلك المخاوف ، التي تزين لي اللجوء إلى أحد البيوت المنفردة ومكابدة ذلك النوع من الضيافة الثقيلة الذي ينقص كثيرا من بريق مشروع الخروج ، فقد دأبت على أن أظل صامتا متحاشيا ذكر حقيقة خروجي ، منتظرا بقلق سماع كل جديد مما لم أسمعه أبدا ، وإن ألفاظا مثل الطرفة والطرفي والطرفان كانت تذكر أمامي ، إلا أنني لسبب ما بقيت أعتقد أنها لا بد أن تكون فاقدة أي صلة باسم جدي لخلوها من ذلك الرنين الخرافي المخبوء مثل جنين عصي على الولادة ، تماما كما سمعت قصة الطرفاء المصطبغة بالدم في ذلك اليوم البعيد .
قالت : يجب أن نختار أسماء مهذبة لأجدادنا . ودوت ضحكتها التي عمرها كل لحظات زواجهما ثم استبد بها العجب بعد ذلك بأيام ، لأنها ألقت القبض على ورقة هاربة . كادت تنجو من تحت باب حجرة المكتب كان قد سجل عليها احد عشر احتمالا لاسم جده الثالث مكتوبة بخط طفل يحاول تعلم الكتابة ، مما أكد لها بأنه كتبها في الظلام . وما كان منها إلا أن قدمتها له على الصينية في موعد قهوة الساعة التاسعة ناظرة بواحدة من زجاجات نظارة المطالعة إلى انفعالاته الغارقة في الخجل وهو يفتح الأوجه الأربعة للورقة بعناية بالغة . وفي اليوم التالي وفي غرفة الأساتذة . قال له فؤاد العطار بأنه يحترم هذا النوع من السخرية مع أنه ما كان يتمنى أن يكون الدكتور خليل هدفا لها .
وتذكر قولته لها ذات يوم : ألم يكن هو وليس أنا من كان يجب أن يتم لقاؤك به على ظهر تلك السفينة ، حين كان ذلك القدر البحري النزق يرسم لنا مصيرنا المشترك ؟ فأجابت من دون حرج : كنت سأكره جسده البالغ الطول مثل زرافة ، وملامحه التي لا تريد مغادرة سن الثامنة عشرة ، فضلا عن طريقته الاستعراضية في التحدي .
لكنه أعاد قائلا : إنه وسيم كما ينبغي لرجل . فقالت : أعرف ذلك ولو قدر لي مغادرة صفاتي مرة واحدة . فأصبحت أية أنثى محتملة لآمنت بما تقول .
ـ ولكنكما متفقان !
ـ حدست بأنك سوف تقول ذلك ذات يوم على الرغم من أنني أحذرك من إهمال طبيعة فؤاد العقلانية ، وأنت تنظر إلي بمنظارك الذي شاهد صورتي عبر عدسته أول مرة .
جربت قطعة من اللحم ، سحقتها بين أصابعي ، ثم وضعتها في فمي زاما شفتي . لكنني شممت رائحتها فتهوعت أمعائي ، وأنا أتذوق طعم العصارة الراغية اللزجة في حلقي وبعينين مغمضتين أدنيت صحن اللبن وغمست لقمة أثر لقمة مطيلا المضغ ومحاذرا عيون الرجال المتلصصة مع أن كلا منهم استمر في تدبر معركته الخاصة على المائدة . وفي غفلة من كل شيء رنوت إلى الصبية من جديد . إنهم أكثر عددا من أي وقت مضى . لا بد أنهم أتوا من أقصى بيوت القرية بغية الإصابة من لحم الذبيحة ومرقها ، ينتظرون متحلقين حول السيارة نافدي الصبر . استشرفت مشهدا ، كنت سأراه عند استيقاظي ، صبيحة الغد . السيارة الجديدة البيضاء وقد تحولت إلى قن دجاج ، أبوابها مفتوحة والصبية ينامون على المقاعد فيما ينط الدجاج لاهيا فوق المساند ، ملوثا وجوه الصبية الغافين على المقاعد بذروقه ، أما الأطفال دون سن الثالثة فإن أمهاتهم وأخواتهم الكبيرات ، يحملونهم ويضعونهم فوق المقدمة وعلى السقف وعلى المؤخرة ، وهم يلوحون بأكفهم يصفقون مفتونين هم وأمهاتهم بهذه اللعبة النادرة بينما تحاول الجراء رفع قوائمها الدقيقة ، فوق العتبات البلاستيكية في محاولة لدخول مملكة السر ، ملوثة ببولها ولعابها أطراف البسط المطاطية .
كانت السيارة في المرآب خرجت لتوها من حمامها الأسبوعي والماء يقطر من الواقيات المطاطية خلف العجلات . حين ألقت بنظارتها على الطاولة وأزاحت الأوراق التي كانت تقوم بتصحيحها ثم طعنت بسبابتها موضع الغمازة في خدها الأيمن . كانا يجلسان في حديقة المنزل ، بعد الغروب . تضوع حولهما روائح الورود المختلفة الألوان الموضوعة في أصص تتوزع على حروف سواق قصيرة مستقيمة نظيفة تتهدل فوقها الأغصان , وكادت صورة ثوبها الأخضر المفتوح الصدر تعلو ألق تهويمته .
قالت له : عيناك مخضبتان بالدموع !
وكان يظن أنه في نجوة من عينيها ، حين بكى لمجرد تذكره بقعة شمس بين أشجار عملاقة يبلها الندى ، على حافة بحيرة ، في مكان ما من هذا العالم .
تعمدت إطالة عراكي مع المائدة ، لكن شهيتي بقيت في أدنى وضع لها بعد لقمتين من الخبز المغموس باللبن ، راقبت الشيخ عفتان ، وهو يكور الثريد في جمع كفه ، ويمضغ بفم أدرد ملوثا لحيته . لم يكن يقابله على الجفنة سوى هراط وحماد اللذين جعلا يمزقان الأرغفة ، ويحيلانها إلى قطع بحجم راحة الكف ، ثم يقربانها منه ، فينقض عليها من دون عناء . وما لبث أن رفع يمناه ، طرح مرفقه على فخذه . وتدلت كفه أمام ركبته وهي تقطر مرقا ، تجشأ وسرح لحيته بكفه الأخرى ، فيما خف أحد الصبية بإناء مفلطح ذي غطاء مثقب وضعت فوق غطائه قطعة من الصابون يتبعه فتى يحمل إبريقا ، جثيا أمام الشيخ بعد أن نحى هراط الجفنة قليلا وأخذا يساعدانه في غسل يديه وفمه ، رفع كل الرجال أيديهم ، فقربا المغسلة مني . ثم أخذا يقفزان بها إلى الآخرين ، الذين ما إن انتهوا إلا وأخرج بعضهم أكياس التبغ ، في حين أرَّثَ الآخرون سكائرهم منتظرين مرور برع بفناجين القهوة من جديد .
أبدى أحد الرجال ملاحظة حول صفيحتي البنزين فقلت إنني سوف أحتاجهما من أجل العودة . وأراد الرجل معرفة عدد الأيام التي سأمضيها بينهم فأجبت : إنني لن أمكث لأكثر من ضحى الغد . وفي أحد الاستطرادات المنفعلة شرحت لهم حاجتي إلى التعرف على مكان ، ذكرت أنه موجود في الكتب التي قرأتها ، فأجابوا أن بوسعهم مساعدتي على الطبيعة بيد أنني أكدت حاجتي إلى المعرفة الشفهية الآن . سألت عن بقعة متحجرة من نبات الطرفاء ، تصطبغ تحت أشعة الشمس بحمرة الدم ، لكن الرجال أطرقوا ثم تذاكروا قليلا قائلين أنهم لم يروا مثل هذا الشيء لا في ديارهم ولا في الأماكن الأخرى المجاورة ، فتراجعت نيتي في طرح السؤال الآخر . لأن الشيخ عفتان أوضح صراحة بأن الطرفة اسم رجل وليس لقبا لكي يقال أن الأيام قد حورت الطرفاوي إلى الطرفة فضلا عن الافتراض الصاعق الذي ينص على أن الطرفاوي كان جد قبيلة ذات تاريخ وليس مجرد بطل مشهود له في القبيلة .
قال له الأستاذ باقر الأميري : إنك لن تعود من رحلة بحثك صفر اليدين وإذا لم توفق في العثور على جدك الحقيقي ، فإنك سوف تعثر على جد آخر ، جد ذهبي الجد الذي اخترعته ذاكرتك المتقدة . قالت زوجته : صحيح ، ابحث عنه تحت جلدك ، في أسدية المخاوف التي تحدق بك ، لأنه غير موجود على أرض الواقع ، حتى لو حشدت له كل أقنية وعيك ، ومنطقية أحلامك . لأن ذلك السياق البراق من الاحتمالات لن يقود إلا إلى الظمأ . قال فؤاد العطار : إن التاريخ وضع لأجدادك صراطا كحد السيف . وقال لهم اعبروا غير أنهم كانوا يتساقطون كلهم عدا واحدا منهم ، ظل يحمل بذرته شاقا طريقه عبر حقول الأمراض ، والخوف وجور قوانين الانتخاب الطبيعي ، ثم حييت أنت في آخر السلسلة . وكانا قد ذهبا قبل خروجه بيومين لشراء بعض الغيارات من الملابس الداخلية ، إذ أرعبه منظر الدكتور خليل . وهو يتصبب عرقا في ظهيرة آب بغدادية . لقد قلب كل البضاعة المكدسة في عربة عند مدخل شارع النهر ، قبل أن يقتنع بقطعة واحدة . كان يحاور البائع بمنطق من لا يريد شراءاً ، فقال فؤاد له : إنك لا تريد الشراء ! وغدا إذا طلع عليك جدك الطرفاوي بلحمه ودمه من حرج الطرفاء المتحجر ، وناداك قائلا : أقبل يا بني ؟ فإنك سوف تسلم رجليك للريح .
شربوا الشاي ، ومصلى عدد منهم العشاء متأخرين قرابة الساعتين عن الأذان . تململ الشيخ عفتان في مكانه حتى اقتنع بأن وجهته أصبحت إلى الجنوب تماما . ولم تخطيء نيته الصافية مسار الخط الوهمي المقدس الذي كان على كلماته الهامسة أن تطير فوقه راحلة إلى بيت الله الحرام . كنت قد عدت لتوي من الكوخ ، بعد أن أحضرت منديلا من حقيبتي متوقفا أمام القميص والسروال المعلقين على الجدار يتهدلان ويلتفان وقد جعلت منهما عتمة الداخل السابغة الغارقة في نقيع نتن ، طيف قمامة معلقة ، ثم صرفت نظري إلى صورة الفتى فاستقبل وجهي لفح نظرته السوداء الحزينة من دون أن أرى شيئا وأنا أفكر بقلب معتصر في المكان الذي سوف يعدونه لنومي . وجدت أن المكان الذي أقتعده الآن بينهم يصلح أن يكون المهجع المثالي مشترطا لنفسي مقدما بقاء الفانوس إلى جواري ـ في الأقل ـ لكي استمتع برؤية الجُعَل وهو يخطر أمامي متباهيا بكرة الروث التي تكلف من أجل إعدادها الكثير وهو يدحرجها ذاهبا بها إلى بيته .