الرابط : فن وثقافة :
طلال قديح *- الرياض :
بينما كنت أتنقل بين محطات التلفاز ، توقفت أمام مشهد عرس مصري قديم في أحد الأفلام القديمة..شدني المنظر كثيراً وحملني إلى الماضي حين كنت طفلاً أشاهد وأحضر الأعراس في قرى عبسان الكبيرة و خزاعة وبني سهيلا وعبسان الصغيرة في قطاع غزة بفلسطين..كان الناس كلهم يشاركون في الأعراس ، صغيرهم وكبيرهم رجالهم ونساؤهم.. يعيشون معا فرحة غامرة لا تستثني أحداً.. ما أجمل تلك الأيام ! وما أسعد الناس بها ! كانوا أسرة واحدة توحدهم وتجمعهم الأفراح والأتراح.
في الليل وقبل العرس بمدة قد تطول وقد تقصر ، يعقد السامر يصطف فيه الرجال صفين متقابلين لكل منهما منشد يتباريان شعراً يلهب الحماس ويثير النخوة والحمية بتعداد المناقب والمآثر والمكارم والمفاخر.. ويمتد السامر إلى ساعات الفجر الأولى فينصرف المشاركون إلى بيوتهم فرحين سعداء قريري الأعين ليناموا هانئين قبل أن يستهلوا نهارا مليئا بالجد والعمل..
كنا نتابع الكبار ونسهر معهم لنستمتع بهذا المهرجان الرائع الذي قد يمتد شهوراً ..وهذه وسيلة الترفيه الوحيدة آنذاك..! وكنا أحرص على ألا تفوتنا أبدا..! ونتبع الكبار حيثما ذهبوا وقد تمتد المسافة أميالاً دون أن نشعر بتعب..لأن الموسم ينتظره الكل بشوق ولهفة..
وفي يوم العرس المحدد ” نهار الجلوة ، وليلة الدخلة ” تحضّر العروس وتزيّن وتمضي النساء النهار في الغناء والزغاريد وقد لبسن أبهى الحلل وأفخر الثياب وقد كانت تعد قبل زمن طويل لأنها تخاط يدويا وقد تشترك القريبات في الحياكة والتطريز راضيات سعيدات لأنها عادة متوارثة أخذنها عن الأمهات والجدات.
بينما ينشغل أهل العريس في إعداد وليمة العرس الكبرى التي يدعى إليه الأقرباء والأصدقاء ووجوه القوم والمعارف وما أكثرهم.. إذ كان يوجه إخوة العريس وأبناء عمومته إلى الذهاب ليدعوا الناس شفاهة إذ لم تكن رقاع الدعوة قد عرفت بعد…ويلتقي المدعوون في جو أخوي بهيج يتناولون الطعام والحلوى ويباركون للعريس ويدعون له بالرفاء والبنين والسعادة الدائمة.
ثم يزفّ العريس وسط الأغاني والأهازيج وتعقد حلقات الدبكة التي يتنافس فيها الرجال في إظهار مواهبهم حتى عرفت أسماء منهم واشتهرت لتصبح من أعلام الدبكة الفلسطينية الشهيرة.
أما العروس فقد كانت تجلس في هودج مزين على ظهر جمل مطهم بكل أنواع الزينة.. ويسير في المقدمة مجموعة من الرجال الفرسان يمتطون الخيول المطهمة يحملون الرايات والسيوف ويهزجون الأهازيج ومنها:
شدّولي ع الهودج ياللّا وانا مشتاق لحبيبي والله
،ويمضي موكب العروس حتى تصل لبيت العريس فتستقبل أجمل استقبال ويرحب بها ويدعو لهما الجميع بالسعادة والهناء.
كان العرس بالأمس غير مكلف مادياً ..وكانت نفوس الناس راضية مطمئنة قنوعة..أما الآن فحدث ولا حرج اختلف الأمر كلياً.. وأصبح العرس مكلفا مما لا يتحمل نفقاته الكثيرون مما سبب آثارا سلبية طالت الشباب فزادت العنوسة وما تسببه من مشكلات كثيرة تهدد المجتمع.
أصبحت حفلات العرس الآن تقام في قاعات مخصصة تؤجر بمبالغ طائلة وتوزع بطاقات الدعوة التي غدت مجالا يتنافس فيه العرسان.. ويدعى لها علية القوم والمصورون وربما وسائل الإعلام لتأخذ حظها من الشهرة والصيت..كما يشارك في إحياء العرس المطربون والمطربات لتكتمل الصورة..
تعقدت الأمور في كل شيء وليست الأعراس بدعا منها بل نالها النصيب الأوفر وأصبح الشباب يشكون ويئنون تحت وطأة المستجدات القاصمة للظهر أحياناً ، فيضطر البعض للاستدانة ليجاري موضة العصر..!! فيبدأ حياته مثقلا بالديون التي تؤرقه وتقض مضجعه.
ازدادت تكاليف الحياة زيادة غير متوقعة بفعل جنون الأسعار المتغيرة بين لحظة وأخرى ويذهب ضحيتها المستهلك المسكين الذي يتعامل معها مضطرا لا راضياً. ومكره أخاك لا بطل..!!
كان الله في عون الشباب ، وسدد خطاهم ، وحفظهم ذخراً ليضطلعوا بالمسؤوليات الملقاة على عواتقهم ، وما أكثرها..!!
•كاتب ومفكر فلسطيني






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

