تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا

الرابط : اراء حرة :

إدوارد فيلبس جرجس : نيويورك :
الثقافة ليست مجرد عرض ممتع أو رواية مسلية وإنما الثقافة شرط أول للحياة الإنسانية . وبها تحدد الشعوب موقعها على الخريطة البشرية ، وعليها يعتمد أسلوب التعامل بين الشعوب وبعضها ، فأين موقع شعبنا من هذه الثقافة .أَنظر للهجرة المصرية التي أصبحت كثيفة فلا أشعر بالطمأنينة علي مصير المهاجرين ومصير أبنائهم . لأن الهجرة تتم بشروط تضع المهاجرين المصريين في ظروف صعبة . في البلاد العربية أو في أكثرها يعامل المهاجرون المصريون ، كما يعامل الخدم, لأنهم محرومون من الثقافة الوطنية التي يدافعون بها عن أنفسهم, وفي البلاد الأوروبية يعجزون عن الاندماج لأنهم محرومون من الثقافة الإنسانية الحديثة التي تجمع بين البشر علي اختلاف اصولهم, ولأنهم بالعكس مزودون بثقافة تغري بالعزلة والانغلاق, وتثير فيهم الشعور بأنهم معرضون لأن يفقدوا تقاليدهم وعقائدهم, ويضيعوا في غربة لا ساحل لها ولارجعة منها ، بل إنهم يعانون هذه الغربة في وطنهم الذي يعيشون فيه حياة ناقصة بسبب الثقافة التي تجعلهم يكرهون ماضيهم المجيد كأنه لم يكن إلا جاهلية كالجاهلية التي سبقت الإسلام في جزيرة العرب, في الوقت الذي تعلمهم هذه الثقافة أن يعتزوا بتاريخ هيمن عليه الغزاة والطغاة! إنك تقرأ الآن ما يكتب وتسمع ما يقال فلا تجد إلا شتائم مقذعة تكال للفرعون وتتحدث عن طغيانه. وأنا لا أقول بالطبع إن الفراعنة أقاموا نظماً ديمقراطية لكني أقول أنا وعلماء الدنيا جميعا إنهم أقاموا حضارة شامخة انتصر فيها الخير علي الشر, والطمي علي الرمل, والوادي علي الصحراء .لاشك في أن المسيحية والإسلام كانا اضافة لنا ولغيرنا. لكننا أضفنا نحن أيضا للمسيحية والإسلام ،آباء الكنيسة المصرية بلوروا عقائد المسيحية في عهدها الأول, وعلماء الأزهر حفظوا للإسلام علومه, وجددوا فكره في العصور الماضية, وفي عصر النهضة الذي ظهرت فيه أجيال جديدة من المثقفين والسياسيين الذين صالحوا بين الإيمان والعقل, وبين الدين والوطن, وبين مصر القديمة ومصر الحديثة, وبين ثقافة الغرب وثقافة الإسلام حتي كانت هذه الردة الحضارية الشاملة التي تسبب فيها الاستعمار الصهيوني من ناحية , والانقلاب العسكري من ناحية أخري, واستخدمتها النظم الرجعية, وغذتها أموال النفط فوصلنا إلي هذه الأوضاع المتردية التي ثرنا عليها ولم نخرج منها حتي الآن . لقد أقام الصهيونيون مستعمرتهم في فلسطين علي اسطورة أرض الميعاد التوراتية فبرروا للإخوان المسلمين دعوتهم لتطبيق الشريعة واحياء الخلافة, واستفزوا الضباط المغامرين وشجعوهم علي القيام بانقلابهم الذي هدم أسس النهضة, وقضي علي النظام الديمقراطي الوليد, واضطهد المثقفين الاحرار, وقاد البلاد إلي سلسلة من الهزائم أفقدتنا ثقتنا في المستقبل, فلم يبق أمامنا إلا أن نهرول في طريق العودة إلي الماضي أملا في دخول الجنة التي وعد بها الإخوان والسلفيون من أعطوهم أصواتهم في الانتخابات , وتلك هي ثقافتنا الآن . كيف إذن نحقق الشعارات النبيلة التي رفعها ثوار يناير في ميدان التحرير, وضحوا من أجلها بدمائهم الزكية وكتلوا حولها ملايين المصريين وأسقطوا حكومة الفساد والطغيان؟ كيف نبني الديمقراطية ونحن نظن أن الديمقراطية انتخابات وأصوات تباع وتشتري؟ وكيف نمتلك علوم العصر وقد اصبحت جامعاتنا كتاتيب مفتوحة للمشعوذين الذين يريدون أن يعالجونا ببول الإبل؟ وكيف تكون الدولة مدنية ومرجعيتها دينية؟ وكيف تزدهر الثقافة والقانون المصري يسمح بحبس الفن والفنانين والكتاب والمبدعين ؟ ولماذا غاب سؤال الثقافة عما يدور وما يقال وما يناقش في مصر الآن ؟!! ———–
edwardgirges@yahoo.com