الرابط : اراء حرة :
محمد علي القايدي – تونس :
من الأهمية بمكان استعراض بعض الاحداث التاريخية الهامة والتعقيب عليها خاصة بعد أن عاشت بلادنا على وقع ثورة غير مكتملة الفصول لم نحسن استثمارها والتي قادها المهمّشون والمضطهدون والعاطلون والتي كان من بين أهدافها الاطاحة برأس النظام , وهذا ما تمّ فعلا يوم 14 جانفي 2011 , تلاه حلّ التجمع أي الحزب الحاكم بأمر قضائي ومنع أتباعه من ممارسة أي نشاط سياسي مستقبلي دون تحديد المدة التي لا يمكن أن تقل في نظر الكثيرين عن خمس سنوات. وكذلك تطهير جميع المؤسسات الحكوميّة والمرافق العموميّة وخاصة الاعلام وجهاز الأمن والقضاء من رموز الفساد ومحاسبتهم على ما اقترفوه من جرائم في حق البلاد والعباد .
قبل مجيء الطاغية وعلى اثر انقلاب أبيض وأثناء فترة حكمه كنّا عانينا من الظلم والطغيان والقهر وفساد وسطوة الحاشية وتجلّى ذلك في خنق الحريات بأنواعها و التضييق على كل النشاطات السياسية المناهضة للنظام الذي عرف بالغلظة والتشدّد والجبروت , مما ولّد تصحّرا فكريّا وثقافيّا وحضاريّا عمق الهوّة بين الحاكم والمحكوم .
بعيد الاستقلال أوّل عمل قام به “بورقيبة ” الذي لقي دعما وتأييدا فرنسيّا غير مسبوق تمثّل في خلع الباي , ووضعه في سجن انفرادي إلى حين موته . ثم بدأ بتنفيذ اصلاحات جوهرية لقبت آنذاك بالثورية مست أهم وأخطر قطاع ألا وهو قطاع التربية و التعليم بعد اغلاقه لجامع الزيتونة وتدريس مادة التربية الدينيّة بما يتلاءم حسب اعتقاده وروح العصر في المدارس الحكومية . ووضع برامج تعليميّة متطورة في الظاهر أخذت بأسباب الحضارة الغربيّة والتقدم العلمي دون مراعاة عاداتنا ومعتقداتنا وتقاليدنا أي هويّة مجتمعنا . نعم مشينا على خطى الغرب وقلدناه في سلوكه وطريقة عيشه ظنّا منّا أننا سنحقق نهضة علميّة وصناعيّة ونلتحق بمصاف الدول المتقدمة . ورغم إمكانياتنا المتواضعة قطعنا خطوات في بناء وفتح مدارس لتعليم الصغار والكبار بهدف رفع الجهل ومقاومة الأميّة والنهوض بالبلاد .
ولبناء الدولة العصرية الحديثة قام “الزعيم” بتوحيد القضاء وأدخل العديد من القوانين و التشريعات الوضعية المستمدة من ” قانون نابليون ” التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع وخاصة الحياة الأسريّة وتجلّى ذلك في انشاء مجلّة الاحوال الشخصيّة التي أكدت على حرّية المرأة ومنعت تعدد الزوجات ,الشيء الذي انعكس سلبا على سلوكنا وغير من طبائعنا وأساليب التواصل فيما بيننا وكذلك طريقة تفكيرنا والتخاطب فيما بيننا , فضعفت بذلك العلاقات الأسريّة وفسدت , وازدادت توتّرا واحتقانا مما أضر بنسيجنا الاجتماعيّ ككل , إذ نلاحظ تفاقم ظاهرة التطاول وعدم احترامنا لبعضنا البعض نتيجة فساد أخلاقنا . إلى جانب استفحال ظاهرة العقوق وكثرة الطلاق وتأخر سنّ الزواج للجنسين . مع الاشارة إلى أن الإعلام المسموع والمكتوب والمرئي لم يقم بتوعية المجتمع شيبا وشبابا وتربيتهم تربية صحيحة وذلك بغرس روح المواطنة فيهم وتنشئتهم على محبة واحترام الغير وحثهم على تحسين سلوكهم اقتداء بتعاليم ديننا الحنيف الذي غيب وجففت منابعه فدروس التربية الدينيّة أضحت عديمة الجدوى بعد أن افرغت من محتواها أمّا المساجد فضرب عليها طوق ورقابة صارمة واقتصرت خطب الجمعة على تعليم قواعد الصلاة أو الصوم والزكاة والحيض والنفاس وتختتم بالدعاء بطول العمر للقائد الهمام الذي لم يجد بمثله أيّ زمان .
نعم اعلامنا المتخلف لعب دورا تهميشيّا تغريبيّا مدمّرا للعقول والأفكار فإذاعاتنا لا تسوّق إلا للتفاهات وفضائياتنا لا تغطي إلاّ حفلات الرقص والمجون ولا تعرض إلا الأفلام والمسلسلات الهابطة ولا تحكي إلا عن انجازات الحاكم وتمجد بطولاته وتبرز مآثره وتعدد انجازاته وتصفها بالخوارق التي ترقى إلى حدّ المعجزات وهذه الخصال تعود لذكائه و لفطنته ودهائه وحنكته وتمرّسه في حكم البلاد وقيادة العباد . أي أنّ الإعلام كان طرفا فاعلا في توجيه الرأي العام والاصطفاف إلى جانب بورقيبة طوال حكمه إلى أن انقلب عليه بطل التغيير الذي اتبع سياسة سلفه وحكم البلاد بالحديد والنار إلى أن طفح الكيل ولم يعد الشعب يتحمل ظلمه وقسوته فخرج إلى الشوارع متظاهرا منتفضا غير آبه أو خائف من أصوات الرصاص الحي المدوّي ولا من القنابل المسيلة للدموع مقرا العزم على كنس النظام مهما كانت التضحيات إلى أن فرّ المخلوع وانبلج فجر عهد جديد .وعوض أن نحافظ على بريق وزخم ثورتنا بالابتعاد عن التصرفات التي تسيء لها ولبلادنا , بل إن شعبنا مع الأسف ( شيبا وشبابا مثقفين وغير مثقفين …) لم يقدّر طبيعة المرحلة الدقيقة والحساسة التي يمر بها مجتمعنا ونسي ما قاسيناه من ظلم واستبداد وقهر ومحسوبيّة فاندفعت فئات قليلة وفي أماكن كثيرة , غير مسؤولة وينقصها التأطير مطالبة بالمستحيل مستعملة طرقا غير حضارية اتسمت بالعنف مرفوضة ومستهجنة من العامة لكونها تضرّ باقتصاد البلاد وتهدّد السّلم الاجتماعي : كالاعتصامات وقطع الطرق وإحراق المصانع ونهبها وإشعال النيران في الغابات وتهديد أمن المواطنين , مما أضرّ بسمعة البلاد في ظل أزمة اقتصادية خانقة وميزانية خاوية أفرغها وعبث بها اللصوص والمهرّبين , في حين أن بلدنا وفي أيامنا هذه بالذّات في حاجة ماسة لتكاتف أبنائها وتآزرهم , ونسيان انتماءاتهم السياسيّة وارتباطاتهم الايديولوجيّة وتعليق أو إرجاء مطالبهم الاجتماعيّة والتفكير في أنجع الطرق وأيسر السّبل الموصلة ببلادنا إلى برّ الأمان . أمّا المؤسف حقّا أن معارضتنا لم تكن في يوم ما في مستوى المسؤولية الملقاة بعاتقهم ولا ترقى إلى طموحات الجماهير. أمّا الحكومات السابقة أو الحالية التي تداولت على السلطة والمتسمة أعمالها بالارتجاليّة , كانت تنقصها الخبرة والحزم والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة بل تظهر في أغلب الأحيان مرتبكة ومترددة ومتلكئة وغير قادرة على تفادي الأخطاء القاتلة والمحسوبة عليها ولو كانت على حسن نيّة ففي السياسة لا يؤاخذ الحزب أو المرء على نواياه بل يحاسب ويؤاخذ على أفعاله وأعماله إن عمل صالحا فله وإن أساء فعليها .
————–
الأستاذ : محمد علي القايدي تونس .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

