فن وثقافة …..
قلم : راويه وادي
أتيتُ إليهما يملؤني الشوقُ بقدرِما يوجعني احساسي بالذنبِ، و قد احتملتُ غيابهم عن عيني السنين، ظننت أن رؤياهم، و تقبيلَ يديهما سيخففُ من شعوري بالعقوقِ، و احساسي العميق بنكرانِ فضلهما عليَّ بعد كلِ هذه السنين .. و لكن زيارتي لوالديَّ بعد غيابِ سنين لم تشفِ من قلبي جراحهُ، و لم يتخفف من احساسي بأني لم أنصفهما الحقَ يوماً.
رحلتي الى غزة كان لها نصيبٌ من الحلاوةِ كما لها نصيبٌ من المشقةِ، فبعد غيابٍ لعشرةِ سنواتٍ … ذهبتُ أبحثُ عن قلبي الذي ضلت بوصلته الطريقَ في مهمةِ البحثِ عن الذاتِ و السعادةِ في غربةٍ كانت قدراً قد كتبَ لي…. طفت فيها بقاعِ الله الواسعةِ. عدت الي غزة و كأني تلكَ الطفلةُ الصغيرةُ التي لا زالت تعلقُ بضفائرها رائحةُ زهرِ الليمونِ، عدت الصبية التي لا زالت أصابعها محانةٍ بخضرةِ أوراق الزعترِ، و زيلِ ثوبها يجرُ بقايا الصفرِ من زهرِ البابونج وعطره المنثور في الحقولِ. عدتُ أبحث في عينيَّ أبي عن مزارعِ البرتقالِ و الزيتونِ التي طالما قلمنا أشجارها، و عدلنا مسارَ جداولِ مياهها. أقبلتُ اليه أقبلُ يديهِ الطاهرتين، وقد ضمرتا …. و برز العظمُ منها … و هما اللتين طالما كانتا في ذاكرتي يدا بطلِ الأبطالِ، و قد سكنني الإيمانُ و لا زالَ أن ما يستطيع أبي … و ما استطاع أن يصنعهُ … لا ينجزهُ سوى أقوى الرجالِ و أعظمهم. عدتُ لأستعيدَ روحي في عينيه، و أدركُ أن الذكرياتَ التي كانت تدور في حواراتنا كأنها الأمسُ القريبِ .. كانت كالنجومِ التي عادت أخيراً الى دروبها و انتظمت في مداراتِ أفلاكها بعدَ طول تيه و ضياع، ذكرياتٌ أسعدتنا و أبكتنا، و لكنها أحاطتنا بكثيرٍ من الحبِ و الأملِ الذي كنت أفتقدهُ لسنين .. لقد كنت أفتقدك يا أبي كثيراً كثيرا.
عدتُ الى حضنِ أمي لأدركَ أني كنتُ قد تركتُ قلبي معها، و أنَّي لم أستعدْ نبضي …. إلا … و أنا في حضنها. بكيتُ و ضحكتُ و نمتُ و صحيتُ، و أحسستُ في لحظةٍ … أني أملكُ الكونَ بما فيه، و لا ينازعني في سعادتي أيُّ شيء. لم يعد للزمنِ من عمرٍ أحصيهِ، لم أعرفْ الفرقَ بين …. لحظةٍ أو يومٍ أو وقتٍ ……. عمرٌ لا أستطيعُ تقديرَ قيمتهِ … بقياسِ الزمنِ الذي كنتُ أعرفه. عدتُ لأصححَ كلَ ما تعلمتهُ من حقائقٍ حولَ العلمِ و التاريخِ و الحب.
عدتُ الى غزة … الي وطني … الى فلسطين الى حضنِ أبي و أمي، تعلمت معنى آخر للجاذبية و عرفت معنى التوازن … فالأرض التي أقف عليها أصلبُ طولي، و تحفظُ توازني و تشدُ ظهري، ليست إلا حضنُ أبي،و رأيت بقلبِ المحبِ الصادقِ …. أن الشمسَ التي تشرقُ في السماءِ و تنزلُ الى الأرضِ من عليائها لتشرقَ كل صباحٍ هي وجهُ أمي، و أن الكونَ…. و إن رحبَ لا يقارنُ بسعةِ حضنها الحنون، و لا يوازي أي علمٍ و لا مالٍ ما يمنحني اياه رضاها. عدت لأعلنَ للكونِ أني بدون رضا أبي و أمي ….. أنِّي جاهلٌ و أمِّي، و أن حبهما لا يوازيه في الدنيا حب، و أن امتلكت منها الغالي و الصعب، أني و إن عدتُ اليهما بعد طولِ الغياب … فلم أجد منهما لومٌ و لا عتاب.
ما قللَ من شوقي اليهما رحلتي التي دامت لأيامٍ … بل زادَ اليهما الحنين، و تعلقَ القلبُ بهما أكثر و أكثر . أصحو كلَ يومٍ أسافرُ بقلبي أبحثُ عنهما في كلِ زاوية …. لأدرك أن الرحلةَ لم تكن لغزة بل كانت الى قلبي حيث يسكنون، و أن قلبي بحبهما دائماٌ سيبقى مرهون . ليتَ اللسانَ يفصحُ عن ما هو في القلب من شجونٍ، وعن ما به من شوقٍ مكنون، و إني لأظنهُ إن قُدرَ له الكلامُ … لقالَ لكم: اذهبوا حيث أباؤكم يسكنون، و أدركوا من رضاهم … مراهمَ لجراحكم، و بركةً لأعماركم و طيباً لعيشكم. و قولوا لهم: سامحونا على التقصير.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

