الشاي المصري والصيني على مشارف القصر الصيفي في بكين – بقلم د ٍ. وجيه الجوهري

فن وثقافة …..
بقلم: دكتور/ وجيه الجوهري – مصر …..
بينما كنت أتجول في العاصمة الصينية بكين وبعد وجبه دسمة من البط البكيني الشهير زاد إشتياقي لكوب من الشاي المصري المفعم بأوراق النعناع ومكعبات السكر الأبيض.وبينما تقودني قدماي يمينا ويسارا في شوارع وحواري بكين، ومن خلال الشبكة العنكبوتية المعقدة لأنفاق العاصمة الصينية وكذلك شركة ” ديدي” وبعد جولة ممتعة في ” المدينة المحرمة” والمتحف والوطني، قادتني قدماي إلى القصر الصيفي! بحثت عن القصر فلم أجد قصرا بل هو اسم يدعو للتسائل أكثر من الإنبهار! منتزه جميل كان يذهب إليه الإمبراطور الصيني في فترة الصيف للإستمتاع والإنسجام.
القصر الصيفي يقال عنه بالصينية 頤和園 حيث يقع بين مجموعة من البُحَيرات الشاسعة والحدائق و القصور في العاصمة الصينية بكين. يطل الموقع على بحيرة كونمنغ التي تغطي حوالي 3 كيلو متر مربع، ترتفع تلته 60 متر ا عن مستوى سطح البحيرة وفوقها مجموعة من المباني الجميلة الخلابة بطرازها الصيني التقليدي. في هَذهِ المباني توجد غرف رائعة و سرداقات وخلف التل يقابلها منظر طبيعي جميل. وقد ذكر لي سائق ال “الديدي” أن هذا المكان عبارة عن منتزه كبير عبارة عن مصيف للإمبراطور حيث أن ثلاثة أرباع المكان عبارة عن مسطح مائي. اليونسكو سجلت هذا المنتزه كواحد من مواقع التراث العالمي ، وقد تم تسجيل هذا الموقع سنة 1998. ومن الجدير ذكره أن الموقع بني بواسطة الإمبراطور هابلنج الجيني أيام حكم أسرة جين.
أكثر شئ يدعو للإستمتاع والإنسجام الآن هو كوب شاي من قهوة الفيشاوي أو ريش أو وادي النيل.
بينما يتوق شوقي لهذا المشروب المصري السحري الذي يحتاجه كل مصري صباح مساء، قبل وبعد الطعام، وقبل وبعد أي نشاط يومي أو حتى زيارة عفوية لقريب أو غريب. بجوار القصر الصيفي وجدت مطعم عربي اسمه ” ألف ليلة وليلة” وبخارجه يقف النادل بيومي بسحنته المصرية مناديا علي قائلا ” تعاشرب شاي”! الصين تتكلم العربية! دخلت قصر الرشيد لأستمتع بكوب شاي من ألف ليلة وليلة. أحضر بيومي الشاي مع قطعة من الكنافة النابلسية.. وعلى أنغام ” إنت عمري” لأم كلثوم أرتشفت الشاي الساخن بالنعناع في جو شتوي قارس البرودة وافترست قطعة الكنافة! رفض بيومي أن أدفع الفاتورة!
خرجت من المقهى لأجد مقهي آخر ولكنه صيني.. قررت أن أجرب الشاي الصيني.. دخلت المقهى الصيني وأحضرت لي النادلة مجموعة من الأواني الصينية لتحضير الشاي مع المكسرات المختلفة.. تناولت الشاي بأنواعه المختلفة والغريبة، وخاصة مشروب الورد والياسمين والفل. من أنواع الشاي الصيني الأسود والأخضر والأبيض والأصفر..تجربة الشاي الصيني جيدة وفريدة ولكنها غالية مقارنة بسعر الطعام! الطعام أرخص من الشاي! سألت النادلة عن السر وراء ارتفاع سعر الشاي مقارنة بالطعام، فكانت الإجابة شافية وافية ألا وهي: يجب على الناس أن يأكلوا ولذلك الطعام رخيص أما الشاي فهو متعة المتمتعين ولذلك الصفوة هي التي تشرب الشاي بأنواعه المختلفة والفريدة.. قد تكون صائبة في مفهومها لفكرة الصفوة وقطرات الشاي وقد أكون فريسة ذلك اليوم حيث يحلو لبعض المقاهي نصب الشراك للأجانب.. لقد قمت بمواساة نفسي بمقولات شعبية مصرية معروفة علنا أخرج من دائرة الضحية وقلت لنفسي لا يقع الا الشاطر .. وخيرها في غيرها.. وشاي اسود ينفع في يوم إسود..ومنذ ذلك اليوم فطعامي صيني ومشروبي مصري ولقاءنا بين خطي مترو الأنفاق رقم 10 في بكين وخط شبرا-الجيزة.
مما لاشك فيه أن خصوصية الثقافة الصينية وانفرادية الثقافة المصرية لا يمكن المزج بينهما الا في صورة صديق مصري قديم متزوج من صينية، حيث تحتويهم مدينة السياحة الأمريكية في ولاية فلوريدا الا وهي مدينة أورلاندو ..هذه الزيجة أفرزت الشبل المصري الصيني “أمين”..قدم الزوجان صورة التعايش الحضاري بين حضارتين كبيرتين أنتج عنها أمينين.. أمين الإبن وأمين المطعم الصيني المفعم بالديكورات الصينية المصرية! في مطعمهم إمتزج جدارالصين العظيم بأهرامات الجيزة العظيمة! طريق الحرير يبدأ بشرنقة هكذا كانت المصابرة والطموح من أجل تآخي الشعبين بين تامر المصري الأصيل وشاوشين البكينية .. هذه الزيجة التي مزجت الشاي المصري الأصيل بنعناعه وكشريه مع شرائح البط البكيني ومعجنات الصين الشهيرة.
بينما كنت أتجول في شارع “نيوجيه” أو كما يعرف شارع البقر الذي يختلف كثيرا عن مدرسة بحر البقر الإبتدائية التي دمرت من قبل الاسرائيليون و أنهت حياة أطفال أبرياء بالقرب من قناة السويس في 8 إبريل/ نيسان 1970. طبعا أعلن حينها إنه حدث لبس لإعتقاد المعتدون بأنهم يقذفون منشأة عسكرية.. نعود لشارع نيوجيه المفعم بالتنوع الثقافي والديني واللغوي حيث تجد اليافطات باللغة العربية سواء كان ذلك فوق مكتب البريد أو سوق أو مطعم أو حتى مسجد نيوجيه الشهير.. في نيوجيه زرت شركة شاي مشهورة وتاريخية حيث زينت احدى جدرانها بلوحة كبيرة عن تاريخ الشاي الصيني ومتانة العلاقات الصينية العربية..طقوس تقديم الشاي الصيني تظهر مدى أهمية وخصوصية هذا المشروب للعامة والخاصة في بلاد الرئيس شي. مع كوب من الشاي الأخضر وقطعة كبيرة من البطاطا الحلوة التي يبيعها المتجر المجاور! شاي وبطاطا! يا لها من وجبة خفيفة توحي لأهل المعمورة بأنك مصري! تجولي في شارع نيوجيه غلفته البطاطا والشاي وجعلت نيوجيه مثل العتبة الخضراء أو باب الشعرية أو زقاق المعز بدين الله.. شارع المعز وان ذكر بعبارة شارع الا انه لا يختلف عن زقاق منطقة نيوجيه.
على باب مسجد نيوجيه تستقبلك جحافل المحتاجين من فقراء شارع البقر الذي يوهمك لبرهة أنك أمام مسجد السيدة أو الحسين.. شعور بالمواصلة بين هنا وهناك كما لو كنت على خط سرفيس نيوجيه-العتبة! حقا إنه عالم صغير تربطه شارع الحرير ونيوجيه والمعز مرورا بميدان الجيزة وشارع المحطة! تواصل يدعو بالانبهار بين تامر وشاوشين، مطعم الف ليلة ومطعم جراد البحر، الشاي المصري والشاي الصيني.