القصة … مختارات
صهيل الخيول الكنعانيــــــة رواية : وليد رباح ( الجزء الثاني )
عندما كان الجنود يسرجون الجياد ويعدون الابل للرحلة الطويلة ، كانت قطرات من الدمع تسيل على وجه شكيم فيترك لها العنان لتسبح نحو العنق .
***
:
كانت الصحراء امامه ظلا من الخوف والعذاب ، وجوه الجند ذابلة تنم عن الخيبة والمرارة ، والخيول تسير ببطء كانما لحقها الحزن فباتت تلهث دون ان يصيبها التعب . كلهم سكوت الا خطوات الابل تحمل اليهم هسيسا وهى تدوس الرمل باناة ونثاقل ، وحملت اليه النسائم الطرية وجه حورا ، كان وجهها عابسا علقت عليه الاتربة واعتلاه الغبار ،
صرخ شكيم بملء فيه فجاءه قائد القافلة وطلب اليه ان يتوقف كيما يستريح .
ونامت الابل ليلتها فى الصحراء ، وعاودت الحمى شكيما فى نفس المكان الذى اصابته فيه وهو متجه الى مصر فأخذ يهذى ويتألم .
وتعكر جو الصحراء فجأة ، ارتفع الغبار الى عنان السماء ورغت الابل وصهلت الخيول وسمع شكيم صوت دق الاوتاد وتثبيتها فى الرمال الرخوة .
حملت اليه الريح القاسية غبارا دخل الى حلقة فسعل بقوة وتحامل على نفسه ونظر من باب الخيمة، فرأى جحيما من الرمل والغبار يهجم على رجال القافلة فتحملهم الريح الى وجه الارض ، فينهضون ثانية ويستميتون فى تثبيت اوتاد الخيام والابل ، لكن ساقية خانتاه فانكفأ على الرمل وغرس وجهه فيه ولم يعد يشعر بما حوله .
صرخ الجنود بكل ما يملكون من وهن وقوة ، العاصفة تأخذ الابل بعيدا … ايها الرجال ..
الحقوا بها انها تتيه فى الصحراء ..وتفرق الجنود كل الى جهه ، وازدادت العاصفة عنفا ، اقتلعت الخيام والقتها بعيدا ، وعندما افاق شكيم فى الصباح حاول ان يتحرك لكنه شعر بثقل على جسده ،كان الرمل قد دفنه حتى نصفه ، نهض بوهن ثم نظر فاصيب بحالة من الذعر لم يعهدها فى حياته ،
كانت الخيام مدفونة تحت الرمال والنصف الاخر ظاهرا يدل على أثار الكارثة ، سار متمهلا ورفع بعض الملابس المدفونة فلم يجد أثارا لاصحابها ، طوف نظره فى الصحراء فارتد اليه بصره ينعى أصحابة ، ركض فى اتجاهات الصحراء يصرخ .. ويصرخ فلا يسمع الا صوته
احس بحلقة يكاد ينفجر ، لم يكن هناك ماء ولا طعام ، وايقن أنه سيهلك مثل أصحابه ، فطفرت دموعه دون ضوابط .
ووافته القوة فجأة فأخذ يركض مسرعا ثم يقف على التلال الرملية الناتئة مناديا مستغيثا ، وارتفعت الشمس قامة أخرى ، وبدأ العرق ينساب على جبينه ، ثم ازدادت حرارة الشمس فتلونت ملابسه بدفق من الماء النابع من مسامات جلده .وعن بعد كان هبوب الريح يبدو للناظر مرعبا وهو يحمل ذرات من الرمل منساقة الى حيث التلال القريبة .
-أه يا شكيم ، وفلاح حبرون الشقى ، تأتى لتعود بالنحاس فيضيع منك الذهب ويدفن الاصدقاء تحت وهج الرمال .
توقف ، ثم قال له رأسه واصل السير فلا فائدة من التوقف ، شعر بعطش مفاجىء ، نظر حوله غريزيا يبحث عن الماء ، كان السراب يموج أمامه مثل الضباب فأسرع نحوه ، لكن خطواته كانت تتثاقل وتتثاقل ، حتى لم يعد يقوى على السير .
-يا سارح ، يا أله الزراعة والرى ، جد لى بملء كفى ماء ، فاعطيك حياتى ، سرت سخونة من الرمل الى اصابع قدميه فاحس بالجمر يشويها ، تمايل جسمه ثم استقر على الرمل ، ارتفعت راحته الى شفتيه ببطء فالفاهما كحطب جاف ، وغامت حول عينيه الاشياء ,حاول النهوض ، لكن وجه حورا النظيف جاءه بابتسامة عذبة فمد يده اليها فاصطدمت بدفق من الرمل المغروس حول جسمه ، وشجت الرمال جلده فنهض على ركبتيه بتثاقل .
-ايتها الشمس القاسية ، يا سمحون العظيم ، ايتها ال (حورا) النائمة على سرير من الضباب ، أبى، أمى ..
تحامل على نفسه بجهد ونهض ، مد بصره الكليل عبر الافق ، فلم ير غير السراب ، ونقلت الريح اليه صفيرها فعلم أن عاصفة تستعد ثانية للهبوب ..
– لن تكون جثتى علما فى الصحراء ، ساحفر قبرى بنفسى واواريه التراب ، انسابت اظافره تحفر فى الرمال ، ثم توقف بعد هنيهة ، لم يعد يقوى على مواصلة الحفر ..
يا شعب اورسالم العظيم ، لاتلعن شكيم الذى مددت اليه يدك قبل رحيله الى ارض الفراعنة .
بدأ الهبوب خفيفا فى البداية ، ثم تكاثر حوله فلم يعد يميز الى اى اتجاه ينظر ، خانته قدماه فانحنى ، ثم سقط كنخلة هوت بعد أن قص ساقها فجأة ..
***
عود على بدء
حـــورا
جلست ترقب الغيب فى شرفتها ، واطل من بين الزيتون وجه شكيم الممرغ بالدفء و الحياة ، فسرت فى جسدها رعدة خفيفة كطيف ، ثم نهضت الى مقصورتها .
و شكيم لا يأتى من الابواب رغم فتحها على مصاريعها ، قفز اليها فاحتضنته بقوة : أواه يا شكيم ما كنت احلم ان تغادرنى بهذة السرعة..
لك نفسى يا حورا .. سأعود اليك مثل العاصفة محملا بما يعترض طريقى …
كان الطل قد نشر حبيباته على اوراق الشجر القريب من النافذة الواسعة ، وشقت الشمس طريقها عبر الاوراق لترسم فى المقصورة ظلالا جميلة .
نظر الى عينيها فالفاهما مثل مناجين العسل الذى يقدم فى اعراس اورسالم ، قبلها وتدرج فمه الى وجهها النظيف وعنقها البض ، واختفى كل شىء من ناظريه ، دار العالم دورات كثيرة وسريعة، ثم اتكأ على مرفقها ..
– أه لو انى اعيش العمر كله انظر الى عينيك ما مللت .
سرت فى القصر ضجة مفاجئة .. هرع الى الشرفة فرأى الحرس يحملون قافلة الجمال بالذهب ،
لحقته حورا كئيبة حزينة ، ومدت نظرها الى الافق الذى غسلته اشعة الشمس فغدا مثل الضباب الصيفى .
– حورا ، هى لحظة لن أنساها .. اغادرها فيك وقلبى يسرح ممتشقا حسامه ولكنه يلقى بسلاحه عند قدميك ليعلن انه ملك لك مهما قسا الزمان .
شكيم .. تذهب راشدا وتعود ممجدا ، قلبى يقفز من صدرى ولن يعود اليه الا عندما تعود . قبلها ، ثم مسح دموعها بكفه وخطا الى باحة القصر ، كانت القافلة قد جهزت بانتظار اشارة من سمحون كى ترحل .
قال الملك : على بركة ارض بنى كنعان تغادر القافلة الى مصر .
ورد شكيم بأعلى صوته : بأسم سمحون العظيم ، حامى ارض بنى كنعان وسيدها ، نغادر الارض التى تدر اللبن و العسل .
تابعته بنظراتها مشغوفة حتى غاب فى الافق ، ثم تجمد جسدها فوق المقصورة مثل تمثال مرمرى جميل ، وواتتها نوبة من البكاء الصامت ، كانت دموعها تنساب من عينيها مثل البرد ،لكنهما مفتوحتان على سعتهما كانما تجمدتا .
– أواه يا شكيم ، هل كان يجب ان تقع الحرب كي تغادرنى ؟؟
لمحت حراس القصر وهم يجوبون الباحات فى حركة نشطة . وقالت لنفسها
– ولكن الحرب هى التى اوصلت شكيما الي .
***
انسابت فى نفسها الذكرى عطرة جميلة فابتسمت ، وافاقت من شرودها على صوت سمحون وهو يناديها فغادرت اليه مسرعة .
حورا .. ايتها الاميرة الجميلة .. سوف يعود اليك فلا تحزنى .
– ما يحزننى انه مر على مثل السحاب فسقانى من مطره دون ان يروينى .
– غدا يعود .. فجهزى امر نفسك لاستقباله ، سوف اترك هذا القصر لكما وأوى الى بيوت الطين فاغتسل مع الفلاحين فى ندى الفجر فوق سهول اورسالم الحبيبة .
– واريحا التى تئن تحت وطأة غاز ثقيل ؟
– أه .. اريحا ، انه الجرح الذى ينزف من قلبى صديدا ووجعا .
تركته ثم انسابت عبر اروقة القصر بخفة فناداها .
حورا سوف انقل اليك امرا طالما فكرت فيه ، لن يكون هناك حراس للقصر ، لقد قررت ان يكون بيتى مفتوحا على سعته دون حراب .
– هو عين العقل يا أبى .
وانتظرت عله يقول شيئا اخر ، لكنه ظل على صمته فغادرت مستأذنه .
****
وجاء الليل ، وحورا التى احزنها ان يغيب شكيم عن ناظريها فرددت وجهها بابتسامة عذبة مثل الربيع، ثم انسابت الى الاسطبل فاسرجت فرسها واعتلته واتجهت نحو البيوت الطينية .
وعند مدخل الزقاق ربطت الفرس فى حلقة حديدية مغروسة فى بطن السور ، واتجهت بخطى قوية ولكنها متثاقلة .حيت جمعا من الناس يتسامرون حول نار قربت ان تخبو فهبوا واقفين ، ثم غادرتهم بعد ان سقطت ابتسامتها على وجوههم مثل النعاس .
اوغلت فى الزقاق ، وكلما ابتعدت ازدادت وحدتها وتملكتها الوحشة ، وسرت فى رأسها أفكار الامس وذكرياته وهى تعبر الطرقات متكئة على زند شكيم القوية .
– ايها الولد الشقى الحبيب ، انت تذرع رمال الصحراء جيئة وذهابا ، ويأكلك الخوف والقلق ، بينما تنعم حورا بدفء ازقة اورسالم .
واصلت سيرها ثم اتكأت على جدار قرب نافذة صغيرة ينبعث منها ضوء ضعيف ، سمعت همسا فأصغت.
– اتدرون .. ذهب شكيم الى ارض مصر ليستبدل النحاس بالذهب .
ردت امرأة : شكيم مثل اوراق الاشجار يتجدد مع كل ربيع ، لاتخافوا ..
قال ثالث : ليتنا كنا معه فنحميه ويأمن غائلة الطريق ..
قال صوت لشيخ عجوز : سيعود لان حورا فى وجدانه وفى عقله ..
ابتسمت حورا ثم واصلت سيرها بين الازقة مصغية لما يقوله ابناء اورسالم .
– اتعلمون اننا جمعنا من السيوف ما يكفى لقهر الاعداء؟
– لكن سيوفهم قوية ، بعض منها مصنوع من النحاس وهم يملكون العربات الحربية .
– لقد تعلموا فنون صنعها من جيش فرعون ابان وجودهم فى مصر ..
– سوف نقهرهم ..
– اتدرون ان ملك بنى كنعان القادم سوف يحمل بعضا من دم الشعب .
– اذا سارت الامور وفق ما نتمنى .
ضحكت ثم تابعت سيرها ، وعند نهاية الزقاق افترشت الارض متجهة بنظرها نحو الافق .
وما عتم صوت ان اتاها من خلال العتمة فارتجفت .
– حورا .. لم انت حزيتة يا ابنة الملك العظيم .
تلفتت حولها فلم تجد اثرا لاحد ، قالت والخوف يمد يده اليها : من الذى يحدثتى ؟
جاءها الصوت ممزوجا بضحكة خفيفة .
– لا تخشى شيئا يا حورا ، انى صديق اجوب الطرقات ليلا فاواسى من تنوشه الهموم .
اتجهت بنظراتها نحو الصوت فتقدم رجل عجوز نحيل .
– انا شاحور بن سرجون ، الم يحدثك عنى شكيم ؟
انفرجت اساريرها وبدأ الخوف يذهب عنها ولكنها لم تجب ..
– اعرف انك قلقة ، لكنه سيعود .
ابتلعت ريقها وقالت : هل تعرفه ايها الشيخ الصالح ؟
– وهل لا يعرف الانسان روحه يا ابنتى ..
انتبهت كل حواسها اليه .
– شكيم ابن هذا البلد ، كلهم يعشقونه كما انت
ارتجفت وقالت : ولكن عشقى له مختلف تماما .
-اعرف ما تفكرين به ، ولكنى قصدت ان شكيما ان عاد فهو لك .. والا ..
قاطعته بحدة :لا تقل والا ايها الشيخ الصالح ..
تابع الشيخ حديثه : والا فخسارته تعنينا اكثر مما تعنيك .
– كيف؟ كيف ايها الشيخ ؟
– يا ابنتى ، كونى له وفيه مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس .
انا كذلك ايها الشيخ .
قال الشيخ وهو يتجه بخطواته نحو الظلام : من يدرى ما تخبؤه الايام .. من يدرى ؟؟
نادت و لكنه كان قد اختفى ..
أخذ رأسها يعمل بسرعة ، كونى له وفيه مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس .
اتجهت خطواتها مسرعة نحو بيت ابيه ، طرقت الباب ففتحه الشيخ بتؤدة .
– حورا .. ايتها الاميرة الجميلة .. ماذا تفعلين فى هذا الليل الصامت .
– لم اجد للنوم طريقا فالتجأت اليك ..
هرعت اليها امه فتلقفتها بقبلة ناعمة : تفضلى يا ابنة سمحون العظيم
و لجت خطواتها البيت فأحست برعشة تسرى فى جسدها .. افترشت جلد ماعز مهترىء و اخذت تظراتها تجوب المكان ، هنا كان يأكل ، وفى هذة الزاوية شهد احلامه وامانيه ، ومن هاتين اليدين المعروقتين نما و ترعرع ، ومنهما ايضا أكل الطعام وذاق العسل .
– بم تفكرين يا ابنتى … سيعود حتما انى اعرفه .
نظرت اليها طويلا ، ثم تجمع الدمع فى عينيها مثل بلورات صافية لا تسقط .
– انا ايضا اعرفه ، سيعود محملا بالنحاس ليجلب لنا النصر .
تذوقت اللبن ، لكنه كان لبنا مرا ، ثم مدت يدها نحو العسل فكان مذاقه مثل العلقم .
قالت فجأة : ايها الشيخ الجليل ، قد عزمت بعد ايام على ان اجرى مبارزة بين الناس ..ايهم يستطيع صنع اكبر عدد من السيوف من مطلع الشمس حتى مغيبها .
نظر اليها الشيخ باستغراب وقال :نعم الرأى با ابنتى .. هلا وجدت لى عملا استطيعه فى هذا الامر ..
من اجل هذا اتيت اليك ، سأخصص جائزة لمن يفوز .
– وما الجائزة ايتها الاميرة ؟
سأكتب اسمه على صدرى موشى بالذهب ، ثم امنحه حصانى و اعطيه عدة حربية ملكية .
– هذا رائع ايتها الاميرة .
– منذ الغد ايها الشيخ الجليل ، تنادى فى الناس وتنشر الخبر ، ولتكن ساحة المبارزة حلبة الرقص فى وسط البيوت الطينية .
نظرت فرأت الحبور و السرور يسريان على وجهى الشيخين ، ثم نهضت وهى تتمتم ببعض الكلمات ، كونى له وفيه مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس .
***
افاقت حورا من نومها مذعورة . فقد داهمتها الاحلام وبكت طوال الليل ، رأته يذرع الصحراء وحيدا تنتظره الذئاب بين كثبان الرمال
.. وفى كل مرة كان يمتشق سيفه ويهاجمها فتهرب امامه ، لكنها كانت تتجمع زرافات وتعود للهجوم عليه فيتلقاها بسيفه .. فتهرب ثانية امامه لتعود وتجمع نفسها من جديد .
وعندما افاقت حورا من نومها كان وجه شكيم أخر ما لمحته مضخما بالدم فى اكثر من موضع . رداؤه يلتصق بجسده مبتلا بالدماء .. وعيناه ضارعتان الى وجهها تطلبان العون منها ..
هرعت الى مشجب فى مقصورتها ووقفت مذهولة ، كانت بقع الدماء تغطى رداء شكيم المعلق ، تماما كما رأته فى الحلم ،، ممزقا مهترئا كمن فيه جثته .. صرخت برعب .. وردد القصر صدى صرخاتها فهرعت اليها الملكة تضمها بحنان الى صدرها وتهزها .
– حورا .. مابك ايتها الحبيبة .
ربتت على خدها مرات ومرات . كانت تصرخ و عيناها مفتوحتان على سعتهما تحدقان فى المشجب .. ثم دفنت وجهها فى صدر الملكة فسرى الخدر والسخونة الى وجهها النظيف المبلل بالدموع ..
و احست يدا تخلل شعرها فنظرت ثانية الى المشجب . كان رداء شكيم نظيفا مثل اشعة الشمس .
– ما بك يا حورا اجبينى ايتها الحبيبة .
ركعت حورا على ركبتيها وابتهلت .
– اعده الى يا سارح ممجدا كنخيل مصر .. عظيما مثل قنوات الرى فى بلاد بنى كنعان . هرع سمحون الى مخدع ابنته وصاح .
– سارح لن يعيده اليك اذا ما اصابه شر او لحقت به منفعه .
نهضت حورا فزعة .. خلع سمحون عدته الحربية وهرع الى باحة القصر يحمل معولا وهو يصيح
ايها الناس . يا سكان اورسالم ، من يحب سمحون الملك فليأت الى قصره وفى يمينه معولة .
ظنت حورا ان مسا قد اصاب اباها فهرعت اليه ، استوقفته فرفض ان يتوقف .
– حورا .. سارح يأمرنى بهدم معبده فى اورسالم لنقيمه فى اريحا .
تراجعت مذعورة ، لكنها ما لبثت ان تمالكت نفسها وهو يتابع .
– شكيم يريد هذا .. وشاحور بن سرجون كذلك .
–
وقفت فى منتصف الطريق كالبلهاء ، ثم استدارت فجأة وقد لمع اسم شاحور فى عقلها وبرق شكيم فى وجدانها ، كونى له وفية مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس ،، حملت معولا ولحقته ، وما ان رأهاعن بعد تحمل معولها حتى حدثته نفسه ان كل شيىء يمكن ان يتحقق من خلال الحب رافقته كظله وهو يصرخ فى الناس .
يا سكان اورسالم .. من احبنى ووقف الى جانبى فليذهب الى معبد سارح . وليعمل معوله فى هدم حجارته وتهديم أثاره ، سارح يأمرنى ان اهدم معبده هنا لاقيمه فى اريحا ، ولن يرضى عنا الا اذا بنينا معبده هناك .. عندما نطرد العبريين من بلادنا .
ولم تتم اورسالم ليلتها الا والمعبد انقاضا لا اثر لاعمدته ، وقفت حورا على اطلاله وقبل ان يتفرق الناس وقف الشيخ الجليل أبا شكيم الى جانبها وهو يصرخ .
– يا سكان اورسالم . قد عزمت الاميرة على ان تقيم مبارزة بين الناس ايهم يستطيع صنع اكبر عدد من السيوف من مطلع الشمس حتى مغيبها . وستكتب اسم من يفوز على صدرها موشى بخيوط ذهبية و تمنحه حصانها و تعطيه عدة حربية ملكية . رفع الناس روؤسهم نحو الفضاء . وصرخوا ، فحمل اليهم المساء صدى اصواتهم القوية .
– ***
و مضت ليال اخرى .. وحورا التى تنتظر الغيث ان يأتى من مصر تجلس الى شرفتها اصيل كل يوم فيرتد اليها بصرها كليلا بعد طول تحديق فى الافق ، تقتحم عيناها سريرها الخالى من الدفء فتصاب بالرعشة وتسرى فى اوصالها الظنون ، تجوب موارس القمح فى المدينة وعينها على القوافل الرائحة الغادية ، علها تحظى بأول نظرة منها اليه قد تعيد اليها الحياة ،
تقطف الزهور وتزرعها فى القصر كيما تمسها يده عندما يعود ، لكن الزهور تذوى قبل ان يأتى فتعيد القطف من جديد .. لم يعد لها من الامس غير الذكريات ، شهور وهى تقف على الشرفة أملة ان يعود وتنساب فى رأسها ذكرى عزيزة .. يوم اعلن الملآ من اهالى اورسالم انهم لن يستمروا يطرقون السيوف و ينتظرون .. سيبعثون برسل الى مصر لاستقدام شكيم و سيهبطون على العدو مثل القدر .. ويومها وقف الشيخ الطيب ابا شكيم وهو يصرخ بكل ما عنده من وهن وقوة .
– ايها الناس ، اليوم هو موعد المبارزة ، فلتكسبوا ثقة الاميرة .
امتلآت ساحة المدينة بالمطارق وادوات صنع السيوف ، جلس سمحون على كرسى حجرى فى طرف الساحة بينما وقفت حورا الى جانبه استعدادا للنزول الى المتبارين كى تبعث فيهم الهمة والنشاط ، وبأشارة من يدها زلزلت اورسالم زلزالا لم تعهده من قبل ،آلاف من الايدى تطرق دون كلل او هواده ، اجساد يسوح فيها العرق مثل نهر ليس له من ضوابط ، عيون تختلس النظر الى جيرانها علها تكون قد سبقتها فتسرع فى انجاز ما باليد كى تفوز .وتسرح حورا فى ثوبها الفضفاض بين المتبارين مشجعة مناديه ، وكلما اقتربت من احدهم ولمح طيفها ازدادت طرقاته وعلا صوته وجرى عرقه . ألاف من النساء وقفن فى اطراف الساحة يسقين العطاش و ينفخن الحياة فيمن خانته ساعده فيعود الى العمل ، اولاد اورسالم كانوا يغنون لمن يطرقون ، وبعضهم كان يشجع الاباء على مواصلة العمل ، وبعض أخر كان يحمل رجاءه الى الاميرة ان يفوز اباه فتضمهم الى صدرها و تحنو عليهم ثم تعود ثانية الى الساحة تشد ازر المتبارين .
وعند انتصاف النهار كانت ميازيب العرق و احتقان وجوه المتبارين دافعا للاميرة لان تعلن راحة قصيرة يتناولون فيها طعامهم ويتذوقون ما اتت به نساؤهم من الاطايب .وبطرقة واحدة جماعية توقف العمل .
قال سمحون ايتها الحورا .. لولا حب شكيم لما فعلت الاعاجيب ، وقالت حورا لسمحون ، ايها العظيم لولا حبه لما عادت الروح والحياة الى بني كنعان .
وبين ضحك و ابتسام نزلت النساء الى جزء من الحلبة ورقصن و انتزعن التصفيق و الهتاف .
– ايها الغائب البعيد اما كان اجدر بك ان تحضر هذا المهرجان فتقر به عينك .
دمعت عيناها ، وعن بعد لمحت الشيخ الطيب يصفق فرحا وقد افتر ثغره عن اسنان مهترئة فركضت اليه وربتت على كتفه وقالت :
– لو كان هنا لامتعنا برقصه وغنائه .
– أيام ويعود .. اعرفه مثل الغلال فى كل سنة يزيد .
وقفت الى جانبه تمازحه ، ولفتا اليهما انظار الجمع كافه ،ثم عادت بعد لاى قرب ابيها لتعلن عن انتهاء الرقص وبدء العمل
وتسارعت الارجل الى احتلال مواقعها و الايدى على المطارق . لم يكن الحماس مشتعلا كما كان فى الصباح ، فقد ثقلت الايدى وتاقت العيون الى اغفاءة قصيرة ، ولكن طيف الاميرة عندما كانت تمر بالمتبارين يزيدهم قوة ويدفعهم الى المواصلة .
ها هى الشمس تؤذن بالمغيب ، وحورا تصدر اوامرها بايقاف العمل ، فتنزل الى الحلبة مثل هبوب النسيم لتسجل و تحصى ما انجز من السيوف ، ثم تعود الى موقعها .وجفت القلوب ووضع كل من المتبارين يده على صدره بانتظار النتيجة ، كانت دقائق مشوبة بالقلق والانتظار ،وعندما اعلنت الاميرة عن الفائز هتفت حناجر اورسالم فرحة مفتخرة فبكى سمحون تأثرا ثم طلبت الى الفائز ان يتقدم فجاء رجل عجوز يتوكأ على عصاه يسير الهوينا . وعندما رأه الملك وقف على رجليه مصعوقا .
– من ، شاحور بن سرجون ، ايتها السماء ، ما كنت اظن ان بك رمق من قوة ، و عيناك .. يا الهى .
– لقد عاد الى بصرى عندما عادت الحياة الى بنى كنعان وقالت حورا :
– ايها الشيخ الصالح لقد علمتنا درسا لن ننساه ابدا .
وذهلت اورسالم ، فهذا الذى يجوب الطرقات ليلا متوكئا على عصاه قد فاز على شباب سواعدهم تدير طواحين المدينة وتملآ الارض بالغلال .
قالت حورا فلتتقدم ايها الشيخ الصالح لتتسلم جائزتك ، قال شاحور :
– عفوا ايتها الاميرة … ما بى حاجة الى الجائزة ، ان جائزتى ان تسمحى لى ببعض الكلمات ،
قالت الاميرة :
– قلها ايها الشيخ وكلنا اذان مصغية ،
قال الشيخ :
– يا اهل اورسالم .. قال لكم سمحون يوما بالسيف وحده يحيا الانسان ، وانا اقول لكم بالسيف والعقل معا .. هل ننتظر العدو لنحاربه ام نذهب اليه لنخرجه من ديارنا .
ارتفع الصراخ فى الحلبة وشق الفضاء … ومن بين الصراخ ميز الجميع الكلمات .. بل نذهب اليه ايها الشيخ .
قال الشيخ :
– لن ننتظر قدوم شكيم .. ان سيوف الفولاذ مثل سيوف النحاس تماما والذى ينتصر من عرف كيف يستعملها .. منذ الغد نرسل وفدا الى مصر كى يعود شكيم .. ومنذ الغد نجهز انفسنا لاقتلاع العدو من ارضنا .
قال سمحون :
– ايها الشيخ الصالح امهلنى بعض الوقت على اجد طريقة مجدية لتنفيذ رغبة بنى كنعان .
قال الشيخ :
– ان سمحون العظيم لا يراجع فى ما يأمر به .
قال سمحون :
– بل هى رغبة ابديها لايجاد انجح السبل .
وفى غمرة الصراخ والهتاف تطلعت الاميرة حولها فافتقدت شاحور ، ودارت عيناها على الجمع علها تعثر عليه ، ولكنه كان قد اختفى مثل ملح ذاب فى ماء ساخن .
***
سرحت فى الازقة مثل ظبى هارب .
( ايها الليل الذى يحلو له ان يداعبنى كف عن القدوم و ليبق ضوء الشمس مفرودا على الموارس )
اتكأت على جدار تعبه ، فمنذ اسابيع وهى تجوب الازقة فلا تسمع الا تذمرا لتأخر القتال وتنديدا بما هم عليه من حال و اخوتهم فى اريحا يبعثون فى كل يوم رسلا يستثيرون همة الملك بان يقاتل ،
و اخيرا قر رأيها ان تجابه سمحون بما يعتمل فى نفسها ، وعند اجتيازها مدخل الزقاق جمدت فى مكانها ، كان سمحون يجلس الى حجر على طرف الزقاق ودموعه تلمع فى ضوء القمر .
– ما بك ايها العظيم سمحون ؟
– ما يحزننى اننى اعطيت وعدا دون ان استطيع تنفيذه .
– بل تقدر يا ابى فالجميع معك .
– اعرف هذا ، ولكن خزائنى فارغة ، من اراد الحرب حسب لكل شيىء حسابه ، ذهب شكيم بالذهب ولم يعد ، ولا اخفى عليك ان الظنون تساورنى .
فتحت عيناها فزعه .
– اتشك بشكيم يا ابى .
– يا حورا ، شهور مضت ولم يعد ، لااخبار او ما ينبىء بقدومه .
– شكيم روح اورسالم ، فهل تفقد المدينة روحها بسهولة ، فلنبعث اليه الرسل غدا .
– هذا ما نويته .
– أبى ، القتال بالسيوف لابالذهب ، وخوض القتال بالجيش لا بالخزائن ، يكفى ان يقف اهل اورسالم ومدن فلسطين معك فى كل ما تقرره .
– هذا صحيح يا ابنتى و لكنى اخشى ان لا نستطيع ان نواصل ونقف فى منتصف الطريق .
جاءه الصوت رخيما من خلال العتمة .
– بل تستطيع ان تواصل ايها الملك ، من كانت ارادته صلبة مثلك ، لا يقف فى منتصف الطريق .
تقدم شاحور بخطوات وئيده ،
– اين انت ايها الشيخ الصالح ، لماذا تركتنى كل هذا الوقت .
– اتركك لانى اخشى ان يصبح شاحور هو الملك .
– كيف هذا ايها الصالح .
– عليك ان تتخذ قرارك بنفسك دون مساعدة من احد .
– هل سمعت ما طرحته حورا .
– سمعته و انى الى جانبها .
نظر الشيخ الى حورا و تقدم منها .
– كونى وفية له مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس .
تحرك شاحور باتجاه العتمة ، لكن صوت سمحون اوقفه .
– لا تتركنى فى محنتى ايها الشيخ .
– عليك ان تتدبر امر نفسك بنفسك ،
– قال سمحون اشر على ايها الشيخ .
– لا تتردد ، اذا اقتنعت من امر ما فخض غماره دون خوف ، فالنتيجة فى صالحك .
اختفى شاحور فى العتمة ، اطرق سمحون بعض الوقت ثم وقف فجأة و اتجه الى ابنته و همس .
– حورا ، على بركة ارض بنى كنعان نبدأ بالاستعداد للايام العصيبة القادمة .
اصاب حورا فرح طاغ و قالت :
– اتحارب ايها العظيم .
– نعم .. هذه رغبة بنى كنعان ، فبالسيف و الفكر وحدهما يحيا الانسان ،
ثم تركها و غاص فى بطن العتمه راكضا الى فرسه المنزوية عند اسوار المدينة ، وما كاد يبتعد حتى جاءه صوت حورا متل رنين الذهب .
– ايها الناس ، يا بنى كنعان .. يا اهالى اورسالم الحبيبة ، يقول لكم سمحون بالسيف و الفكر وحدهما يحيا الانسان ، عليكم بالاستعداد لترك منازلكم و التمترس فى السهول و الجبال ، يا بنى كنعان ، يقول لكم سمحون عسل اورسالم محرم عليكم حتى تشربوه على ارض اريحا .
ما عتم الصوت ان دخل البيوت التى ذبلت عيناها من شدة النعاس ، فسرت فى الجو ضجة كطنين النحل ، وما لبثوا ان اتجهوا نحو حورا و انضموا اليها يهتفون بمثل ما كانت تهتف ، و كلما انضم اليها جمع اقاد المشاعل و جرى خلفها معلنا ما كانت تعلنه ، و فى بعض الوقت تحول ليل المدينة الى نهار ، و سرت الصرخات الى عنان السماء ، ووقف سمحون على شرفة قصره ينظر الى المشاعل الزاحفة اليه وجسده يرتعد تأثرا ورهبة ، و كلما كان الصوت يقترب منه كان جسده كأنما يغوص فى بحيرة من الثلج ليس لها من قرار .
وما عتم وجه حورا ان اطل من خلال الجمع يقوده نحو القصر ، تحمل فى يدها مشعلا يعطى وجهها حمرة جميلة اخاذه ، تهتف ملء فمها و تطالب سمحون ان يلبى رغبة اهالى اورسالم .
تجمع الناس خلفها كموج متمرد ، لا تلبث ان تتكسر اطرافه عندما يقترب من الصفوف الاولى .
اجال سمحون نظره فرأى الاف المشاعل تضىء الليل ، استمع الى هتافات بنى كنعان وهم يصرون على تخليص اريحا من ايدى الغزاة ، ثم رفع يده فصمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير .
قال سمحون : يا بنى كنعان ،، ما هى الا ايام حتى تكونوا فى ساحة الحرب ، فلتكن حربكم تظيفة ، لا تقتلوا من ليس بقادر على حمل السلاح ، لا تؤذوا من لا يقاتلكم ، لا تحرموا احدا اراد العيش لذاته ، و ليكن زادكم خلق بنى كنعان .
ارتفعت الهتافات عالية مدوية ، اشار سمحون اليهم ان يصمتوا .
– سنرسل عند الصبح قافلة كى تأتى بشكيم ، فان عاد شاركنا القتال ، وان لم يعد ففى بنى كنعان ما يكفى
شقت الهتافات ثانية جوف الظلمة ، ورقص قلب حورا كانما هو طفل ولد لساعته .
– كونى له وفية مثل وفاء سنابل القمح لاشعة الشمس ، هل يأتى شكيم ليرى ما يجرى .
تحركت حورا دائريا الى الوراء ، و تبعها الجمع و قد وصل بهم الامر الى الرقص وهم يسيرون الهوينا الى بيوتهم ، وخلال انسرابهم فى الطرقات كانوا يتناقصون ليدخلوا منازلهم لنيل قسط من الراحة بانتظار ما يأتى به الغد ، ولم يمض طويل وقت حتى رأت حورا نفسها تحمل مشعلها وحيده ،
نظرت حولها فلم تجد انيسا غير الليل ، ورفيقا غير طيف شكيم .
اقتعدت حجرا و غرست مشعلها بين شق حجرين فى سور المدينة .
– لا تحزنى يا حورا ، فقد انجزت الليلة عملا عظيما عجز عنه اشداء الرجال .
تطلعت حولها فزعه ، ثم ما لبثت ان تذكرت صوت شاحور فاطمأن قلبها ،
– هل كنت وفية له فيما صنعت ،
– بل كنت انت شكيم
– اين خطواته كى تطوق طرقات المدينة بالفرح ،
– كان شكيم روح اورسالم .
– لا تقل كان ، كانما بك غير مقتنع من عودته ،
– يا حورا .. من يدرى ما تأتى به الايام .
اتجه الشيخ اليها ووضع يده على رأسها .
– يا ابنتى ، طريق الصحراء موحش ، يكفى شكيم فخرا انه زرع الحياة فى نبات قرب ان يجف .
– ترى هل ينبت عودى الذاوى ثانية على يديه .
– من حمل مشعل الحب لا يطفؤه بيديه .
نظرت الى السماء فالفت النجوم تعطى بريقا اخاذا ،، جلس شاحور بجانبها و سرح نظره فى العتمه .
– حورا ،، لا تحزنى منذ الغد ساخلع هذا الثوب البالى لارتدى عدة الحرب ، سأكون الى جانبك .
ادارت حورا نظرها اليه و قالت :
و هل يستطيع من كان فى عمرك ان .. قاطعها بحنان .
– اتذكرين يوم المبارزة .
– اذكره جيدا ،، لقد علمتنا ان ارادة الانسان خير من كل قوة .
– اذن فلتكن لديك قناعة شاحور و عزم شكيم .
نظرت اليه من خلال العتمه ، كانت عيناها تشكرانه دون ان ينطق لسانها بما حواه قلبها ، ثم رمت برأسها على صدره فاخذت يده تعبث فى شعرها ،
– يا ابنتى ، لم يكن شاحور يحلم ان ترتدى اميرة بنى كنعان عدة الحرب و تقاتل ،
– ولم تكن حورا تحلم ان يشمر شاحور عن ساعده بعد هذا العمر ،انت تعطينا قوة فوق قوتنا وعزما فوق ما عزمنا .
مدت نظرها عبر الافق فاصطدمت بالعتمة ، نظر شاحور الى السماء فرأى القمر يبزغ من خلال السحب البيضاء باسما .
***
فردت جسمها البض فوق السرير و اخذت نظراتها تعبث فى العتمة ، القصر هادىء لا نأمة او حركة ، الاف من الصور الجميلة و القاتمة تتنازعها ، فتقفز تارة عن السرير لتنظر الى الليل و تعود طورا الى فراشها لتحتمى بدفئه ، وما عتمت ان سمعت صوت خطوات شكيم ،، كانت خطواته تحمل الجرأة و الفرحة الى نفسها ، اما هذه فخطوات حزينة متثاقلة ينتزعها صاحبها انتزاعا كانما لا يريد تحريكها ، ثم ابتعدت الخطوات لتنتقل الى حديقة القصر ذابلة متباطئه ، قفزت من فراشها و ازاحت ستارة النافذة و القت نظرة الى الاشجار ، و عن بعد رأت جسد سمحون يتحرك ببطء كأنما هو معلق فى الهواء ،تابعته بنظراتها و الحزن يعتصر فؤادها ، كانت تدرك انه يعيش حالة عصبية لا يحتملها الا الرجال الاشداء . ثم قر رأيها على ان تواسيه فارتدت ثيابها على عجل وهبطت اليه ، وما ان رأها حتى تجمد فى مكانه كتماثيل الحديقة .
– حورا ،، اى ليل يأتى بك الى فى مثل هذا الوقت .
– انى الى جانبك ارى راحتى حيث ترتاح انت .
– أه يا حورا ، اية راحة هذه .
– اعرف ما تعانيه ايها العظيم ، ولذا فانى اقاسمك الهموم .
نظر سمحون الى وجهها فى الظلمة ، و تناقل رأسه صورها عندما كانت صغيرة ثم تدرجت نحو الشباب.
– حورا ،، اريد ان اخاطبك كأب و ليس كملك .
– قل ايها العظيم ، ان ما تطوق به عنقى من حكيم الاراء لهو دين عظيم .
– ماذا لو جاء من يخبرك بموت شكيم .
ارتجفت ،، تحول النسيم الطرى الى صقيع قارس .
– ما بك لا تجيبين .
استجمعت كل شجاعتها و ابتسمت .
– دعنا وما نحن فيه يا ابى ، اننا مقبلون على مرحلة حرجة ، دع كل ذهنى ينصب الى خدمتك
– اريد جوابا حاسما ، لقد اصبحت روح بنى كنعان بعد ان غاب شكيم
ابتسمت .سارت اليه و حدقت فى عينيه ومن خلال العتمة قفزت دمعة على خدها كرمح متوهج .
– فلتكن حورا شكيم الضائع ،
ابتسم الملك بحزن وقال : و ليكن سمحون ذلك الرمح الذى به تحاربين .
قالت حورا : فلتذهب الى فراشك ايها العظيم ، الغد ينتظرك ،
– الان انام قرير العين بعد ان اطمأن قلبى .
سارا صامتين الى المدخل ، ثم افترقا كل الى مقصورته ، و عندما رمت حورا بجسدها فوق السرير شعرت بأن حملا ثقيلا قد القى عن كاهلها .. ومن خلال اغفاءتها القصيرة القلقه ، سمعت طبول الحرب تدق فى المدينة فنهضت مسرعة .
***
يوشــــــــــــــــــــــــــع
مذ كان صغيرا اسرته نتف اللحم التى كانت تتلقفها الاسود فى قصر فرعون بعد الاجهاز على ضحيتها .. يبتتسم .. يضحك ، و عندما تعلو الصرخات فى الساحة انتصارا للاسد الذى تغلب على ضحيته يجارى الجمع ثم يرقص بحراره .
هذا هو يوشع ، صغير ثم يكبر فتلفعه حرارة الصحراء عند جبل سيناء كبيرا فيحلف ان يدمر العالم كى يحيا العبريون تحت ظلال زيتون فلسطين .
قال يوشع : ايها العبريون .. اربعون عاما و انتم فى الصحراء لا تدرون لكم وجهه ، مات نبينا موسى كظما و غيظا عندما استبدلنا الهنا بالعجل ، لا تقولوا قاتل وحدك كما قلتم له فهل لكم فى ارض تدر لبنا صافيا و عسلا لذيذا لا يدانيه عسل العالم .
تلمظ العبريون ثم صاح حبر لهم : ان فيها قوما جبارين .
قال يوشع : خذوهم بالخديعة .. و لنقطع نسلهم و نستخدم من نعقرهم لنقل الماء من نهر الاردن الينا .
قال الحبر : نوافق على ان نسقى من دمهم ارض اريحا ، بحيث ينبت الزرع فى اول سنة احمر اللون مثل حنون الجبل .
رفع بعض من بنى اسرائيل ايديهم و ضموا اصابعهم الى اكفهم و القوها فى الهواء موافقين ،و البعض الاخر لوى عنقه و اتجه نحو خيمته فى الصحراء كئيبا حسيرا يناجى نفسه و يحاول ان يقنعها . وفى غضون الايام التى تلت طرق العبريون سيوفا عديدة من النحاس و جمعوا سيوفهم التى نقلوها من ارض فرعون استعدادا لما يأمرهم به يوشع ، وعندما ايقن يوشع ان الوقت غدا ملائما لتهديم اريحا و احتلال فلسطين حدث ما لم يكن بحسبانه ، فقد تقاتلت طائفتان من بنى اسرائيل ايهما يحمل موكب الكتاب المقدس اثناء التوجه نحو فلسطين . و لعب السيف فى هذا الخلاف لعبته ، جرت الدماء و اصر كل على موقفه ، وفى لحظة يأس اعلن يوشع انه عائد الى مصر و ليكن هنالك حتفه ، ثم انه بدأ يعد العدة للرجوع عندما جاءه الحبر الاكبر معلنا ان القبيلتين اتفقتا على تأجيل صراعهما حتى دخول اريحا و ليكن الموكب من نصيب الاحبار . وهكذا نقش يوشع على حجر فى وسط الصحراء تاريخ الزحف و بدء المعركة .
******
وقفت جيوشه على مبعده من اريحا ، و ارسل العيون كى تأتيه بالاخبار ، قال احدهم ، هم شعب من الجبابرة لكن اسوار اريحا قديمة العهد لا تثبت امام الضربات القوية .
و قال ثان : احذروهم انهم لا يكفنون موتاهم بل يلقونهم لسباع الطير ، و ثالث نصح يوشع بالانسحاب ثانية الى الصحراء حتى يحين الوقت فكل بنى كنعان فى اريحا متمنطق بالسيف لا يتركه فى صحوه ومنامه.
قال يوشع : فلنأخذهم غدرا .. عندما تنام المدينة ندخلها من جهاتها الاربع ، ثم نعمل فيها السيف بحيث لا تطلع الشمس الا و بيوتها تندب السكان و تتحسر على ما مضى .
قال الاحبار : هو رأى حسن .
و قالت النساء : اتركوا لنا الاولاد بعد ان تعقروهم كى نستخدمهم لتقطيع الاخشاب و نقل الماء .
و قالت زوجة يوشع : جسدى خشن و انى غير راضية عنه ، وقد سمعت ان حمام الدم يجعله ناعما مثل الحرير ، اريد بركة من الدم اغطس فيها فى كل ليلة .
قال يوشع : وفروا امانيكم فكلها سوف نحققها .
و عندما جن الليل اعلن يوشع عن أخر احتفال يجريه فى الصحراء .. فاضيئت المشاعل و رقص العبريون فى احتفال دموى رهيب .
قال الاحبار : لتكن أخر ليلة لنا فى الصحراء .. اننا نبيح لكم فعل ما تشاؤون ذنوبكم فى هذا اليوم مغفورة .
و قال يوشع : فليكن نسل هذه الليلة من الابكار كيما يحتلوا باقى اجزاء فلسطين .
بعضهم استنكر ، و البعض الاخر فرح ، لكنهم فى النهاية دقوا اوتاد خيامهم جيدا و اغلقوها جيدا و شربوا حتى الثمالة ، و ما ان اعلن الصبح قدومه حتى انسحب كل الى خيمته لنيل قسط من الراحة .
لاحت اريحا بمبانيها الجميلة فوق حلة من الخضره ،، و فتح جند يوشع عيونهم رهبة و خوفا و اخذوا يعدون على اصابعهم بانتظار الليل ، و عندما رسم الشفق الاحمر خطوطه الجميلة فوق سمائها شدت اعصابهم كالاوتار .
قال يوشع لجنده : فلنقض جزءا من الليل دون نيران او طبول او ما ينبىء بوجودنا ، و عندما نعطى اشارة البدء ادخلوها و اعملوا السيف فيها بقوه .
قال الاحبار الذين يحملون الموكب : كونوا رفقاء بالحيوانات فسوف نستخدمها لاغراضنا و نمون جيشنا من لحومها ، اما ما عدا ذلك فالرب يقول لكم هم غنيمة لنا يقتلونهم او يأسرونهم سيان .
قال الجند بصوت واحد : لن يكون هنالك اسرى .
ضحك يوشع و قال : هكذا يريد الرب لبنيه ان يكونوا .
وفى غضون الاستعدادات حدثت اشياء مهمة فى صفوف العبريين ، بعضهم خاط ( خروجا ) كى يعبئها بالذهب ، و البعض الاخر شحذ سكينه جيدا و افتخر امام رفاقه بان يكون له السبق فى ذبح اكبر عدد من الاحياء .. وثالث جاء الى اطفاله ليقص عليهم رواية شعب الله المختار الذى صرح لهم باعتلاء ظهور اطفال (الاغيار ) و استخدامهم بدل الحيوانات الصغيرة .وفى لحظة سكون وقف يوشع فى جيشه خطيبا و استخدم السعاة كى ينقلوا خطبته لمن لا يسمع .
قال يوشع : كونوا اقوياء .. لا ترحموا طفلا ولا امرأة ولا شيخا .. قصوا الاشجار المثمرة ..لا اسرى فى معاركنا مع الكنعانيين ، نساؤهم ملك لنا و كذلك اطفالهم نستخدمهم كيفما امرنا الرب ، لا يجب ان ينجب الاطفال اذا كبروا ، لا خبز لدينا لاطعام الكبار .. الشيوخ لا يزرعون الارض ولا يبنون القلاع فلا حاجة لنا بهم ، كل امرأة من العبريين تخدمها امرأتان من بنى كنعان حميرهم و دوابهم و ادوات حراثتهم و مزارعهم و بيوتهم مكتوبة لنا منذ الازل .
صاح جنود يوشع : لن نكون الا ما ذكرت .
و قال يوشع : ها هو الرب يأمرنى ببدء المعركة فهيا …
انطلق العبريون فى منتصف الليل نحو اسوار اريحا .. استخدموا المجانيق و العربات الحربية وكل ما يملكون من أدوات الحرب ، دافع حراس الاسوار لكنهم تهاووا واحدا اثر أخر ،، و عند الصبح كانت ابواب اريحا قد حطمت فدخل الغزاة .تحولت اريحا الى بركة هائلة من الدماء ،، و انطلق العبريون يعيثون فيها خرابا لاسبوع متواصل فقد قطعوا كل الاشجار المثمرة التى كانت تعطى اريحا رائحة عطره ، و تلون الارض بكسوة من الخضرة الزاهية ، ومن وقف من بنى كنعان امام بيته يحمل السيف يدافع عنه هدموه و صلبوا صاحبه و دقوا يديه بالمسامير .
و سيق الاطفال و النساء زرافات الى يوشع الذى تربع فوق عرش من خشب الصندل ، ثم امر ان يستعرض الجمع امامه حفاة يستعطفونه بذلة و انكسار فكان له ما اراد .
قال يوشع : احمدوا الرب على ان ابقاكم احياء ..
ثم وجه نظره الى حراسه و اضاف : فلتأخذ كل امرأة من نساء العبريين امرأتين من بنى كنعان لحمل جرار الماء و تربية الحيوانات الداجنة ، و ليكن الاطفال ذكورا بلا نسل نستخدمهم فى امور الرى و الزراعة لما يكبرون .
و سيق الاطفال كخراف الى المذبح ، ولم تمض شمس ذلك النهار حتى كان العبريون يقيمون احتفالا عظيما ، النساء الكنعانيات يحملن الخراف المشوية على رؤوسهن و يقدمنها لجنود يوشع المنتصرين ، ثم يلقى الجنود عليهن عظام الذبائح جرداء ، الاطفال يحملون اباريق الماء و يدورون بين الجمع كى يروى الجنود عطشهم بعد اكلة دسمه .
قال طفل لم يتجاوز العاشرة بعد ان ضربه احد الجنود على مؤخرته : اين انت يا سمحون العظيم اين روح بنى كنعان ، وفى الحال غرست حربة فى صدره ، و عندما دنا من ارض اريحا انكفأ على وجهه كى يشم ترابها بشغف .
وقال طفل أخر : انظر ماذا فعلوا بطفلك يا سمحون العظيم .
عاجلته الايدى فخر صريعا ، و لحقت به امرأة كنعانية كى ترفع جسده عن الارض فعاجلتها الحراب ..ثم تتالت الضربات فرتبت مذبحة دموية بين الصخب و الصراخ و الضحكات ، و عندما غادر جنود يوشع مكان الاحتفال ، كانت الجثث منكفئة على وجوهها و الدماء تغطى المكان .
***
و مضت ليال اخرى .. و يوشع الذى هدم ابنية اريحا يجلس على شرفة قصره يرقب فتيات بنى كنعان وهن يحملن الطين على رؤوسهن و السياط تلهب اجسادهن لاكمال ابنية المدينة التى قرر العبريون اقامتها ، يستعرض الجمع فى كل صباح و يعلو رأسه عندما تستعطفه امرأة او يشكو له طفل من بنى كنعان ، فيظهر الرأفة ثم يوعز لجنده بقطع دابر الشكاوى بالحراب .
كانت الجثث التى يعثر عليها في جوانب الطرقات تكثر يوما بعد يوم ،، و كانت الجثث التى يعثر عليها خارج المدينة تكثر ايضا ، ذلك ان الكنعانيات كن يرتبن رحلات جماعية للهرب الى اورسالم ثم يلاحقهن الجنود فى سهل اريحا فلا تنجو امرأة .
اما اطفال بنى كنعان فقد تحولوا الى حيوانات صغيرة يلهو بها اطفال العبريين ،يركلونها ،، يركبونها ، فاذا ما ملوا من اللعب اعيدت هذه ( اللعب) الى حظائرها الجماعية التى بنيت خصيصا لتسلية اطفال العبريين .
و فى غضون الشهور التى تلت اقام العبريون قلاعا فوق الاسوار . و حصنوا بيوتهم بحيث غدت منيعة ، و اخذوا يطرقون السيوف و يبنون العربات و يتهيأون لضرب الكنعانيين فى باقى ديارهم ، و فى كل ذلك استخدموا نساء بنى كنعان و اطفالهم ، حملوهم ما لا طاقة لهم به فكان بعضهم يهوى على قارعة الطريق جوعا و عطشا فلا يكلف العبريون انفسهم غير حفرة صغيرة على جوانب الطرقات حتى لاتنفذ رائحة الجيف الى انوفهم .
و فى كل مساء ، عندما ترمى شمس اريحا الصفراء خيوطها على الحقول المترامية ، كان يوشع يسير فى موكبه مختالا يتفقد الجموع و يشرف على البناء و يرى ما تم انجازه ، فاذا ما رأى تلكؤا من الاسرى امر بجلدهم بالسياط حتى يتابعوا بنشاط ، ومن كبا منهم على وجهه او جثا على ركبتيه لاحقته السياط حتى تقتله ، ومن شكا او تذمر سيق الى حفرة حيث يدفن حيا .و مع بزوغ شمس الصباح من كل يوم ، كانت صفوف اطفال بنى كنعان تتجه تحت الحراسة الى نهر الاردن و هم يحملون الماء على ظهورهم و نخزات جنود العبريين تلاحقهم ، فاذا ما وصلوا اماكن البناء افرغوا قرب الماء و عادوا ثانية لملئها .و يظلون على هذا الحال حتى تتوسط الشمس سماء اريحا فيقدم لهم فتات الخبز المغمس بالماء .
****
قال الاحبار : يا جنود الرب ، انتقوا لنا عشرة اطفال سمان لخدمتنا اثناء القداس
قال الجنود : ليكن ما امر به الاحبار .
غادرت ثلة من الجنود معبد الرب لتنفيذ ما قاله الاحبار ، و عندما وصلوا الى ( حظائر) الاطفال ترجلوا عن جيادهم و حاولوا الدخول ، لكن الحجارة انهالت عليهم مثل المطر فتراجعوا ،
، حاولوا الدخول ثانية لكن الاطفال كانوا قد تمترسوا جيدا و ملآوا سلالهم و جيوبهم بالحجارة .ولم يمض طويل وقت حتى تراجعت ثلة الجنود مسرعة الى قصر يوشع لابلاغه عما يحدث .
كان يوشع يجلس على عرشه يتابع ضربات السوط و هى تنهال على جسد امرأة كنعانية رفضت ان تعمل فى قصره ، يعدها ثم يقهقه و يبدأ العد من جديد .
والى جانبه جلست امرأة جميلة تعض شفتيها كلما هوى السوط على جسد المرأة الكنعانيه ،
فاذا ما رأت من الجلاد تهاونا وقفت على قدميها و انتزعت السوط من يده و تابعت بجنون ،
يضحك يوشع ، يقهقه ، ثم يسترسل فى حديث مع احد قواده بينما ضربات السوط لا تزال تعطى صوتها الرتيب مصحوبا بالانين المتقطع .
• أترى ما تفعل الغيرة ايها القائد .
قال يوشع و هو يبتسم بجذل ثم تابع .
• الكنعانية جميلة ، ولقد خشيت زوجتى ان تستأثر بى ذات ليلة فتقود دولة العبريين الى الهلاك .
ثم تغيرت ملامح وجهه و كشر عن اسنانه الصفراء و قال :
• و هكذا ترى ،، اذا كانت امرأة تقتل امرأة اخرى غيرة فانى اموت غيظا كلما سمعت ان سمحون ملك الفلسطينيين لا يزال متربعا على عرش اورسالم ، يحكمها كيفما يشاء ، و يسير فى طرقاتها ومزارعها دون اكتراث .
– هز القائد رأسه علامة الايجاب و قال :
• لم يبق من الوقت غير القليل ، ان ابناء الرب يطرقون السيوف أناء الليل و اطراف النهار، فاذا ما حان وقت العمل انقضضنا على سمحون مثل الذئاب فلا يجد له مفرا غير ان يقع فى قبضتنا
• ، و عندها يا سيدى سوف تشفى غليلك منه بالطريقة التى تعجبك .
قال يوشع :
• أه لو تحقق هذا الامر ، لاصبحت ملك هذا العالم الدنىء و لجعلت العبريين يستخدمونهم دوابا للركوب ومادة للعلف و الغذاء ،
توقفت ضربات السوط ، عادت ملكة العبريين الى مكانها و هى تلهث تعبه ، حدق يوشع فى الجثةالملقاة امامه ثم تحرك اصبعه أمرا ان تسحب الجثة الى الخلاء ، اطرق قليلا ،، ولم يطل صمته حتى دخل عليه جندى مدجج يلهث تعبا .
قال يوشع :
• ما بك ايها الجندى ؟
جثا الجندى على ركبتيه و قال :
• سيدى العظيم ملك العبريين و قائدهم ، اطفال بنى كنعان يهاجموننا بالحجارة و يمنعوننا من تنفيذ اوامر الاحبار .
صرخ يوشع بغيظ .
• ايها الغبى .. كيف تسمح لنفسك ان تتحدث بمثل هذا امام يوشع .ثم تطلع الى وجه قائده مكشرا و قال :
• لسنا بحاجة للاطفال ، زيدوا وقت عمل النساء الكنعانيات فنستعيض عنهم .
ثم دار حول نفسه و نظر الى خاتمه و ضحك . و فى غضون ذلك خرج القائد من الساحة مسرعا و اتجه الى حصانه و اعتلاه .
*****
ترجل يوشع عن حصانه و القى نظرة عجلى على الدخان المتصاعد نحو سماء اريحا و ابتسم ، ثم سار و جرد سيفه واخذ ينخس جثث الاطفال الملقاة فى الساحة ضاحكا مبتسما .
قال قائده بفخر:
• اترى يا سيدى ، لقد قذفناهم بالمنجنيقات اولا حتى تهدمت البيوت ، ثم جاء دور العربات لتقتحم الموقع و نقضى على من يحاول النجاة من اطفال بنى كنعان ، و جمعت ثلل من الجنود اكواما من الحطب و اشعلت النار فى المكان حتى لا تتسرب الى انوافنا رائحة الجثث العطنه .
قال يوشع :
• اقدم لك شكرى ايها القائد ،، زيدوا عمل نساء بنى كنعان ضعفا لنعوض النقص الذى حدث
قال قائد أخر
• و لكنهن يا سيدى يعملن منذ طلوع الشمس حتى مغيبها .
قال يوشع
• ليكن عملهن الى ما بعد منتصف الليل .
رفعت ( جثة) ملقاة على طرف الساحة رأسها مستعطفة ، صاح يوشع فزعا .
• اترون ، انهم احياء ايها الاغبياء ،، انهم احياء .
هجم القائد على الجثة و اشبعها ضربا بسيفه حتى مزقها قطعة اثر اخرى ، و تنفس يوشع ملء رئتيه وقال:
• اعيدوا حساباتكم فى المرات القادمة ، لا يجب ان تتنفس ( جثة ) بعد طعنها .
ثم نظر الى وجوه قواده بغضب و اعتلى ظهر حصانه متجها الى داخل المدينة ..
*****
فى الطريق لاحت له شوارع اريحا غارقة فى الظلمة رغم طلوع النهار و سطوع الشمس ،
لم يحفل بالتصفيق و الهتاف الذى يلقى على مسامعه ، بدا ساهما محزون النفس كئيبا ،ولم يستطع مرافقوه ان ينبسوا بكلمة خشية انفجار غضبه ، و عندما وصل الى القصر رأى مجموعة من نساء بنى كنعان يشذبن حديقته و ينقلن الحشائش الى امكنة بعيدة ، وفى لحظة تحول سكونه الى انفجار مخيف ، ترجل عن حصانه و اخذ سوطه و لحق بهن يكويهن بجنون ، ومع كل ضربة سوط كان صراخه يعلو تارة بالضحك و اخرى بالعويل و الصراخ تشفيا و غيظا .
نظر القواد الى وجوه بعضهم نظرات ذات مغزى ، ومع متابعة السياط على اجساد الكنعانيات قال قائد أخر :
• اكبر ظنى ان لوثة اصابته .
قال الاخر
• اخفض صوتك يا هذا ، و الا استبدل الكنعانيات بك .
عاد يوشع و نظر الى وجوه قواده بغضب و السوط فى يده ، و لم يلبث ان انطلق صوته بضحكات مجنونة تخترق ردهات القصر و تصل الى مسامع الحاشية فى داخله .
جاءت ملكة العبريين على عجل تحف بها الزهور و حاملات الزينه ، و نظرت الى وجه يوشع و الى قواده فرأت الدماء تغطى ايديهم ووجوههم و ملابسهم .
قالت الملكة :
• هل انتصرتم فى مذبحة جديدة .
نظر اليها يوشع ببلاهة ، و هز احد القواد رأسه بالايجاب .
قالت الملكة :
اذن لم كل هذا الغضب و ذلك الجنون ، ادخلوا الى القصر فانى امرت باعداد مائدة ضخمة تليق بالمنتصرين .
اعاد يوشع سوطه الى مكانه و سار نحو القصر ببطء يتبعه قواده .. تربع على اريكة ضخمة و نظر الى أنية الطعام المرصوفة فى القاعة مملوءة بالاطايب التى ولدتها ارض اريحا ،لكن نفسه ظلت على حالها كئيبه ، ومع بداية الطعام نهض يوشع بعصبية و غادر القاعة مسرعا فتبعه قواده ، و ذهلت الملكة لكنها تماسكت و امرت باقى المدعويين بالجلوس فى اماكنهم و متابعة الطعام .
سار يوشع فى شوارع المدينة على غير هدى ثم اتجه الى ورش صنع السيوف ليرى ما وصلت اليه .
*****
و مضت ليال اخرى .. و اريحا التى هدمت اسوارها و قتل اطفالها تنام حزينة فى احضان ذئب مفترس ، تنتظر الفارس الكنعانى ملهوفة كانتظار الارض العطشى لقطرات الماء .
وفى كل ليلة كان يوشع يجلس الى شرفة قصره لينظر الى بيوت اريحا المرهقة النائمة فى ظل الخوف و الفزع ، و عندما ينتصف الليل يشد قبضته و يلقيها فى الهواء متوعدا صارخا يستزل اللعنات على بنى كنعان و سيدهم سمحون الملك ، و يظل على هذا الحال تأخذه الرجفة و الغضب حينا الى ارتكاب الجرائم فيستدعى كنعانية للتلذذ بمنظر دمها و هو يسيل على شرفة قصره ، و يأخذه الصراخ احيانا اخرى الى حالة من الفزع و الاضطراب لا يفيق منه الا فى الصباح عندما يجد نفسه نائما على سريره الحريرى يحف به الخدم و القواد .
*******
و اريحا كعادتها تظل ارضها عطشى الى ان يأتيها الغيت ، و فى ذلك الصباح ، حيث تمدد يوشع على سريره الحريرى و حوله القواد و الخدم ، جاءه من ينبئه ان جنودا بعدد الرمل تقف على التلال المشرفة و تنظر الى اريحا عن بعد .
اهتز يوشع من قمة رأسه الى اخمص قدميه ، و ارتدى لباسه على عجل صارخا بقواده ان يتبعوه . و نفخ فى ( قرن الثور ) ذلك النهار ، فاجتمع القواد على عجل فى لقاء سريع انفضوا بعدها كل الى جنده ليضعهم فى حالة استعداد لمجابهة الخطر ، و بقيت عند يوشع تلك الصفوة من القواد الذين ينفذون ما يأمر به حال الاشارة و دون كلمة منه .
قال يوشع :
• ها قد استعد سمحون قبلنا وعزم على تخليص اريحا من بين ايدينا ، فبماذا تشيرون .
قال احدهم :
• نأخذهم فى الليل على غفله ، نزحف اليهم دون صوت او ضوء فنفاجئهم و نشتت شملهم و نلحق بهم الى اورسالم حيث نهدمها على رؤوسهم .
وقال أخر :
• بل نملآ سهل اريحا كمائن نفجؤهم بها عندما يهجمون فنبيدهم عن أخرهم .
و قال ثالث :
بل نحصن انفسنا داخل الاسوار التى بنيناها منيعة فاذا ما جاءوا وجدوا صعوبة فى فتحها فيعودون من حيث اتوا .
و قال رابع :
* سيدى يوشع العظيم ، انها أراء جبانه ، فليكن رأيك هو الرأى الشجاع .
نظر يوشع من شق خيمته الى الفضاء ،، ودار برأسه حول تلال اريحا فرأى خيول سمحون وجنده تقف على التلال مثل الاشجار لا تعبأ بالريح .
قال يوشع :
• فليكن سهل اريحا لقاؤنا بهم ، و لتضعوا الكمائن فى السهل ليلا حتى اذا ما تحرك الينا فاجأته النبال فعاد من حيث اتى .
قال الجميع بصوت واحد : اوامرك ارادة الرب ايها القائد ثم انصرفوا كل الى عمله و لم يبق غير مقرب من القادة الى جانب يوشع .
الى للقاء في الجزء الثالث +++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

