فن وثقافة ….
بقلم : راوية وادي – فنانة فلسطينية تقيم في كندا
هل سيضحك؟ .. هل ستروقُ له؟ … هل سيحبها؟ .. هل ستمضي الليلةُ على خيرٍ؟ .. هل سأبقى محظوظاً لديهِ؟
دخلَ عليهِ يترنحُ كالسكرانِ في حركاتٍ بهلوانيةٍ، و ملابسَ غجريةٍ، و غطاءِ رأسٍ يشبهُ رأسَ الطاووسِ، و يلبسُ قلائدَ ملونةً كقلائدِ البدوية. و لكنَ الرجلَ الذي توسطَ القاعةَ العاليةَ السقوفِ، و المليئةِ بالتحفِ و الضيوفِ نظرَ إليهِ كمن اعتادَ المشهدَ أجابَ على كلِ الأسئلةِ التي راودتهُ قبلَ دخولِ الديوانِ: هل لديكَ جديدٌ؟ .. فمن القديمِ الباهتِ .. لا أريدُ المزيد. و أردفَ بلهجةٍ آمرة:أريدُ الليلةَ ما يضحكني حتى تملأَ القهقهاتِ الأرجاء .. و ينتابني الضحكُ حتى البكاء. و استطردَ السيدُ قائلاً: لقد أمضيت وقتاً طويلاً في هذا البيتِ تصنعُ ما تصنع، و أعتقدُ أنك استنفذتَ ما لديكَ من حسِ الدعابةِ و الفكاهةِ، و لزمَ أن ترتاحَ و تتركَ هذا العملَ لشابٍ صغيرٍ يعرفُ الجديدَ من النوادرِ و الفكاهةِ و العروضِ المضحكة. توسطَ القاعةَ ليبدأَ عرضهُ الفكاهي … و لكن السيدَ استوقفهُ برفعِ سبابتهِ قائلاً: حسناً دعنا نحتفلُ بهذا اليومِ على اعتبارِ أنهُ يومكَ الأخيرِ في العمل. وقفَ كالمذهولِ.. الذي التبست عليه الأمور، و نسيّ ما أرادَ أن يقول.شعرَ براحةٍ غريبةٍ .. جعلته يستدركُ الموقفَ و حَرجَهُ، و أنَّستْهُ ثقلَ المصيبة. قال حامد: أتسمحُ لي يا سيدي بدقيقةٍ أغادرُ القاعةَ، و أعودُ بسحنةٍ و هيئةٍ جديدة. أشارَ الرجلُ بكفِ يدهِ التي فردَ أصابعها بسرعةٍ في الهواءِ دونَ الكلامِ أو النظرِ اليه موافقاً.
لم يتأخرْ.. و عادَ و توسطَ القاعةَ، نظرَالسيدِ اليه باستغراب.. ثم وجهَ الحديثَ لخادمهِ غاضباً: أينَ ذهبَ ذلكَ الأحمق ؟ قل له أن لا يأتي.. و ادعُ المهرجَ الجديدِ للدخول. أنا هنا يا سيدي.. منذ دقيقة قال حماد. سأل السيد: ممتعضاً من أنت؟ تمنى لو أنه سأله هذا السؤالِ قبلَ عشرِ سنواتٍ حينَ قابلهُ في أحدِ الأسواقِ، و أعجبَ بأدائهِ الفكائي، و طلبَ منه أن يعملَ عنده في القصر.قفزَ في الهواءِ فقزةً عاليهً.. رافعاً كلتا يديهِ … ثم فردها، و دارَ دورةً كاملةً و هبطَ برشاقةٍ شديدةٍ- حرصَ عليها سنواتهِ العشرِ في القصرِبممارسةِ تمارينٍ قاسيةٍ و بحرمانِ نفسهِ من الطعامِ الذي يحبه- ضحكَ الحضورُ، و صفقوا استحساناً لرشاقتهِ و خفته. تربعَ على الأرضِ في حركةٍ استعراضية و قالَ: كان يا ما كان في شاب كسلان .. زاهد و عن العلمِ راغب، و قطعَ والداه الأملَ في حثهِ على العملِ، و غيرِ السخريةِ و الفكاهةِ ما أحسن، و ظنَ أن بهِ من النجابةِ و الفراسةِ… ما يغنيه عن العلمِ و الدراسة. تركَ لوالدهِ العجوزِ دكانهُ الصغيرِ الذي يأتي بالمالِ اليسيرِ، و يقضي من حاجاتِ الدنيا القليلِ اللازم …. و ظنَ أن قدرهُ بالفقرِ لا محالةَ لازم. أخذَ قرارهُ بتركِ القريةِ و العجوزين، و شقَ طريقهُ الى الشهرةِ و المجدِ بروحِ الدعابةِ و المزاحِ و خفة ذاتِ اليد بلا تعبٍ و لا كد.
عملَ في السوقِ مهرجاً، يضحكُ العبادَ، و يتندرُ بحكايا الصبايا، و سير أمجادِ الأجداد. نجحَ في كسبِ حبِ البسطاءِ، الذين اشتروا البسمةَ التي قطعت وصلها مع قلوبهم المتعبة. و ذاتَ يومٍ و في السوقِ و قد أتت السياراتُ الفارهةُ في موكبٍ مهيبِ لسيدٍ أتى يتفد الرعيةَ و السوق. أدى فقرته الإستعراضية، و ضحكَ السيدُ .. حتى علا صوتُ قهقهاتهِ، و ملأَ صداها المكان. استأجره الرجلُ ليصبحَ مهرجَ القصر.عادَ ذلك اليومَ الى البيتِ يملأُ قلبهُ الفرحَ، و أحسَ بنشوةِ الانتصارِعلى الفقر. و حين أخبرَ والديه بالأمرِ، قال له أبوه: يا ولدي ابحث لك عن صنعةٍ أو حرفةٍ تحبها و تعلمها، و اعمل بها أكرمُ لك و أفضل من هذه المهنة. قال لأبيه مازحاً: أعمل ما يسعدني، و أكثرُ ما أحبُ و أرغبُ أن أعملَ مهرجاً. ردَ أبوه قائلاً: تضحكُ الآن .. و ستُضحِكُهم و سيضحكون حتى تدمع منهم العيون .. و سيضحكُ من جهلك الزمانُ و تعصرك الحسراتُ كعصرِ الليمون، فحين ترغب عن صنعةَ المهرجِ … و ترغب أن تعودَ رجلاً … سيرفضك من حولك، و إن لبست لباس العقل يوماً .. سينعتونك بالجنون.
أفاقَ من فِكَرِهِ ، و قفزَ قفزةً سريعةَ .. ثم دارَ نصفَ دورةِ، و تشقلبَ في الهواءِ…. ثم قفزَ على الأرضِ كالضفدعِ… مما أثارَ الضحكَ في القاعةِ، و بسطَ يديهِ باتجاهِ سيدهِ و قال: عشتُ معك يا سيدي عشرةَ سنين … لم ترَ فيها وجهي … و لم تعرفُ فيها اسمي. عرفتَ مني النكاتِ و الألاعيب … التي لا حرامَ فيها و لا عيب، و أنا أذكرُ من الناسَ حسناتهم و العيوب، و أتندر بأفراحهم و أحزانهم، و أسخرُ من أصواتهم و هيأتهم ….. لتضحكَ يا سيدي …. و يَسْعَدَ مساؤك. اليومَ يا سيدي سأتركُ هذه الساحةَ ،و يسكنُ قلبي الراحة ….. و إن كانَ مزاحي قد سرقَ مني رفاقي، و دعاباتي و سخرياتي أضاعتْ مني طيب أعمالي و حسناتي. فاعلم أني قد اجتهدت لأرضيكَ، و كنتُ حريصاً على أن لا أمضي نهاري سوى في البحثِ عما يسليك ،و قد ألزمت نفسي بشرطك أن آتيك كل يوم بالمضحكِ الجديد.
أشكركَ يا سيدي أن أعدت لي حريتي و أعتقتني …. من جورِ نفسي على نفسي … و قسوةِ قلبي على قلبي. أشكرك أنك أعدتني رجلاً لأبحثَ عن هويتي. نظرَ إليه السيدُ بغيرِ اهتمامٍ و قال: هذا عرضٌ ختامي لا بأسَ به…. أمرَ خادمهُ بصرفِ مكافأةٍ له .. ثم أشار بسبابتهِ لحامدٍ بمغادرةِ القاعة، و وجهَ الحديثَ للخادمِ قائلاً: ادخلْ المهرجَ الجديد … لنرَ إن كان لديهِ ما نرغبُ و نريد.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

