أزمة النُظم الديمقراطية الليبرالية – هل تحل الديمقراطية الرقمية المشكلة؟ بقلم : مهند ابراهيم ابو لطيفه

دراسات …..
مهند إبراهيم أبو لطيفة – الاردن …
ليست إجتفالية بالإستبداد وأشكاله المُختلفة، ولكنها محاولة لتشخيص واقع ما تُعانيه الديمراطية الغربية في هذه المرحلة التاريخية ، من أزمة حقيقية.
كل من يتابع المشهد السياسي العالمي، وتحديدا منذ وصول الرئيس الأمريكي ترامب، إلى سدة الحكم، يلحظ كيف يتابع العالم هذا الخطاب الشعبوي، ومدى تعبيره عن أزمة الديمقراطية الليبرالية.
مثلت النُظم الديمقراطية الغربية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بارقة أمل لكثير من الشعوب، في قيام مجتمعات الحرية والعدالة والرفاهية الإقتصادية، واحترام الحرية الفردية. وكانت معظم شعوب العالم، تنظر إلى الديمقراطية الغربية، على أنها أقضل النُظم السياسية التي يمكن أن يحققها الإنسان.
ومثل نمط الحياة الغربية، نموذجا يطمح الكثيرون في أن يسود في بلدانهم، خصوصا وأنهم يعانون من مشاكل حقيقية ، إجتماعية وإقتصادية في ظل أنظمة الحكم الديكتاتورية والمستبدة والفاسدة.
ومع سقوط الإتحاد السوفيتي، تعززت الثقة من جديد، بالنظام الديمقراطي الليبرالي، وشهدت الكثير من دول العالم، تحولات ديمقراطية على النمط الغربي، كان أهمها في دول الإتحاد السوفيتي السابق، والمُعسكر الشرقي.
ومنذ سنوات، ترتفع الأصوات التي تنتقد هذه الديمقراطية، تنتقد آلياتها، وتشكك في صلاحيتها، للتعبير عن مصالح الشعب، ومطالبه المعيشية والإجتماعية والثقافية.
فمعظم الأحزاب السياسية الديمقراطية التقليدية ، تعاني من تراجع كبير في عدد المنتسبين في صفوفها، والمشاركين في فعالياتها وأنشطتها. في حين تزداد جاذبية الأحزاب الراديكالية (اليمينية واليسارية). ويستقطب الخطاب الشعبوي المزيد من الفئات الشعبية.
ترتفع المطالبة أيضا بمزيد من المشاركة الشعبية في صياغة القرارات السياسية، ومن أجل مزيد من الحرية، والعدالة الإجتماعية، والتوزيع العادل للثروة، ومزيد من الرفاهية الإقتصادية، والحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية أو القومية، ونحو مزيد من الرقابة المؤسساتية على الطبقة السياسية . وتنتقد عدم إنتاجية الأحزاب مثل السابق.
تغير المزاج العام في هذه الدول- حسب معظم الدراسات – ، ولم يعد يثق بأن الإرادة الشعبية، تتم ترجمتها في السياسات الحكومية، رغم الإنتخابات. وهناك تراجع عام في فعالية مؤسسات المجتمع المدني، والنقابات المختلفة.
وتسود حالة من الإحباط الملحوظ، نتيجة الإحساس العام بأن الصوت الشعبي، فقد قيمته، وأن الآليات الإنتخابية ، توصل نواب منتخبين إلى البرلمانات، ولكنهم عاجزون عن الإيفاء بوعودهم. وان الأوليغارشية هي من تتحكم في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وتتحكم بصياغة القرار السياسي.
تعبر الأزمة عن نفسها أيضا، في تردي الأوضاع الإقتصادية ،وتراجع مستوى المعيشة، ارتفاع نسبة البطالة ، و عدم الرضى في أوساط الشعب عن التحولات الإحتماعية التي سببتها موجات الهجرة في السنوات الماضية ، وتراكم سلبيات الإعلام الجديد ( الأنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي) وما حملته من إضعاف لتقاليد التواصل الإنساني المباشر، وتفكك الأسرة.
وتعبر عن نفسها كذلك ، في تزايد التفاوت الطبقي في المجتمع، ومركزة رأس المال، والتحول من الإنتاج الصناعي إلى الإقتصاد الخدماتي، وانتقال كثير من المصانع خارج القارة الأوروبية، وغزو المنتجات الصينية الرخيصة.
لم تعد حتى أغلبية النُخب السياسية ، على قناعة بأن الديمقراطة والليبرالية ، يجب أن يكونا في حالة إندماج دائم. و لم تعد الديمقراطية تُمثل الحالة التوافقية، التي تستند على عقد إجتماعي، أو تطبيق فعال للدستور. أصبحت حالة مثالية، يكشف زيفها الواقع.
لعبت الهيئات والكيانات غير المنُتخبة مثل : مجموعات المصالح واللوبيات، والمنظمات غير الحكومية : البنك الدولي، صندوق التقد الدولي، منظمة التجارة الدولية، وتأثيرها على صياغة السياسات، دورا سلبيا في فُقدان الثقة بالديمقراطية الغربية.
لا يُعنبر نقد الديمقراطية، بالشيء الجديد على الفكر السياسي، فهو موجود بإستمرار ومنذ سقراط، أرسطو، ونقد الديمقراطية الإثينية. وصولا إلى كليكاس، كتابات باريتون، أرنولد تويني ، وغيرهم من الكتاب المعاصرين.
منذ سنوات، يدور نقاش حول إيجاد حلول للأزمة، فالبعض يطالب بالعودجة إلى الديمقراطية الشعبية، أو الجماهيرية المباشرة، أو التداولية. والبعض الآخر يطالب بالإستعانة بنتائج ثورة المعلومات والإتصالات، والثورة الرقمية، وتطبيق الديمقراطية الرقمية(Digital Democracy) أو الديمقراطية السائلة (Liquid Democracy).
تتصور الآراء التي تقترح تطبيق الديمقراطية الرقمية، أنها كفيلة بحل الأومة. وستساهم في دمج التكنولوجيا في العمل السياسي، وممارسة الديمقراطة، على أمل تعميق وتوسيع المشاركة وتجاوز حدود الزمان والمكان والظروف، والتوفير المادي، وسهولة الإستخدام، وكسب مزيد من اأصوات. وتُجري محاولات في اسلاندا، وغيرها من الدول للتحضير لهذ النقلة.
ليست الأزمة التي تعانيها الديمقراطية الليبرالية، هي إيجاد مجتمع إفتراضي (Virtual Community)، ولكنها أعمق من ذلك بكثير وتتعلق في جوهر النظام الرأسمالي، ومنظومة القيم العولمية التي تسبب مثل هذه الأزمات، المرشحة للتصاعد والتفاقم.
فبين عالمين مختلفين: أحدمها يعيش ما بعد الحداثة، وآخر يعاني من التخلف وغياب التنمية والمساواة، ويعاني من الهيمنة ، وغياب كيان دولة قومية حديثة، لن تقدم الديمقراطية الرقمية حلولا إجتماعية، إقتصادية، ثقافية جذرية ، بل مجرد قناع جديد أو حلول شكلية، لا تلبي طموحات الشعوب.
ستزداد حالة الإغتراب في المجتمعات، وسيجد التطرف بمفهومه الواسع، بيئته المثالية، إن المنظومة كلها تُنتج التطرف، العنف، الإرهاب.