آراء حرة …..
بقلم : مهند إبراهيم أبو لطيفة
يروج منذ سنوات عديدة في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية لتعريف مغلوط لمفهوم السياسة، على أنها ” فن تخقيق المُمكن “، بدلا من أن تعني : فن تحقيق الصعب. كذلك لمفهوم الواقعية السياسية، تبريرا للعجز والإنهزامية.
نفس هذه الأوساط حريصة بشكل لافت – للتقليل من أهمية مقاومة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي- على الترويج لما تسميه ” دواعي الأمن الوطني والقومي” و ” المخاوف الإستراتيجية “، وتعتبر موقف من يتصدى للتطبيع، إمتداد لخطاب الستينييات ” الخشبي واللاعصري” في زمن العولمة والحداثة.
ليس من المهم الإنسياق خلف هذه الطروحات لمعرفة دوافعها الحقيقية، ولكن الأهم هو التأكيد على أن طبيعة الصراع مع الكيان الإسرائيلي الإستعماري الإستيطاني التوسعي، الجاثم على صدر الشعب العربي الفلسطيني والمنطقة، هو صراع وجودي، كان وما زال وسيكون.
هناك مقاربة تاريخية هامة، بين طبيعة هذا الإحتلال ومملكة بيت المقدس أو مملكة القدس اللاتينية، وهي المملكة الكاثوليكية التي شكلت أكبر الممالك الصليبية في بلاد الشام { 1099م-1291م} ، وكانت قاعدة متقدمة في الشرق، لديها دورها الوظيفي وسعت للتوسع التدريجي على حساب محيطها بعد أن كانت مجموعة من البلدات والقرى، لتشمل جميع أراضي فلسطين التاريخية، إضافة إلى لبنان وأجزاء من الأردن وسوريا وسيناء، وحاولت التمدد نحو العُمق المصري.
ولضمان وجودها وتعويضا عن ضعفها من الناخية الديموغرافية والجغرافية، عقدت تحالفات مع ممالك صليبية أخرى في الشرق كإمارة الرها وإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس.
بالرغم من جميع محاولات الإختراق والتطبيع والتحالفات مع محيطهاـ وبالرغم من الدعم الخارجي الكبير، وبعد قرابة قرنين من الزمن، سقطت المملكة وبقيت فلسطين العربية.
وهذا الدرس التاريخي يعيه ويدرسه الإحتلال وبعض وسطه الأكاديمي.
كان من أهم الأسباب التي قادت لسقوط مملكة بيت المقدس،أنها كانت كيانا غريبا عن المنطقة بدأ يفقد تدريجيا دعمه الخارجي، ولوجود قيادات ونخبة عربية وإسلامية واعية لطبيعة الصراع الوجودي، وإلتفاف شعبي واضح الرؤية والأهداف العقائدية، وتوفر الدعم من المُحيط الذي يتجاوز الطائفية والعنصرية والإقليمية، وهي أهم عناصر نجاح أي مشروع وطني تحرري.
إن رفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ليس موقفا عدائيا موجها ضد أتباع دبن أو عقيدة بعينها، بل ضد مشروع صهيوني عنصري إقتلع شعبا مسالما من أرضه بكل وحشية ، دون أدنى إعتبار لحقوقه وتاريخه وآدميته وللأسباب التالية أيضا:
1-التطبيع إقرار بشرعية الإحتلال الغاصب والقبول به والتعايش معه، مما يعتي إسقاط حقوق الشعب العربي الفلسطيني والتنكر للبُعد الإسلامي، المسيحي، القومي والإنساني لقضيته.
2- التطبيع يعني توفير المجال الحيوي على الصعيدين الإقتصادي والأمني للإحتلال، على حساب مصالح الشعوب العربية وطموحها بالتكامل الإقتصادي والسياسي.
3- النطبيع دعم مباشر للطبيعة التوسعية للكيان الإسرائيلي على حساب الأمن الوطني والقومي للدول العربية، خصوصا دول الطوق.
4- التطبيع دعم مباشر لإستمرار الإستبداد والفساد، وتعميق الأزمات الداخلية لبعض الدول العربية، وإستمرار إرتهان الشعب وارادته، وتأخير تنميته.
5- التطبيع مساهمة في إستمرار تبعية بعض الأنظمة وإرتهانها للخارج الداعم للكيان، على حساب مصالحها الوطنية وإستقلالها وسيادتها.
6- التطبيع مع كيان قائم على أساس دعاية وهوية دينية مختلقة، يعني إسقاط لمنظومة من القيم الأخلاقية والدينية والسياسية من مثل: الوحدة، الأمة، الوطن، الحرية، العدل، المساواة، الحق، العروبة، المُقدس، القومية، المقاومة ،الكفاح ورفض الظلم،التعددية والتنوع الديني والعرقي، والمدنية…الخ، وهو إختراق ثقافي خطير يمس وجدان ومصير شعوب المنطقة وموروثها الحضاري، وسيقود لإغتراب المنطقة عن ذاتها.
7- التطبيع خطر وجودي على شركاء الوطن والمصير من المسيحيين بالذات- أو ما تبقى منهم – وتداعيات إحتلال العراق وما يحصل في سوريا شاهد حي على ذلك.
8- التطبيع مساهمة في تزوير التاريخ القديم والحديث والمعاصر، ودعم للرواية الصهيونية المُتخيلة التي تعتمد على التزوير وإلغاء الآخر، وإختلاق الحقائق، وفرض الأمر الواقع، والترويج لسرديتها على حساب التاريخ الحقيقي للمنطقة.
9- التطبيع دعم للتفوق العسكري والتكنولوجي والإقتصادي – المؤقت – للكيان، وعلى حساب فرص تنمية وتكامل الإقتصاديات العربية.
10- التطبيع تلبية لحاجة إستراتيجية ملحة للكيان، وحاجة ملحة لبعض المستوى الرسمي للدول المطبعة، لضمان سلطته وإمتيازاته وفساده، وليس له أدنى علاقة حقيقية بمفهوم الأمن القومي. بل هي حالة من التحالفية الفوقية على حساب المصالح الوطنية الُعليا، وهو بالتالي خطر على فرص تحقق الحد الأدنى من العدالة الإجتماعية وتوزيع الثروة للفئات الشعبية الأقل حظا في تلك الدول.
11- التطبيع حالة إنهزامية وتعبير عن الفشل والعجز الذاتي في تطوير مقومات الأمن القومي، وتحقيق التنمية بعيدا عن التبعية والإرتهان للخارج، وتُعيق نطلعات الشعوب العربية في مزيد من الإستقلال والتقدم في ظل النظام العالمي السائد.
12- التطبيع يُضعف من الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، يُعمق الإنقسام بين مكوناته، وبالتالي يضغف كيانه السياسي وهذا الوضع ينسحب على باقي الدول، مما يهدد السلم الأهلي ويهدد بأزمات جدية بين هذه المكونات الإجتماعية والدينية والسياسية.
شكل وجود الكيان الصهيوني بما يمثله، تحديا كبيرا للمنطقة، وبرغم ويلاته وجرائمه ، إلا أنه دفع بالشعب الفلسطيني وباقي دول المنطقة للتقدم – ولو ببطئ – تحديا للخطر المصيري والحضاري الذي يُمثله. ومن شأن تغييب جوهر هذا التحدي فقدان المنطقة تدريجيا لأهم مكوناتها ومميزاتها الثقافية.
إن رفض التطبيع هو أيضا نوع من بعض وفاء لكوكبة من الشهداء ، إرتقت دفاعا عن الأرض والإنسان والقضية، وللحفاظ على حق أجيال من المنفيين.
للحكومات – كما يقال – سياساتها، وللشعوب خياراتها، والتمسك بالثوابت ورفض التطبيع بكافة أشكاله هو حق شخصي وفردي … هو تمسك بالقلعة الأخيرة.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

