من غالوا الى راسبوتين بقلم : أ/محمد إبراهيم الزموري

دراسات …..
بقلم : محمد ابراهيم الزموري
باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.
اذا كانت “الأزمة” كما حلّلها مؤسس الفلسفة الفينومنولوجية “إدموند هوسرل” في كتابه “أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية” حمالة أوجه ولها اكثر من دلالة فإنها تعني في ما يمكن أن تعنيه ذلك الوصف الذي يتصيّر بوصفه فعل فلسفة وهو الكاشف عن نزعة عقلانية ضالة تعاني من التيه، أي أزمة تنشبك فيها المعاني الإنسانية التي ظلت تتخبط في دائرة بربرية أو هي الأزمة التي اتخذت طابعا سياسيا وأخلاقيا ضمن سياق تاريخي إثر صعود النظم الشمولية كالستالينية والفاشية والنازية، التي سخرّت المعارف العلمية والتكنولوجية قصد تحقيق الهيمنة والتحكم في الأفراد و الشعوب وما نجم عن ذلك من تهديد الإنسانية برمتها بالفناء كالحروب المدمرة للجنس البشري والصراعات الإيديولوجية.
فهذه الازمة هي التي اقترح “هوسرل” حلا للخلاص منها عبر “أفولُ أوربا في اغترابها عن المعنى العقلي لحياتها والسقوط في عداء الروح وفي البربرية، أو انبعاث أوربا انطلاقا من روح الفلسفة بفضل بطولية للعقل تتخطى النزعة الطبيعية نهائيا”.
انطلاقا من هذا المدخل العميق أرى بعض الحلول التي يمكن استثمارها مثل: التكنوجينية والتي تعد من اهم المواضيع التي مازال العرب لا يدركون كنهها، وسوف أحاول من خلال معرفتي الجينية والاقتصادية أن أشرحها كما هي عادتنا في جامعة الحجر المنزلي المزمن في عصر فيروس (كوفيد-19).
موضوعنا اليوم مرتبط بنظرية الارتقاء الجيني البشري، وسوف نشرح لماذا وكيف سنكون آخر اجيال “الهومو ساپيانس”، من منظور مايكرو سكوپي اقتصادي أساسا، مع بعض الاسقاطات الفرديّة، لعل وعسى أن تتوسع رؤيتك قليلا أيها المتلقي لتلج فيها أفكار جديدة أكثر اهمية من داعش والماسونية والارهاب والصهيونية والاوهام التي صنعها الاعلام لتغدي تفكيرك.
في يوم من الأيام سألوا صديقنا “ستيف جوبس” عن أصل الانسان هل هو حيوان ناطق أو حيوان اجتماعي أو نحن ثديات جاهلة؟ فكان جوابه مثلما ذهب إليه “غوردن مور” و”طوماس آديسون”، بأننا حيوانات صانعة تطمح للرفاه، نستغل الآلات الموجودة في إطار الصيرورة التاريخية التي أنتجتها لنصنع أعقد منها في إطار حربنا اليومية بحثا عن القوة والرفاه الفردي اساسا، والذي يؤدي الى رفاهنا كجماعات وكفصيلة بشرية تعيش فوق كوكب الارض، في انتظار ابتكارات عالمية جديدة تعبد الطريق لاستيطان واستعمار الكواكب والمجرات الأخرى، ونترك كوكب الارض لصراعات الهوية والقومية والأيديولوجية ومهاترات “كيم جون إل” و”ترامب”.
لذلك ففي بحثنا عن القوة نتعلم بطريقتين، أولا عن طريق الاكتساب المعرفي المهاري التّجريبي الواعي، وثانيا عن طريق التعليم الجيني، فنحن جميعا ننتمي لفصيلة “الهومو ساپيانس”، وليس “الهومو ساپينس”، والذي لا يتجاوز عمرها 120.000 سنة، وبحسب العديد من الخبراء التكنوجينيّين سوف ننقرض قريبا، مع اقتراب ظهور أحد الفصائل الجديدة، اكثر قوّة وذكاء، وهذا الكلام ليس له إثبات علمي حاليا، ولكن الحديث عنه أخد حيزا كبيرا ضمن العلوم التكنوجينية والفلسفية، خلال الأشهر القليلة الماضية أصدر معهد “إنرا للبيولوجيا” المتواجد بمدينة فرانكفورت الألمانية دراسة حول تطور زوال الجنس البشري.
يقول العلماء انه منذ 20.000 سنة فقط لم يعرف التكوين العقلي الجيني أي تطوّر، ولكن التكنولوجيا الحديثة وعلى عكس التوقّعات تقول اننا سنصبح أكثر ذكاء، وسوف تظهر فصيلة جديدة للإنسان الصّانع، خصوصا وأننا داخل لعبة محاكاة تعتمد على التسلسل الزمني الجيني.
في السنوات القليلة الماضية، وقع حدث تاريخي سيغير البشرية للأبد، وهو استعمال الاجهزة المحمولة من هواتف ذكية ولوحات الكترونية تتجاوز استعمال الحواسيب الشخصية والمكتبية، وهاد التجاوز غالبا سيكون للأبد.
ساهم هذا الاختراع في احداث تغييرات جذرية في التصرفات البشرية من شعوب وافراد، فتح الفرص لأبواب جديدة وقتل في نفس الوقت صناعات ضخمة، وفتح آفاق الطموح عاليا خصوصا بعدما كان الارتقاء في السلم الاجتماعي مرتبط بالملكية والسند الاسري أو القبلي، المجال أصبح مفتوحا للجميع ليس فقط المحبين والعاملين في التكنولوجيا، الشيء الذي خلق هذا التطور التكنولوجي في العهد الجديد من النظام العالمي هو الاقتصاد التشاركي، بزعامة “اوبر” و”إير بي ان بي”، وهو الاقتصاد الذي يتغدى من عمق الاقتصاد الكلاسيكي نحو عالم اكثر ليبيرتارية، واقل احتكارية، ويجعل الفرصة متاحة الجميع، بالرغم من أن هذا التطور قد تنبأ له منذ زمن بعيد، غير أنه الآن أصبح يأخذ ابعادا اكثر واقعية، وفي انتظار أن يقوموا سكان العالم الثالث بثورات بنكية تقنية يحرروا من خلالها اقتصادهم بأيديهم، بدون أن ينتظروا هيكليات البنك الدولي أو اكذوبة الاقتصاد المؤسسي. وفيما سبق كانت هناك محاولات من قبيل شركات خبيثة كشركات التسويق الهرمي للأسف، تستغل ما يسمى بسذاجة تراكم الارباح، انا هنا اتحدث عن اشياء معقولة تخلق فرص للشباب خصوصا في العالم العربي، الذين يشكلون ازيد من 250 مليون شاب اغلبهم عاطل عن العمل، هذه فرصتكم أيها التكنوجينيين، اللهم يسّر.
العالم سائر في اتزان بالرغم من الازمات، الشباب يرون العالم اسود لأنهم لم يعيشوا أحداث وتبعات الحرب العالمية الثانية، ولم يخبروا أيام الجوع والعطش، ولا يرون ملايين الناس الذين كانوا فقراء وتحسن حالهم، وخير دليل على ثورة الانسان الصانع هو مستويات الفقر العالمية التي تراجعت بشكل كبير.
الحقيقة اننا نعيش أكثر الايام ازدهارا في تاريخ البشرية، وأقلها حروبا، واكثرها سلما بالنظر الى الاحصائيات، الصينيون لديهم حكمة جميلة جدا بمعنى أنه إذا أردت ان تعرف المستقبل، اسأل الأطفال.
وبالرغم من قدم هذه المقولة الصينية فإنها لازالت تتمتع بفعالية كبيرة، لأنه ببساطة أولادك الذين سيأتون لهذا العالم بعد عشرين سنة سوف لن يعرفوا شيء اسمه كتاب مطبوع بسبب التكنولوجيا، ولن تكون لديهم رخصة لأن جميع السيارات ستكون ذاتية التوجيه في حدود 2040، ولن يستوعبوا أن البنوك كانت في بنايات، لأن البنوك وشركات التأمين كلها ستنقرض خلال عشرين سنة المقبلة على الاكثر، وستحل مكانها مواقع وتطبيقات بالهواتف النقالة والحواسيب، لذلك موظفين البنوك والتأمينات الحديثي التعيين يجب ان يجهزوا نفسهم من الأن لعصر ما بعد البنايات.
قانون “غوردون مور”، بالرغم من أنه لم يعد فعال، الا انه لازال صالحا لفهم ما يقع، ولمن لا يعرفه فهو القانون الذي ابتكره “غوردون مور” أحد مؤسسي إنتل عام 1965. حيث لاحظ مور أن عدد الترانزستورات على شريحة المعالج يتضاعف تقريبا كل عامين في حين يبقى سعر الشريحة على حاله. وأدت هذه الملاحظة إلى بدأ عملية دمج السيليكون بالدوائر المتكاملة على يد شركة إنتل مما ساهم في تنشيط الثورة التكنولوجية في شتى أنحاء العالم. وفي عام 2005، تنبأ الباحثون أن هذه النظرية من الممكن تطبيقها لعقد أخر من الزمان على الأقل.
يدرك الكثيرون أن الزيادات الفائقة لأعداد الترانزيستورات المدمجة في المعالجات وغيرها من المكونات الرائدة لمنصات العمل، وهذه الزيادات عملت بشكل ثابت وحقيقي تؤدي إلى المزيد من الأداء الحاسوبي وفقا لقياسه بملايين العمليات في الثانية الواحدة.
كما يعني قانون مور أيضا خفض التكاليف، ففي الوقت الذي تحقق فيه العناصر القائمة على السيليكون ومكونات منصات العمل المزيد من الأداء، فإنها تصبح أقل كلفة عند إنتاجها، وتصبح أكثر وفرة وقوة وأكثر تواجدا في حياتنا اليومية. وتعمل المعالجات اليوم على تشغيل كل شيء تقريبا، بدء بالألعاب وحتى الإشارات الضوئية، فعلى سبيل المثال، تستخدم بطاقة عيد الميلاد التي تكلف بضعة دولارات اليوم قدرة حاسوبية تفوق أسرع أجهزة الكمبيوتر التي استخدمت قبل عقود قليلة.
ترتبط قدرات العديد من الأجهزة الإلكترونية الرقمية ارتباطا وثيقا مع قانون مور: سرعة المعالجة وسعة الذاكرة والحساسات وحتى عدد وحجم البكسل في الكاميرات الرقمية كل هذه آخذة في التحسن بمعدلات أسية (تقريبا) أسعار. وهذا قد زاد بشكل كبير من فائدة الإلكترونيات الرقمية في كل قطاع تقريبا من الاقتصاد العالمي. قانون مور يصف بدقة قوة الدفع للتغير التكنولوجي والاجتماعي في أواخر القرن 20 وأوائل القرن 21. ان نوع العلاقة في قانون مور هي علاقة اسيه ولتصور مدى الزيادة لو افترضنا أنك ستحصل على مبلغ واحد دولار كمرتب أول يوم في وظيفتك واليوم الثاني ستحصل علي ضعف المرتب 2 دولار والثالث الضعف 4 دولار ففي اليوم الثلاثين سيصل مرتبك الي أكثر من نصف مليون دولار وكذلك قانون مور يخضع لعلاقه اسيه من الدرجة الثانية. ولكن تُتوقع نهاية التطور في عام 2020 تقريبا حيث ستصل ابعاد الترانزستور في الداثرة الكهربائية الي تقريبا ابعاد الذرة مما سيترتب عليه عدم استطاعتنا لإنشاء حالتين صفر وواحد. ومازال سعي العلماء لإيجاد حلول جديدة لاستمرار التطور في تصنيع الأجهزة الذكية.
سوف تتطور هيكلة الرد الآلي، لتجيب على ايميلاتك، وتقود سيارتك، الذكاء الاصطناعي سوف يغزوا الأسواق وتفاصيل الحياة اليومية ويؤثر بشكل مباشر على الحكومات والاقتصادات، فخلال عشر سنوات %80 من ميزانية الدفاع الامريكية ستنفق على الدفاع الالكتروني وتقنيات تحليل البيانات، وبالفعل قد بدأ هذا التنافس الافتراضي ما بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين، مع تطور الدّرونات حيث أصبح كل شيء مرتبط بالأجهزة البيت والسيارة والتلفاز ودرجة حرارة حمام المساء، مما يحتم ان يكون كل هذا محمي الكترونيا وعسكريا.
وكما يؤثر هذا التطور على الأمن الفردي والجماعي، فإنه بالمقابل يوثر بشكل إيجابي على حرية الأسواق Free Market ونستطيع أن نلاحظ ذلك بوضوح في مجال الإنتاج الموسيقي والتلفزي، فالموسيقى التي كانت تباع في قرص مدمج، اصبح الأن بالمجان على” اليوتوب” أو “سيوتيفاي”، وحتى اذا اردت شرائها فلن يتعدى السعر دولار واحد، والتلفاز كذلك، فبعدما كنت تذهب للسينما، يمكنك الان بأقل من عشر دولارات في الشهر أن تستمع بأحدث الأفلام والمسلسلات والبرامج على “النت فليكس” أو ” أي ام سي” أو ” هولو” وغيرها الكثير.
لا اريد الدخول في مسألة الهندسة الجينية والقضاء على الصراصير للأبد، والاستنساخ الجيني للقضاء على السرطان بتقنيات “كايس ناين”، فالتكنولوجيا عميقة، لكنها لازالت بعيدة المنال عنا نحن الشعوب العربية، ولا علاقة لهذا الأمر بالحكومات، لأن الكل متوفر “باليوتوب” و”الدايلي موشن”، لكننا نكفر بالعلم ونفضل أن نتابع السطحية والميوعة وأبطال الوقت الوهميين وموسيقى الكبت.
بهاتف محمول، أو بحاسوب، يمكنك أن تتواجد في أي مكان في الكرة الارضية، ومازال التطور يتطور ولله الحمد، موقع اليوتوب يوفر لك امكانية اكتشاف اي ثقافة، واتذكر جيدا ولعي بالبرامج الوثائقية مع بدايات اليوتيوب، كانوا في البداية حوالي 100 وثائقي، الى أن اصابت حمى اليوتيوب الانتاج السمعي البصري، وحاليا يقدّر التحميل بأكثر من ستين ساعة من التحميل كل دقيقة، بمعدل 72000 ساعة كل نهار يا عزيزي، البشرية مشغولة بتوثيق نفسها للمستقبل، لكن المخيف أنها كاملة تحت سيطرة جهة معينة.
للذين عندهم شك في أننا لا يمكننا الخروج من المجموعة الشمسية، عليهم أن يراجعوا التطور الجيني البشري الذي أصبح واقعا اليوم، فأمريكا القوة الاقتصادية العظمى لم نكن نعرف أصلا عن وجودها منذ 500 سنة فقط، حتى ظهر سعيد بن حدو (1500 -1539) المعروف باسم مصطفى الزموري والملقب في المصادر الأجنبية بإستيبانيكو، ليؤسس لتاريخ استيطاني طويل.
*