فن وثقافة …..
ذ. محمد إبراهيم الزموري – باحث في الشئون القانونية والإنسانية. …
بعيدا عن اخبار الموت المتلحف بوشاح اليأس والفقد، وبعيدا عن جائحة “كوفيد 19″، وأخبار الانتقام الطبيعي أو الغزو المخبري البيولوجي، تجتاحنا في عزلتنا الإلزامية العديد من الأفكار ومنها دور الموسيقى في الحياة الإنسانية ففي شتى أنحاء العالم ومنذ ولادتنا، والجميع يسمع للموسيقى، سواء كان غناء مسيحي أو مديح نبوي إسلامي، أو ايقاعات بوذية أو موسيقى عبدة الشيطان، أو شخص مثلي يستمتع بالأهازيج الشعبية، أو رقصة فولكلورية، الموسيقى دائما معنا، ولا يوجد من لا يستمتع بالموسيقى والغناء، لأنه ببساطة جزء من نظام حواسنا، حاسة الذوق للاستمتاع بالأكل والشرب، حاسة البصر لاستمتاع بالجمال الطبيعي والبشري والفني، حاسة الشم للاستمتاع بعطور شانيل أو بتفاعلات ريح اخرجته أثناء اجتماع رسمي ولم يكشفك أحد، وكذلك حاسة السمع للاستمتاع بالجمال الموسيقي، من ايقاع موزون وشعر ملحون وكلام مرصون.
الحواس تعمل بشكل عاطفي للغاية، تتفاعل مع الهرمونات، بل هي ما يؤثر على عقلنا لكي يرسل اشارات للغدد وتطلق هرمونات في اجسادنا، كل شيء له تفسير علمي، وإذا أدركت كيف يعمل جسدك علميا سوف تعيش بشكل مريح.
الموسيقى أحد انواع التسويق، وعبر التاريخ كان التلاعب بالأصوات أكبر تحدي عاشته البشرية في ظل صراعها مع الطبيعة، الرعد مثلا كان يخوف الى حد كبير أجدادنا النياندرتال، كما كان الأسد والذئب يجعلهم يتغوطون مكانهم. الموسيقى هي أحد وسائل التعبير عن القوة والاستعداد للقتال او الاحتفال بالفوز في حرب أو بعد موسم صيد جيد، كما هي زئير الاسود، واصوات الحيوانات الاخرى، وهكذا بدأنا بالطبول ووصلنا لمكبر الصوت Wilson Benesch الذي يطرب مدينة بأكملها.
وجدت الموسيقى لكي توقظ فينا التيستوستيرون وأحاسيس أخرى، وتلاعب انفعالاتنا، بالأول كانت مرتبطة بالحرب، حتى وصلت اليوم الى الموسيقى التصويرية والرومنسية وموسيقى الرعب، فهناك بالفعل بعض الألحان بفعل التدريب الهوليودي للمتلقي تدل على أشياء معينة ورسائل مشفرة.
كل شيء بدأ مع القبائل الأولى في تاريخنا البشري، متمثلين في خمس تفرعات أساسية كبرى، ظهر الفن الغربي في البحر الأبيض المتوسط، وفي افريقيا مع القبائل الزنجية، وفي أمريكا اللاتينية مع قبائل المايا والأنكا والأزتيك، وفي أوروبا الشمالية ظهرت الموسيقى السلتية مع الشعوب الجرمانية والساكسونية، وفي اسيا مع الشعوب الهندية والصينية، كل تلك الموسيقات هي من اشتقاقات الطبول. وبفعل التلاقح الثقافي والحضاري والحروب والتوسعات الامبريالية والتصاهر الفكري والمعرفي تعددت المدارس الموسيقية.
اذا تتبعنا هذه الموسيقات كلها انثروبولوجيا سوف نجدهم يتشابهون، الحرب والقتال والتيستوستيرون، البشرية كانت مسعورة للحروب، باستثناء الأمريكيين الأصليين الذين كانوا يعيشون في أراضي شاسعة ومليئة بالموارد، لذلك فموسيقاهم كانت أكثر هدوء، وتخاطب الباطن النفسي والتناغم المتوازن مع الطبيعة، بعدها بدأنا التخبط، فتناسلت موسيقا متعددة، وبدأت الموسيقى توظف في الاحتفال وأشياء أخرى، وهذا التلاقح هو ما ولد لدينا تعدد الأذواق، بشكل او بآخر كل تركيبة جينية تتفاعل مع موسيقى معينة، وغالبا الانسان الذي لا يتمتع بمستوى ذكاء مرتفع يستمتع بأي كان، ويقتنع بأي تفاهة، لان دماغه لا يتمتع بمهارة حب الحفر والتنقيب على التموجات والابداعات الموسيقية، دماغ غير مدرب وفارغ، على عكس الناس بمستويات ذكاء مرتفع، الموسيقى ان لم تكن معقدة فلن يسمعوها، وهناك قاعدة تقول: بقدر ما انتشرت الموسيقى وكان عدد مشاهداتها على اليوتيوب كبير، بقدر ما تكون سوقية وبليدة وتساهم في استغبائك، فكل موسيقى منتشرة بشكل كبير بين الناس ابتعد عنها فقط وركز على التعقيد، حيث الموسيقى تدريب لاذنيك وعقلك.
الموسيقى المعقدة تحتاج الرياضيات والعلم والتمعن والانصات العميق، مثل باخ وموزارت وبيتهوفن، لذلك موسيقاهم ارتبطت بالعلماء والطبقة الراقية من هرم القوة المجتمعي. الموسيقى كلما كانت مركبة كلما ارتفعت جودتها وكلما ساهمت في ارتقاء ذكائك.
موسيقى باخ جد معقدة، لأنه جد ذكي، وهناك العديد مثله فهم مثل الفلاسفة والعلماء العظام ويستحيل أن تستوعب جمال الموسيقى من اول مرة، لذلك فبيتهوفن مشهور، بالرغم من انه لا يقارن بباخ او موزارت، لكنه يبقى مع العظماء، بالرغم من أن سمفونياته غير معقدة كفاية. والتعقيد هو عملية علمية وزمنية، وليس ابداع لحضي طارئ، لذلك الأوبرا وغيرها من الأنواع الموسيقية الراقية يصل ثمن تذكرة مقعد حقير في الصفوف الأخيرة الى أكثر من ألف يورو، لأنها الموسيقى الحقيقية، والباقي هو تعوق ذوقي مزمن.
الموسيقى عرفت قمتها في القرون الوسطى، لأن الملوك الفيوداليين الاقطاعيين كانوا يهتمون بالفن، كما وقع نسبيا عند المسلمين مع زرياب، وكان الملوك والسلاطين الكبار مثل هارون الرشيد يدركون جيدا قيمة الفن والثقافة في الارتقاء بالذوق البشري، وعرفت الموسيقى قمتها في العهد الاسلامي في الشرق، والعهد الفيودالي في الغرب، من بعد هذا التاريخ اصبح التخبط هو السمة البارزة، بسبب السياسة، ولم ترجع الأمور الى التطور الا في القرن العشرين بسبب الاستقرار السياسي أولا، وبسبب التطور التكنولوجي ثانيا، من راديو وآلات موسيقية، وكل شيء سوف يبدأ مع أحد اهم الابتكارات في التاريخ البشري: المايك، وطاولة التنسيق والدمج الصوتي والقيثارة الالكترونية.
صودف هذه الابتكارات تطور النزعة التحررية التي نمت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت الناس تثور على قواعد التعقيد، وبدأ الهمج في الصعود، ولكن بسبب الاوليغارشية التي كانت تسود، لم تكن هناك إمكانية أن تعرف تلك الموسيقى طريقها الى المذياع والتلفاز، وهذا ما عزز موقف ظهور الأساطير، واولهم “تشوك بيري”، ثم “جيمي هندريكس”. لكن الموسيقى تنحوا نحو أيقاظ التيستوستيرون والرقص، ولم يعد الرقص حكرا على الفلكلور، وهذا بسبب أن الناس تأثروا كثيرا بالحروب، فحاربوها بالرقص، عكس شمال افريقيا الذي لم تتطور مفاهيمه الموسيقية وتجمدت مع الشيخات.
وخلال تطور نزعة الرقص والتعبير عن المعاناة ظهر “البلوز” و”الجاز”، فبرز “ذادورز” ومن بعده “الپينك فلويد”، وأصبح الاتجاه السائد هو لتفريغ التيستوستيرون.
خلال فترة السبعينات سوف ترتفع أصوات عديدة عبر العالم لتنادي بموسيقى أكثر شراسة، لتلبية الرغبات التيستوستيرونية، وسوف يظهر نوع من الموسيقى أميل إليه شخصيا، وهو موسيقى الميتال، لأنها تجمع بين عمق التلحين الموسيقي والسرعة التيستوستيرونية في الاداء وقوته الواقعية. وهاد النوع الموسيقي شكل ثورة ثالثة بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه بدء يرجع الامجاد الموسيقية لباخ، ولكن بسرعة أكبر بكثير، وتركيز موسيقي رائع. هاد النوع الموسيقي سوف ينتشر في مناطق متفرقة في العالم، في وقت واحد، بل في سنة واحدة، وهذا ما حير علماء التاريخ الموسيقي المعاصر، وتطور الوضع مع فرق موسيقية مثل “ميتاليكا” و”ميڭاديث” و”السيپولتورا” و”السلاير”.
وخلال الثمانينيات قاومت الميتال الوضع واستمرت في الانتشار والاكتساح الى جانبها كانت الموسيقى اللاتينية تمثل رافدا قويا للانتعاش في اللحن والكلمة، ومع نهاية التسعينات أصاب الموسيقى الركود، واقتصرت على تقليد كل ما سبق في إطار من الركاكة والتشوه. حيث ظهر خلال هذه الفترة الراب وهو ليس بموسيقى، ولكن تعبير فني شاعري بذيء، كردة فعل سياسية للجهل الذي يقبع فيه السود الأمريكيين، ولا أنكر اعجابي بهذا النوع الفني، لكن فقط أغاني “دي ام اكس”، “ان دبليو أي” وتوباك”، “ايمينيم”، أما الراب العربي فلا يزال غير مصنف.
واخيرا، كنصيحة حاولوا ان تنقوا آذانكم، اسمعوا لموسيقى راقية، امنحوا لهرموناتكم القدر الكافي من الغضب ولخلاياكم العصبية القدر الكافي من التعقيد لعل وعسى أن يتطور لديكم مستوى الذكاء. فالذكاء والتيستوستيرون هي أهم العناصر اللازمة لتحقيق الاهداف والانجاز بصفة عامة.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

