من أسباب تأخَّر المسلمين، وتقدَّم غيرهم! – بقلم : د . عبد الوهاب القرش

دراسات …..
بقلم : د. عبد الوهاب القرش – مصر …
منذ أن طرح شكيب أرسلان سؤاله المركزي القلق “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”؟ والحديث ما زال جارياً عن الانبهار بتقدم الغرب، الذي أهله لتسيد المشهد الحضاري والمدني والتقني العالمي، وفي الوقت نفسه مازال البحث جارياً عن أسباب تأخر المسلمين وضعفهم وتخلفهم، وعدم مقدرتهم على اللحاق بركب المدنية والحضارة، وبقائهم كأمة مستهلكة لما تنتجه الأمم الأخرى.
لقد فقد المسلمون السبب الذي ساد به سلفهم الصالح إذا فحَصْنا عن ذلك وجدنا أنَّ السبب الذي استَقام به المسلمون سابقًا قد أصبح مفقودًا بلا نِزاع، وإنْ كان بقي منه شيءٌ فكباقي الوشْم في ظاهر اليد، فلو كان الله وعَد المؤمنين بالعزَّة بمجرَّد الاسم دُون الفعل لكان يحقُّ لنا أنْ نقول: أين عزَّة المؤمنين من قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(المنافقون:8).
ولو كان الله قد قال:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(الروم:47)؛ بمعنى: أنَّه ينصرهم بدون أدنى مزيَّة فيهم سوى أنهم يُعلِنون كونهم مسلمين – لكان ثمَّة محلٌّ للتعجب من هذا الخذلان بعد ذلك الوعد الصريح بالنصر.
ولكنَّ النصوص في القُرآن هي غير هذا، فالله غير مُخلِفٍ وعدَه، والقرآن لم يتغيَّر، وإنما المسلمون هم الذين تغيَّروا، والله تعالى أنذر بهذا فقال:{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد:11).
لا جِدال في أن الإسلام كان سبباً في نهضة العرب وفُتوحاتهم المدهشة ممَّا أجمَعَ على الاعتِراف به المؤرِّخون شرقًا وغربًا، لكنَّه لم يكن سببَ انحطاطهم فيما بعدُ، كما يَزعُم المُفتَرون الذين لا غرض لهم سوى نشر الثقافة الأوروبية بين المسلمين دون ثقافة الإسلام، وبسْط سِيادة أوروبا على بلدانهم، بل كان السبب في تردِّي المسلمين هو أنهم اكتفوا في آخِر الأمر من الإسلام بمجرَّد الاسم، ولكنَّ الإسلام اسمٌ وفعلٌ.
إن الهزيمة الحضارية التي رزئت بها الأمة الإسلامية في القرون الأخيرة لم يكنْ من الشريعة، بل من الجهل بالشريعة، أو كان من عدم إجراء أحكامها كما ينبغي..لقد ضاع الإسلامَ بين أصحاب الفكر الجامد المنغلق؛ الذين لا يريدون أن يُغيِّروا شيئًا، ولا يرضوا أن يدخلوا أقلَّ تعديل أو اجتهاد على أصول التعليم الإسلامي ظنًّا منه أن الاقتداء بالكفار كفر، وأنَّ نظام التعليم الحديث من وضع الكفار.
في كتابه (ما يعِد به الإسلام) يصف الفيلسوف الفرنسي الكبير” روجيه جارودي “- (العقل المتعصب الأعمى) بأنه “العقل الذي يرفض الاجتهاد وطرح الرؤى, بما يتواءم مع مُعطيات العصر, وبما لا يخلّ بالنص أو المقاصد العليا للشرائع, وجوهر الدين؛ حتى لا تتخلف المجتمعات عن اللحاق بالركب الحضاري”.
في الحقبة الأخيرة ابتُليتْ الأمة الإسلامية بهذه العقلية الجامدة التي تقبل الاجتهاد!
نعم! باسم (التعصب الأعمى للدين) أُنشئتْ مؤسسات، وأحزاب، وصحف، وفضائيات تكفيرية!
باسم (التعصب الأعمى للدين) كثر النصب والاحتيال والدجل، وراجتْ صناعة (النجوم)!
باسم (التعصب الأعمى للدين) عُقِدتْ الصفقات المريبة، وتمَّ الترويج لمشاريع وهمية!
باسم (التعصب الأعمى للدين) راجتْ الكتب البالية، والأفكار الشاذة، وأساطير الأولين!
باسم (التعصب الأعمى للدين) ضاعت الفضائل، وغابت الحقائق، واختلط الحابل بالنابل!
باسم (التعصب الأعمى للدين) سُفِكتْ دماء، وزهقت أرواح، وانفصلتْ أجساد عن رءوسها!
باسم (التعصب الأعمى للدين) حُورِبَ العلماءُ والدعاة والمصلِحون، ونُصِبتْ لهم المجانيق!
باسم (التعصب الأعمى للدين) هُدِّمتْ صوامع وبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيرا !
باسم (التعصب الأعمى للدين) حدث ما لا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، وما لمْ يخطر على قلب بشر!
فمن هم (المتعصبون والجامدون ) يا ترى؟ وما هي بضاعتهم؟ وما هي البلدان التي يتواجدون بها؟ وما هي عقائدهم ومذاهبهم؟ وما هي شعائرهم وطقوسهم؟ وهل لهم ملامح محددة وسحنات معينة؟ وهل لهم قلوب كقلوب بني آدم، وعقول كعقول البشر؟ وفِيمَ يفكِّرون؟ وكيف يقضون أيامهم ولياليهم؟ وهل يتأثرون بالحر والبرد كسائر المخلوقات؟ وهل تربطهم أيَّة قرابة أوْ نسب بقبائل يأجوج ومأجوج؟ وهل يأكلون ويشربون ويموتون ويحاسبون؟ وهل لهم مقابر خاصة يُدفنون بها أمْ تُلقى جثثهم الكلاب الضالة؟ وهل سيُبعثون يوم القيامة ويحاسَبون على مصائبهم وجرائمهم التي اقترفوها في حق العباد؟! أمْ سيقال لهم: كونوا ترابا؟!
الحق أقــــول: أنا لا أدري، ولا المنجِّم يدري! لكن الشيخ/ الغزالـــــــــي يدري!
يقول الشيخ/ محمد الغزالي: إنهم فِرق دينية متطرفة، التحقوا بجماعات ناشزة؛ لأنهم لمْ يجدوا عصابة لقطع الطرق يلتحقون بها!
راحوا يدعون إلى اللفظية في العقيدة، والشكلية في العبادة، والسلبية في السلوك، والسطحية في التفكير، والحرفية في التفسير، والظاهرية في الفقه، والمظهرية في الحياة!
إنهم يدعون إلى (مذهبهم) المقطّب الوجه، العبوس القمطرير، الذي لا يعرف غير العنف في الدعوة، والخشونة في المجادلة، والغلظة في التعامل، والفظاظة في الأسلوب!
لا أجدُ شيئاً أقوله بعد كلام الشيخ الغزالي، وبيانه الساحر!
فقد أجمل وأوجز، وأماط اللثام عن خدعة “السلفية”، وكشف النقاب عن أوهام “السلفيين”!
من هنا نعلم؛ سر ظهور المصطلحات المراوغة في المجتمعات المتخلِّفة! وسبب انتشار مليشيات الدجَّالين والمخادعين والمتاجرين باسم الدِّين في الأوساط الغوغائية!!
نعم؛ انتشر الدجل والهرطقات والخرافات بين ضحايا الفكر الجامد والتعصب الأعمى، وأصبحت الخرافات دِيناً يتعبدون به، وينشرونه بين الناس، ويلعنون من يخالفه، ويشهرون في وجهه سيف التكفير!
وهناك حكايات كثيرةٌ كثيرة في هذا الباب؛ نذكر بعضها؛ من باب الترويح عن النفوس!
فعندما ظهر (الراديو) قبل نصف قرن؛ أفتى رءوس الفكر الجامد بحرمة اقتنائه؛ بحجَّة أنه لا يجوز أنْ يصدر “القرآن الكريم” من جهاز مصنوع من الحديد والنحاس، معتبرين أنَّه مس شيطاني، ومن تلبيس إبليس!
وفي السنين الماضية, أفتى واحد من كبار رءوس الفكر الجامد ؛ بكفر من يعتقد كروية الأرض ودورانها حول الشمس! وقد تخندق هذا الشيخ في حصن التعصب الأعمى لمدة عشرين سنة, ثمَّ تراجع عن فتواه التي كفَّر بها غالبية المسلمين المخالفين لرأيه!
ومنذ بضع سنوات؛ زار نفرٌ من أصحاب الفكر الجامد إحدى قرى الصعيد الجوَّاني؛ فسارع الناس وجاءوا لهم بغداء، ووضعوا لهم بعض أدوات الطعام ولوازمه مثل: (الشوك، والمعالق، والسكاكين، والأكواب) وغير ذلك؛ فانزعج الإخوة المتغصبون، واشتاطوا غيظاً؛ وطرحوا المائدة وما فيها بأرجلهم ونعالهم … بحجَّة أنَّ فيها مخالفة للسنَّة النبوية!
فما كان من صاحب المنزل؛ إلاَّ أنْ قام بتهشيم الموتوسيكلات (الدراجات النارية) التي جاءوا بها، فلمَّا استهجنوا صنيعه؛ قال: لأنَّ فيها مخالفة للسنَّة النبوية!
هذا؛ وقد طالب أحد النواب من أصحاب الفكر الجامد بالبرلمان؛ بهدم الآثار والمعابد القديمة وإزالتها؛ لأنها قد تبعد الناس عن التوحيد!
وقبل سبعة قرون, قال “ابن تيمية” في كتابه (البيان المبين في أخبار الجن والشياطين) بأنَّ الزواج بين الجن والإنس حاصل والإنجاب كثير ومعروف!
بالله عليك يا شيخ: هل يعقل حدوث زواج وإنجاب بين كائنيْن؛ أحدهما من عالَم الغيب، والآخر من عالَم الشهادة؟!
ولا يزال الكثير من دعاة الفكر الجامد المتعصب؛ يعتقدون أن هناك أناساً بأعداد رهيبة, محجوزون خلف سد بين جبلين منذ آلاف السنين! ويعتقدون أن الواحد من هؤلاء لا يموت إلاَّ بعد أن ينجب ألف ولد!
وهناك حكايات أغرب من الخيال ذاته؛ كلها تكشف عن أزمة العقل الديني الجامد والمنغلق الذي ابتُلِيتْ به المجتمعات المغلوبة على أمرها.
ولعلَّ ماذكرناه يكون فيه إجابة كافية لمن يسأل: لماذا تأخَّر المسلمون، وتقدَّم غيرهم؟!!
د.عبدالوهاب القرش