زوجة محفوظ القتيل – قصة : وليد رباح

القصة …..
قصة بقلم : وليد رباح – الولايات المتحده الامريكية
في رقعة الأرض التي لم تعد تتسع لنا .. جاورنا محفوظ القتيل ..رجل تستحي ورود الجوري وشجيراته في الحدائق ان تنظر الى وسامته وحسن ملامحه .. وكم من نساء القرية عشقنه وتمنين نظرة منه لكنه كان حييا يسيير في الأرض خببا لا ينظر يمينا او شمالا .. كان يعيش وحيدا في غرفة منعزلة مع امه التي ذهبت الى قبرها مرتاحة لانها انجبت ولدا بارا بها .. وظل على حاله من العزوبية حتى ارسل له القدر زوجة اختارها من بين كل نساء القرية .. كانت قميئة ذات احديداب في ظهرها وتسير معوجه .. لا تستطيع ان تفرق بين وجهها وقفاها .. امرأة عندما تراها تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. عيناها حولاوان .. كتفها الأيمن ينزاح الى الأسفل قليلا عن الاخر .. تعرج في مشيتها .. عندما تنظر اليك طويلا تستطيع ان تتمنى ان تذهب توا الى القبر مستعيذا من كل الشياطين .. حتى ان قدمها اليمنى اكبر من اليسرى قليلا .. واعتقد ان هذا هو سبب عرجها .. ومن غريب الامر ان محفوظا القتيل كان يحبها حبا جما او هكذا يبدو فلا يستطيع ان يستغني عن رؤياها دقائق حتى يناديها او يؤشر لها فتأتي اليه طائعة حيية تتعثر برجليها المعوجتين كأنما شجرة قصت من جذورها فباتت مائلة حينا ومستقيمة حينا آخر . وكان يضحك ملء شدقيه عندما تصل اليه ويقول : جاءت وردة الدنيا وزهرة النرجس .. ويضيف اليها بعد قليل من الصمت .. وملهمتي .. اما هي فتنتشي .. ثم تذهب سريعا الى المرآة الصغيرة المعلقة على جذع شجرة في باحة البيت كي ترى صدق ما قال فاذا بها تتحسس شعرها ووجهها ومكياجها ورموشها ثم تتجه الى علبة البودرة لكي تضيف عفرة غير قليلة على مساحة الوجه بكل تفاصيله واخاديده فتضحك وكأنما امتلكت الدنيا وما فيها مصدقة ما قاله الزوج الذي تركته ولم يزل يتغزل بجمالها ومناقبها . اما محفوظ القتيل فينظر اليها بعد رشة البودرة واكتمال المكياج .. فاذا بها قد أصبحت قردا غرس نفسه في الطحين .. وكأنما كانت مثل عروسة المولد .. ينظر اليها الناس ثم يعزفون عن اكلها لانها أصبحت مهترئة نتيجة لحس رأسها السكري فاذا بقوامها منتزع منها دون رأس او حتى عينان او اذنان .. بعد ذلك كان محفوظ يحتضنها بقوة ويقول لها كلمات مثل العسل البري فتنام على يده الممتدة الى رقبتها لثوان فيسمع شخيرها فيوقظها ويضحك .. ثم يضحك .. ثم يضحك .

ولقد راجت في القرية مقولة قد يصدقها العقل بان الفتاحه ام السراج قد كتبت عملا لا يخر منه الماء للزوجة القميئة قبل ان تتزوج .. فقد كان كل شباب القرية يبتعدون عن طريقها عندما تمر سواء وحيدة او مع مجموعة من النساء ان رضين ان يرافقنها الى عين الماء في القرية .. وللشهادة هي مرات ثلاث رافقنها لتعبئة الماء في الجرار غير انهن عزفن عن ذلك فيما أتى من الايام .. وتهامس بعدها الناس في القرية بين بعضهم البعض انها فأل غير حسن .. حيث انقطعت عين الماء التي يشرب منها اهل القرية لمدة اسبوع كامل .. عطش الناس والحيوان ولا يعرفون لماذا شحت عين الماء الى الدرجة التي بدأوا يقرأون سورا من القرآن كلما مروا من هناك .. وكانوا يذهبون مسرعين عندما يمرون من بيتها الذي يقع على اطراف القرية خيفة منها .. وراجت في القرية اخبارا واقوالا انها من الجن او الشياطين فابتعدوا عنها.. ولم يتحدث اليها أحد.. حتى انهم كانوا يؤرخون مشاكلهم التي يصعب حلها في اليوم الذي رأوها فيه او حتى حلموا بها ..اما سائق القرية الوحيد الذي كان يوصل الناس الى مبتغاهم في المدينة رفض مرة ان تستقل حافلته مفسرا ذلك ان فألها سيئ فما ان تخطو بقدميها باب الحافلة حتى يسمع تنفيس العجلات او بعضها فيضطر للتأخر عن التحرك نحو المدينة حتى يستبدلها او ينفخها .

وفي مرة ما ان ولجت الى الحافلة حتى سمع الجوار طقطقة مخيفة تخرج من محركها حتى دون ان يعمل او يديره السائق .. فاذا بالزيت ينسرب من المحرك بقوة ويسبغ وجه الأرض ما تحتها باللون الأسود .. ضحك بعض الشباب في الحافلة وقال بعضهم او احدهم لا ادري .. ان هذا الزيت مثل المساحيق التي تضعها زوجة محفوظ القتيل على وجهها .. فتارة اسود اللون وأخرى احمره وربما كان اصفر او غير ذي لون .. وكانوا يستغربون من اين تأتي بتلك الألوان … .

ومن عجيب الامر انها كانت تخفي اسمها الحقيقي عن الناس جميعا خيفة الحسد والغيرة .. فان أراد الناس مناداتها الصقوها باسم زوجها .. زوجة محفوظ القتيل ذهبت .. زوجة محفوظ جاءت .. زوجة محفوظ اثقلت في المكياج كأنما هي عروس المولد.. الخلاصة ان الكلام الذي كانت تسمعه لا تعلق عليه حتى ولو بكلمه .. كانت تسير معوجة الى مقصدها دون ان تنظر يمينا او شمالا .. ظانة ان الغيرة تأكل الحاسدين لانهم يرون او يسمعون بالسعادة التي تغمرها مع زوجها محفوظ القتيل . عكس ما كانت عليه كل نساء القرية .. اذ كن يلتقين عند عين الماء فتفتح بعضهن سيرة الزوج وما يفعله باستنكار .. بعضهن في هزؤ وسخرية .. واخريات بالسباب والشتائم .. اما زوجة محفوظ القتيل .. فلم تكن تتحدث عن زوجها سواء بالفحش او بالحب والتحنان .. ذلك انها كانت تخاف الحسد .. وتحقيقا للامر فقد كانت تذهب الى ام السراج عندما يصيبها المرض او الكدر ظانة ان الناس حسدتها .. فتقوم ام السراج بشىء من الشعوذة وقليل من هز الرأس والرقبة والصراخ والتوتر.. ومن ثم تعطيها وصفة يمكن ان تبعد عنها الحسد من نساء القرية .. وعندما كانت زوجة محفوظ القتيل تغادرها .. كانت ام السراج تجلس فرحة تعد النقود الفكة التي اخذتها من زوجة محفوظ القتيل . ثم تنادي ام السراج زوجها لكي يعد النقود معها فرحة بالهبل الذي يعتور زوجة محفوظ وكأنما وجدت رزقها عند الصبح تحت مخدتها فتحلف في سرها ان لا تتقاضى منها شيئا في المرة القادمه لانها اثقلت عليها .. لكنها كانت تعود وتطلب منها الاجر مضاعفا ..

وفي ليالي السمر .. كان شباب القرية يجلسون سويا في بيت احدهم لكي يتندروا على زوجة محفوظ فيصمونها بأخس الكلمات .. ولا تتعدى تلك الكلمات عن وجهها المضمخ بالعطور والمكياج .. او عودها الخيزراني كما كانوا يقولون .. او رجلاها المعوجتين فتسمع التعليقات التي تجعل الجميع يضحكون ويقهقهون باعلى أصواتهم وهم ينتظرون اكواب الشاي الساخن والسهرة والنكت والكلام الرقيع .. ثم ينتهي حفل الاستغابة بان يقول احدهم .. دعونا منها .. ربما حلمت بها الليلة فيأتيني هاجس انها سوف تأكلني ان رأيتها عند الصباح .. او يقول آخر .. اللهم ابعد الشر عنا .. وثالث : اتعرفون .. انني ارثي لحال زوجها كيف يستطيع ان ينام في الغرفة التي تتنفس فيها .. ثم يدخل عليهم عباس المقهور .. ذلك المزارع الذي لم يغير ملابسه المتسخة منذ عهد ابينا آدم كما كانوا يقولون .. يجلس اليهم ويرجوهم ان لا يأتوا بسيرتها الليلة لانها قد تزورهم في الحلم فتجعل من يرددون سيرتها يزورون المقبرة قريبا جدا .. وينبري احد الشباب لكي يتندر على عباس المقهور ليقول : هل هنالك فرق بينها وبين عباس المقهور .. كلاهما من نفس الطين .. هذا الرجل رائحته مثل مزبلة القرية .. لم يستحم طيلة اشهر .. انه يعيب على الناس اشكالهم والوانهم ولم يعب نفسه حتى مرة واحده .. يصرخ عباس المقهور ثائرا في وجه المتحدث .. ولك يا ابن الحرام .. ان سراوالي الذي البسه الليلة اعف منك واطهر .. ونعلي الذي ارتديه انظف من اذنيك عندما تتوضأ .. اما عن نظافتي فقد استحميت في البيت قبل شهر .. واهترأت الليفة كثر ما دعكت بها جسدي .. وهكذا كانوا يضحكون ولم يستخدم احدهم يده في عراك او سباب يطال الابوين.. ثم تنتهي السهرة بان يأتي المضيف للشباب بشىء من البخور لكي يتنشقوا رائحة كما هي مخدر حتى لا يصيبهم اذى زوجة محفوظ .. ويذهب كل الى بيته وهو خائف وجل في ظلام الليل ان تقابله في الطريق فتأكله او يختفي بعض أعضائه سواء يدا او رجلا او رأسا.. ومن ثم يغيبون في ازقة القرية كل الى بيته سريعا دون النظر يمينا او شمالا ..

اما نساء القرية في سهراتهن فقد كن يتحسرن على محفوظ وبخته الذي اوقعه في تلك الغوريلاء كما كانوا يسمونها .. ويستمعن الى التعليقات التي تجعلهن يضحكن ملء اشداقهن .. تقول احداهن .. هذا الرجل مظلوم .. لو كان عندي او كان زوجي لبخرته يوميا خيفة الحسد .. عندما اراه يسير في الشارع ولا ينظر يمنة ويسرة تسري في جسدي كهرباء لا اعرف مصد رها .. ثم تتنهد قائله : آه لو كان عندي .. لبنيت له في قلبي عمارة يمكن ان تحتضن القرية بكاملها .. وتقول أخرى .. انه ليس بحاجة الى عمارة او سكن .. انه بحاجة الى الحب والحنان والرفقة الجميلة .. لو كان عندي انا للفته بقماش مزخرف واخفيته عن اعين الناس خيفة الحسد .. ولا اجعله يغادر المنزل وحيدا .. ارافقه حيث يذهب .. واقرأ على جبهته صورة قل هو الله احد في كل ساعة .. بل وفي كل دقيقة .. صحيح .. هناك نساء ليست كالنساء اعطاهن الله النعمة فلا يدرين كيف يغتنمنها .. وتقول آخرى .. وما ادراك ان تعاملها معه جعله يتعلق بها الى هذا الحد الذي نسمع عنه .. اما الثالثة فتقول .. دعونا من سيرتها رجاء .. فلا بد ان يزورنا طيفها في الحلم فتنقلب الاية الى مرض او جرب او كمد يصيبنا .. اللهم ابعد الشر عنا .. ثم عندما ينتصف الليل او يكاد .. تذهب كل الى منزلها ركضا وخاصة ممن لم يتزوجن منهن خيفة ظهورها فجأة في جنح الظلام فيحدث لهن المكروه .. او لا تتزوج احداهن ابدا ويبتعد عنها الشباب فلا تخلف اولادا وبناتا ..

وفي ليلة سهر نسوية فجرت احداهن كلمات انبهر لها جمع النساء .. من منكن تعرف محفوظ القتيل ..اصله او فصله بعد او قبل ان ذهبت امه الى رحمة الله .. واضافت .. نحن نعرف زوجته انها ابنة صاحب الأرض التي اقام فيها بيتا سكنت فيه مع زوجها محفوظ بعد وفاة ابيها .. ونحن لا ندري متى تزوج او تعرف اليها او استدل على قامتها الجليلة الجميلة .. يضحكن .. ثم تتابع .. كان ابوها رجل ولا كل الرجال .. كل من في القرية كان يحترمه .. لكنه بعد أن توفي لم يزرها احد حتى لمواساتها .. فقد كانت وحيدته بعد موت امها قبل سنوات .. وظل الاب يرعاها حتى توفي الى رحمة الله ..

جاءت الى حفل النساء تلك الليلة .. امرأة كن يلقبنها جاسوسة الحاره .. تعرف كل من يسهر او يعرف امرأة اخرى على زوجته او يذهب الى المدينة لالتقاط بعض الجانحات ويمضي معهن وقتا ممتعا.. فتعوذن بالله من الشيطان وقالت احداهن.. كنا بواحدة فغدونا باثنتين .. قالت اخرى : ما الذي جاء بك الى هنا .. قالت ثالثة .. انها صديقتي .. دعوها ولننعم قليلا بحكاويها الجميلة .. يا ام نعمان .. ما رأيك بالفتى محفوظ الذي تزوج قبل اشهر .. .. يقولون ان ام السراج قد بخرت زوجته ولفعتها بغطاء لمدة يوم كامل واعطتها من النصائح ما جعل زوجها يتعلق بها .. قالت ام نعمان .. قبل ان اخبركن بذلك .. عندي سر لا يعرفه احد غيري .. انصتن اليها بانتباه فقالت : لا اعطيكهن الا بعشاء دسم .. قالت المضيفة : فليكن .. عندنا ارز ودجاج .. هل تحبينه يا ام نعمان .. قالت ام نعمان : احبه ..وارجو ان تملآي طبقا آخر بعد ان افرغ من طعامي لاولادي .. منذ مدة لم يذوقوا اللحم .. قالت لها احداهن .. لقد وافقت المضيفة .. فاعطنا من اخبارك شيئا كما تفوهت .. قالت : اني اعرف اسم زوجة محفوظ .. واعرف كل شىء عنها ومن اين جاءت حتى الوصول الى عائلتها ..

نظرن الى وجوه بعضهن واصغين طويلا .. قالت احداهن .. ما اسمها : قالت : دعوني انهي طعامي ثم اقول لكن .. قالت واحدة وهي تضحك .. تنهين طعامك ثم تغادرين كما العادة .. ولا تقولين شيئا مهما .. تخترعين كذبة من كذباتك الكثيره .. ثم تذهبين .. قالت غاضبة .. هكذا .. اذن لا اريد الطعام ولا اريد ان اقول السر .. رجونها .. قالت .. حسنا .. ولكن ارجو ان يظل هذا السر معنا هنا.. وان لا تتفوه احداكن به خارج هذا المنزل ..سألوها لماذا .. قالت : لانها تنقلت في القرى المجاورة وكانوايطردونا بحجة انها ليست انسية .. استعذن بالله من الشيطان وقال احداهن .. ماذا تقولين يا ام نعمان .. قالت : اقول ما سمعته من القرى المجاورة .. فقد سكنت في كل قرية مدة واكتشفوا بانها ليست انسية .. قالت واحدة اخرى .. اتعنين انها شيطانة او عفريته او شيئا من هذا القبيل .. قالت : لا اعرف .. ولكن هذا ما سمعته كما قلت لكن …. ثابعت : اذ بعد موت أهلها تشردت في القرى والدساكر حتى حن عليها من نعرفه في القرية وتبناها وجاء بها الى قريتنا بعد ان اشترى قطعة ارض بنى فيها بيتا له ولزوجته . سألت احداهن .. ولكن كيف مات أهلها … تنهدت ام نعمان وقالت : عائلتها ذهبت الى رحمة الله نتيجة هبوط البيت الطيني فوق رؤوسهم .. كانت هي في الخارج تعلف الدجاج .. صغيرة عمرها خمسة اعوام .. وعندما هبط البيت على اهلها اخذت تصرخ وتستنجد .. وبعد ان دفنت العائلة عادت ونصب الرجال لها خيمة الى جانب البيت .. الخيمة كانت عند ابيها يستخدمها وقت الحصاد . اسمها ظريفه .. وقد تبناها الذي كان يسمي نفسه ابوها .. وسألتها احداهن .. الا تقولين اسم القرية التي جاءت منها .. كانت من قرية اخرى ليست بعيدة من هنا ولن اقول لكن اسم القرية .. لان البعض ائتمنني على السر …. اما محفوظ فلا اعرف عنه شيئا .. سوى انه جاء الينا مع امه ثم استقر في القرية .. وبعدها تزوج ظريفة .. ولا ادري السر الذي جعله يعزف عن الاخريات الجميلات فتزوج تلك الدميمة .

نظرت النساء الى وجوه بعضهن وقالت احداهن .. هذا الاختراع ثمنا لطبق من الطعام .. انت كاذبة يا ام نعمان .. غضبت ام نعمان وتركت طبق الطعام التي ارادت ان تأخذه لاولادها .. وبعد ذهابها بدأن بالصراخ والنقاش .. هل من المعقول ان تكون صادقة .. ان الرجل الذي كانت تعيش عنده ليس اباها .. هذا غير معقول .. ثم … تقول اخرى ان اهلها جميعا ماتوا عندما هدم البيت فوق رؤوسهم .. فكيف وقد كان لها ام ترعاها .. ونحن نعرفها يرحمها الله .. قالت احداهن.. الا يحتمل ان تكون المرأة التي ماتت ليست امها .. وانما هي زوجة الرجل الذي تبناها.. نظرن الى وجوه بعضهن .. وارتسم الحزن على وجوههن .. ثم ارتعشت احداهن خوفا وقالت : ايعقل ان تكون جنية او( بسم الله الرحمن الرحيم ) من تحت الارض جاءت الينا مرسلة من احد المردة او الشياطين لكي تؤذينا .. يصمتن جميعا والخوف باد على وجوههن .. وهكذا انتهت السهرة تلك الليله .. وذهبت الزائرات الى بيوتهن بشىء من الخوف وكثير من الرهبة ..

مضت الأيام سريعا .. كانت ظريفه او هكذا سميت تعيش سعادة لا توصف مع زوجها .. وكان الزوج يطيعها في كل ما تقول وتفعل .. فان قالت له ابتعد عمن في القرية لا يكلم أحدا منها .. وان قالت له احرث الأرض ولا تستقدم من يحرثها لنا مقابل اجرة فعل ذلك .. ان اينع موسم الزيتون كانت هي والزوج يقومان سويا بالقطاف .. وان جمعا موسم الزيتون كانا يقومان بنفسيهما بالذهاب الى معصرة القرية المجاورة حيث لا معصرة في قريتهم لاستخلاص الزيت وبيعه في الأسواق بأسعار جيدة .. ومضى على ذلك عشر سنوات .. فاذا الناس في القرية يشاهدون عمالا وماكينات حديثة تهدم البيت القديم لهما وتباشر في إقامة عمارة بثلاثة طوابق من الحجر الأحمر .. جميلة الشكل لا تضاهيها عمارة في القرية .. واضافة لذلك اشتريا محرثة آلية تحرث الأرض دون الاستعانة بالدواب التي كانت تحرثها .. واذا سيارة جميلة الشكل تقف في مرآب العمارة مكشوفة يسرح فيها محفوظ مع زوجته في ازقة القرية ثم لا يلبثان ان يذهبا سويا الى المدينة .. واذا محفوظ قد استقدم عمالا لحراثة الأرض وسقايتها .. واذا بهما أيضا يستقدمان خادمة لخدمتهما سويا فلا يعملان شيئا سوى الاشراف على حراثة الأرض وسقايتها .. واذا عامل يقف باب العمارة حارسا لها وللسكان الذين بدأوا بالسكن في العمارة قادمون من القرى المجاورة .. واذا الدنيا قد تغيرت فاصبحت ظريفة وزوجها من اغنياء القرية .. وغدا كل من في القرية يتقرب منهما .. اكثر من ذلك .. اذا بالقرية كلها تطلب العمل عندهما لانهما كانا يعطيان العمال اجرة لا تقل عن الأجرة التي كان يستخدمها الفلاحون الأثرياء في ارضهم ..
وخلال سنوات عده .. كانت الدنيا جنة في ارض محفوظ وزوجته ..

كان اللغط يدور في القرية .. ما الذي جعلهما ينهضان بمثل هذه السرعة .. وصارا حديث القرية في الليل والنهار .. احد من في القرية قال ان محفوظا وزوجته قد انشآ فندقا في المدينة المجاورة .. وثان قال ان محفوظا قد استجلب خادمة خاصة لزوجته وقال ثالث انهما عثرا على كنز مخبأ منذ أيام العثمانيين في ارضهما فاستغلاه واستثمراه بصورة جيدة ….

أما الدنيا فقد تغيرت كثيرا .. فاذا محفوظ يذهب الى مختار القرية ليقول له : اريد ان استخدم عاملات للأرض يستخلصن الأعشاب الضارة من ارضي التي اشتريتها حديثا من جاري .. واذا الأرض خلية نحل يعمل فيها الفلاحون في القرية مقابل اجر محترم ..

غدت ظريفة سيدة القرية .. غدت النساء يتقربن منها ويطلبن ودها .. وكانت ظريفة تتلطف بهن وتجاملهن وتضحك معهن اذا ضحكن .. وتعبس ان كن مكشرات وتسألهن عما جرى لهن .. كانت تسرح ليلا ونهارا الى العائلات التي أصابها الفقر فتعطيهن من الرزق الذي هبط عليهما من السماء .. وأصبحت الزوجة التي كان الناس يأبون التحدث معها سيدة أنيقه .. ولكنها ظلت على سحنتها الملخبطة وعرجها الدائم .. بحيث شعرت النساء في القرية بالخجل عندما كن يأتين على سيرتها في جلساتهن وقت السمر ليلا ..

وفي ليلة جاء وفد الى محفوظ يطلبون منه ان يكون مختار القرية .. فالمختار القديم حسب رأيهم كان يأكل أموال الناس بالباطل .. فيوافق المختارنفسه على ذلك مقابل مائة دينار فيعطيه محفوظ مائتان .. وتبتهج القرية وتقيم احتفالا زاهيا خارج عمارة محفوظ يرقصون ويهزجون ويرفعون محفوظا على الاكتاف احتفالا بهذه المناسبة الجميله .. واصبح بيت محفوظ خلية نحل يأتي الناس اليه من القرى المجاورة ..

وفي ليلة غاب فيها القمر .. افتقد الناس ظريفة فلم يجدوها .. اختفت مثلما جاءت لا يعرف الناس اين اختفت .. اخبر زوجها مركز الشرطة في القرية المجاوره .. بحثوا عنها .. لم يجدها احد .. ومضى على الامر بضعة اشهر. .. بعض النساء عدن الى مقولتهن القديمة انها ليست انسية .. والبعض الاخر قال : لو كانت كما تقلن ما عملت بيدها في الأرض حتى أصبحت غنية وزوجها .. وفي غضون الأيام التي تلت .. اجتمع اهل القرية لكي يؤبنوا ظريفة بعد أن بنى لها زوجها قبرا رمزيا علي حجارته المقامة كلمات ليست كالكلمات .. اما محفوظ فقد أصابه الحزن الشديد .. ولكن نساء القرية لم يتركنه في حاله .. فقد استمع الى بعض النمامين يقول النساء في القرية ان محفوظا هو الذي اخفاها …. ربما قتلها او دفنها حية .. لا احد يدري ..
كانت كل نساء القرية غير المتزوجات يتقربن من محفوظ عله يختار احداهن .. لكنه عزف عن ذلك .. وفي صباح يوم مشمس .. راى الناس محفوظا في سيارته المكشوفة وقد جلست الى جانبه امرأة رائعة الجمال استقدمها من المدينة .. وفي غضون ذلك وبعدما اصبح محفوظا سيد القرية ورئيسها .. بدأ اللغظ ثانية .. بعضهم قال ان ظريفة قد كتبت له الأرض والبناء والمحراث وكل ما تملكه باسمه .. وبعض آخر قال : ان الرجل قادم من الفضاء .. والا لما اصبح غنيا يتحكم بامور ارضه واملاكه .. وهكذا .. وحتى اللحظة .. ظل محفوظا سيد القرية .. ولكن اللغط والقيل والقال .. بدأ من جديد .. وفي غمرة كل ذلك .. اقدم رجال شرطة من المدينة لكي يقوموا بالتحقيق في امر هز القرية بكاملها .. لقد وجدوا محفوظ القتيل ميتا في سيارته وعدة طعنات في جسده .. لكن الشرطة لم تعثر على الجاني …

وأصاب القرية الهلع .. اذ حلف احدهم يمينا انه رأى ظريفة تمر من امام بيتهم ليلا عند تباشير الصباح عندما كانت ذاهبة الى الحقل .. وقالت أخرى انها تسمع صوت نواح قادم من مقبرة القرية في الهزيع الاخير .. وبعضهم قال انه يسمع غناء كأنه نواح لامرأة تحمل سكينا تدور بين مسارب القرية وهي تبحث وتفتش عن شيء لا يعرفونه .. وانتشرت الشائعات في القرية كالنار في الهشيم .. غدا الكل خائفا .. لا يخرج الناس من بيوتهم بعد ان تظلم الدنيا .. ولا يذهبون الى حقولهم الا عندما ينبلج الفجر .. وفي كل يوم كان الناس يستمعون الى شائعة جديده .. ظريفة موجوده بيننا .. لقد انتقمت من زوجها .. لا احد يعرف لماذا .. تقول أخرى : لقد علمت انه تزوج عليها فقامت بالانتقام .. وتقول أخرى : كيف علمت انه تزوج وقد اختفت من الدنيا بكاملها كما يقول الناس .. وتتبعها أخرى .. الم اقل لكم انها ليست انسية ..
عفوا يا من تقرأون هذه القصة .. لقد قتل محفوظ القتيل بعد ان انجب طفلا .. وقامت زوجته الجديدة بالاستيلاء على الأرض والرزق معا .. ومع كل ذلك .. فان اللغط ما زال مستمرا …. حتى اللحظة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة