الضبط القرآني للعنصرية والحرية – بقلم : عبد الوهاب القرش

دراسات ….
بقلم : عبد الوهاب القرش – مصر …
لم يكن الإسلام حضارة عنصرية؛ لأن الدعوة الإسلامية في جوهرها عالمية لا تعرف التقيد العنصري بل ولا تقبله، ومن ثم اندفعت الدعوة الإسلامية تبلغ الرسالة في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت الهجرة بداية التواجد العالمي للمجتمع الإسلامي الوليد، حيث كان المسلمون قبل الهجرة شتاتًا متفرقًا، وأفرادًا مضطهدين، صار لهم بها وحدة ممددة الأهداف واضحة الغاية.
ولأن الدعوة الجديدة تحمل كل مقومات العالمية، فإن صاحب هذه العقيدة لا يقف بجهوده في سبيل دعوته الجديدة، في إطار مكاني محدد، وإنما يسمو بعقيدته عن التقيد بالجنسيات والأقاليم، والبشرية كلها ساحة لنشاطه، حيث انطلقت الدعوة الإسلامية من فرد إلى آخر، ومن قبيلة إلى أخرى، من أجل تبليغ كلمة الله إلى الناس كافة، فأزيلت الحواجز التي تحول دون هذا الإعلان العام، وأصبح للإسلام قوته التي تسمح للقيام بالخطوة الحاسمة في الجزيرة تمهيدًا لما وراءها من أرض الله حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية.
وكانت تقتضي هذه العالمية الاحتكاك والتفاعل مع المجتمعات والثقافات التي شملتها الفتوحات الإسلامية ، لذا نجد أن القرآن الكريم يضع ويؤسس منهجية واضحة تبرز كيفية النظر إلى الآخر، وكيفية التعامل مع المجتمعات المفتوحة، حيث يقدم منهجًا يتصف بالضوابط والقواعد المعجزة في تعامل المسلم مع غير المسلم، وهذه المبادئ لم يستطع العالم القديم والمعاصر، وكافة الفلسفات والمذاهب والملل والأديان والثقافات، أن تصل إلى ما حدده القرآن الكريم في هذا الميدان، والوقائع خير شاهد ؛ فلم تضمن مبادئهم وقوانينهم في حقوق الإنسان للإنسان أن يعيش في مجتمع تسوده قيم العدل والحرية والإخاء والمساواة، وإنما أثبتت التجارب الوضعية سيطرة العنصرية وغياب العدالة واحترام كرامة الإنسان وحريته، وخاصة في الممارسة الغربية.
ولا شك أن منهج الإسلام في التعامل مع الآخر، سنة اجتماعية وحضارية من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق لا تتخلف ولا تتبدل، وكل ذلك يقع ضمن دائرة التقاء المجتمعات والثقافات، هذا الالتقاء الذي يندفع من عقائد وأنساق معرفية ورؤى قيمية وأنماط حياتية وسلوكية تمتاز بخصوصيتها وتسعى للبرهنة على أحقيتها وإثبات وجودها يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة:48].
ومن الأسس التي واكبت نشر المبادئ الإسلامية، أن الإسلام أثناء انتشاره وفتوحاته، قد اقتلع من قلوب المسلمين والدعاة إليه جذور الحقد الديني بالنسبة لأتباع الديانات الأخرى، وأمر بتعايش الأديان جنبًا إلى جنب في روح من التسامح يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
ولأن وجود الإسلام منذ البداية قد تحدد من خلال مدى استجابته للتحديات التي اعترضت الدعوة الإسلامية، فقد سعت الجماعة المسلمة الأولى – منذ البداية – إلى تحطيم النظام الجاهلي السائد، وبناء نظام جديد، حيث إن دعوة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، لم تكن إلا تعبيرًا عن رفض التعاليم الإسلامية لسياسة التوفيق والمهادنة.
وكان موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية موقفًا أقرب إلى العداء منه إلى الترحيب التي يفرض تقارب الدينين، فظلوا يناوشون الدعوة بإثارة الشكوك والجدال الممل، وإذا كان المنافقون قد تعاهدوا فيما بينهم على أن يعرقلوا خطوات الدعوة الناهضة سرًا، مستعينين في ذلك بأساليبهم الخاصة، فإن أهل الكتاب حرصوا على مواجهة الدعوة جهارًا، مستعينين في ذلك بوصفهم أهل كتاب، والقرآن الكريم قد بين لنا، بعض ما كمن في صدورهم فيقول تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109].
وبالرغم من ذلك، فقد وقف الإسلام منهم موقفًا كريمًا، فجادلهم بالتي هي أحسن، وجعل المنطق حكمًا بينه وبينهم، وربى أتباعه على العفو والصفح إيثارًا للإسلام، فقال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:20].
وإذا كان الإسلام قد أكمل الرسالات السابقة له، حيث كونه حضارة، جاءت حاوية لجوهر هذه الرسالات، واستوعبت في حركتها خط السير الأمثل لمسيرة الإنسان الحضارية في مقبل الأيام، وبذلك كانت الحضارة الإسلامية، ومن خلال تعاليم وتوجيهات القرآن الكريم، أولى الحضارات وخاتمها في آن معًا، من حيث الدور الذي لعبته العقيدة الدينية في مسيرتها، وقدرة هذا الدين على امتصاص كافة التحديات التي واكبت انتشار الدعوة الإسلامية.
وفي هذا الصدد يمكن أن نبرز بوضوح صورة من الوسائل التي انطلق من خلالها الإسلام في تأسيس دولته بالمدينة، ونقصد هنا صحيفة المدينة التي أصدرها النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، والتي نظم بموجبها العلاقات بين المجتمع المسلم الجديد نفسه ، وبينه وبين الكتل البشرية التي تعايشت في المدينة وبخاصة اليهود في مجتمع واحد يجد كل فرد منهم دوره فيه، وتمثل هذه الصحيفة أول دستور مدني في التاريخ، بها حرية المعتقد والعدالة والأمان والشعور بالمواطنة وبتكوين الدولة، وتحتوي الصحيفة على اثنين وخمسين بندًا، يختص خمسة وعشرون منها بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.
وتضمّنت الصحيفة أحكاماً عملية ومنهاجاً واقعياً، التزم به المسلمون فأصبحوا دولة وفاقية قوية، وتعاملوا مع اليهود بأخلاق الإسلام، وتعاليم الشريعة، وكان من أركان هذه العلاقة: حرية المعتقد والملكية، والنُصرة حال العدوان، والأخوّة والتعاون، فهذه الصحيفة تدل على أن الإسلام يقبل تأسيس مجتمعٍ سياسي متنوع في دولة واحدة، ونظام حكم واحد على أساس الإسلام، يتمتع الجميع فيها بحق المواطنة الكاملة، وحقق النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الصحيفة أهدافاً إنسانيّة ودينيّة واجتماعية، وسياسية عظيمة، منها توثيق الصلات بين المسلمين وتحقيق الأمن والاستقرار، كما ساهمت في القضاء على العنصرية قضاء مبرمًا بتذويب العصبيات والنزاعات الجاهلية، وتحقيق الوحدة بين جميع سكان المدينة المنورة.
هذه الوحدة الإنسانية التي أقرها الإسلام اعتمدت على تحريك الضمير الإنساني ليقيم من نفسه حارسًا عليها، ورعايتها أينما كانت، لتقوم الأخوة بين الناس مقام القانون، وذلك بما يبعثه في النفس من تجديد الشعور الأخوي بتلك اللفتات القوية في خطابة العام للناس جميعًا مقرونًا بما ينمي الإحساس بتلاقي أفراد البشر في جدول واحد ينبع من عين الآدمية الأولى، وهذه اللفتات القوية الخالدة بخلود الشريعة الإسلامية ودستورها القرآن الكريم هي إحدى تلك الخصائص التي امتاز بها الإسلام في تصوير الوحدة الإنسانية ووضعها موضعها من الحياة.
وكانت الدعوة الجديدة إرهاصًا بعيد المدى لكل فعاليات النفس العربية، وما حولها في الأنفس والآفاق وفي القبيلة، وفي القبائل كلها متفرقة ومجتمعة، وفيما وراء هذه القبائل من أرض وبشر.
وكان من شأن قيام المجتمع الإسلامي الوليد، على آصرة الإيمان، ورفض العصبية في جميع أشكالها، أن أصبحت الدعوة الإسلامية، إنسانية الطابع، متفتحة الأرجاء، ينضم إليها الأفراد من شتى الأجناس والأنساب واللغات والديار والأوطان، بكامل حريتهم واختيارهم الذاتي، وتعاونت في هذا المجتمع الناشئ كل الأجناس البشرية، بعد أن تعددت الطاقات والخبرات في تأسيس الدولة التي كانت إسلامية الوجهة وعقيدة المنطلق.
وإذا كانت عالمية الرسالة مقررة منذ البدء من خلال التوجيه القرآني:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28].
فإن أحد وجوه الإعجاز القرآني تمثلت في قدرة المسلمين أن أصبحت الثقافات والخبرات التي واجهت الفتوحات الإسلامية، والتي اتصل بها الإسلام أثناء انتشاره، فاكتسب خلالها الكثير من العناصر الحضارية والثقافية التي تمثلها وأصبحت جزءًا من عطائه للإنسانية، حيث أثر بغير شك في تلك الحضارات والثقافات، تأثيرًا قويًا وعميقًا وجذريًا، وأفلح في أن يصبغها بصبغة متميزة، وكانت محصلة ذلك كله هو قيام حضارة إسلامية ذات طابع خاص، ومقومات تتجاوز الأطر الزمانية والمكانية التي عرفتها الحضارات المختلفة.
والتساؤل الذي يفرض نفسه حول الانتشار الإسلامي، أن الإسلام قد استطاع أن يبني حضارة واسعة الأرجاء لم يقدر لها مثيل من الناحية الزمانية – على الأقل – خلال ما لا يتجاوز قرنًا واحدًا من الزمان، فالحضارة الرومانية قد احتاجت لأكثر من أربعة قرون لتشييد إمبراطوريتها الكبرى التي لم تصل إلى الاتساع الإسلامي، أما الدولة الإسلامية فقد تمكنت من أن تربط وسط آسيا بالمحيط الأطلسي في خلال فترة لم تتجاوز إلا بعد عدة أعوام.
إذا كان الأمر كذلك، فكيف تحقق للإسلام هذا الانتشار المعجز؟
لم يكتف الإسلام بالحث على مبادئ حرية العقيدة ونبذ التعصب والدعوة إلى الإخاء والعدل والمساواة، وإنما شرع لإعداد القوة العسكرية تحصينًا عن الكيان الإسلامي، وليس معنى هذا أن القتال كان هو الوسيلة الوحيدة التي استخدمتها الدعوة الإسلامية، وإنما كانت دعوة الإسلام السلمية إلى السلام ونبذ القتال هي الوسيلة التي تسبق استخدام القوة في الدفاع عن الدعوة الجديدة التي لا بد وأن تفرض حدودها، وإلا تعرضت للاستئصال.
ويكفينا في هذا الصدد قوله تعالى للدلالة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].
والأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم؛ لأن فكرة السلام في القرآن الكريم فكرة أصيلة عميقة، تتصل اتصالاً وثيقًا بطبيعة الإسلام، وبتوجيهاته الكلية عن الكون والحياة والإنسان، وهي فكرة تلتقي عندها أنظمته جميعًا، وتلتقي عندها تشريعاته وتوجيهاته، وتجتمع إلهيًا شرائع وشعائره ؛ لأن السلام هو القاعدة الدائمة والحرب هي الاستثناء الذي يقتضيه الخروج من هذا التناسق بالبغي والظلم أو الفساد والاختلال.
ويمكن إبراز أهم أهداف أخلاقيات الحرب التي أقرها الإسلام، والتي تتنافى تمامًا مع أهداف الدول الاستعمارية التي تحولت القوة لديها إلى أداة للبطش والعدوان على الدول المستضعفة، ضمن صور من الهيمنة تملأ خارطة العالم المعاصر، والأمر لا يحتاج إلى بيان، وما قرره القرآن الكريم في هذا الصدد يعد إعجازًا، وفق كل المقاييس والقوانين التي تعارفت على مقاييس القتال وأهداف الحرب، والمعجز أيضًا حول مبادئ الحرب في الإسلام أن هذه القيم الأخلاقية قد مكنت المسلمين من تحقيق حضارة عالمية اعترف بدورها وفضلها العديد من أساطين الفكر والتاريخ والحضارة في الغرب نفسه.
إن الدعوة الإسلامية لم تعن أكثر من وصول دعوة الإسلام إلى مسامع الناس وأبصارهم وقلوبهم: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20].
أقر الإسلام بتعايش الأديان جنبًا إلى جنب في روح من التسامح والمحبة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه فرضًا على العالمين، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}[هود: 118].
وأيضا: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 90].
والدعوة إلى الإسلام تقتضي الأخذ بالحجة والبرهان والرفق واللين: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
ووضع القرآن أساس التسامح لكافة الأديان: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69].
شرع الجهاد في الإسلام بالرغم من كره النفس البشرية للحرب والقتال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
وبذلك لم يكن القتال للإكراه على الدين، وإنما كان لمنع الفتنة الدينية وحماية كرامة الدعوة، أما فكرة القتال عند الأمم غير المسلمة كانت ولا تزال فكرة اعتداء وتعصب، واستعلاء، وجشع وإبادة وكبرياء، وهي عند المسلمين فكرة تكوين ودفاع، وإنقاذ وإصلاح: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
يتضح مما سبق كيف تضيع حرمة المبادئ الإنسانية في ظل حضارة الصراع، لتتعادل موازين القوى المهيمنة على الخارطة المعاصرة، فتغدو قيم الشعوب وتراثها أوراقًا تاريخية لا قيمة لها في عرف العقلية الاستعمارية، حيث يتم تقسيم هذه الكيانات التي تحللت عن ذاتيتها الحضارية، فرصة للتبادل والمساومة على مناطق النفوذ والسيطرة.
إن المسلم حين خرج حاملاً القرآن إلى حوض الحضارات، لم يكن خروجه خروجًا ذاتيًّا، بل كان محمولاً مقدرة إلهية تفوق قدراته الذاتية، كما كان يحمل كتابًا يفوق وعيه الذاتي، فعلاقة العربي بالقرآن هي علاقة دفع غيبي، وليس استعلاء ذاته، وقد كانت المهمة التاريخية تكمن في استيعاب حوض الحضارات باللسان العربي أي (تعريب الحضارات التقليدية) وطرح القرآن أمامها كمنهج بديل يدعو إلى السلام في الأرض.
لقد اقتحم المسلم المجال الحضاري العالمي بأقصى ما أعطته مرحلة التحول القرآني في ربع قرن من مزايا سلوكية جديدة، وهي بطبيعتها ليست مزايا منهجية كاملة، وإن أخذت عن ذلك المنهج، وعبر التدريب الإلهي الشاق معاني السلوك وتجنب الفردية والاستعلاء على الآخرين ، ولم يكن الله يطلب منهم الوعي بكامل المنهج والتدريب عليه في فترة وجيزة لتحول ضخم بل لخص مهمتهم في الخروج إلى الناس لوضع حد بين أمرين واضحين: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وفي إطار «تؤمنون بالله» هنا بالتحديد حكمة الاقتضاء الإلهي.
لقد جاء النهج القرآني في البناء الحضاري الإسلامي مختلفًا عن نهج الغرب ومساره، فقد خرجت أقوام ما كان لها أن تتوحد، ثم ما كان لها أن تتخرج، ولم تأت علاقاتها بالطبيعة وبإنسانها عبر القهر والصراع، وما يؤدي إليه من قهر طبقي وتراكم للثروات وتوظيف للخبرات العلمية، ظلت علاقات الإنتاج وأشكال الإنتاج محكومة بما يفتت الثروة عبر تطبيق السلطة لتشريعات الزكاة، كما وقف الإسلام حائلاً دون القهر الطبقي، فلم يمنح طبقة محدودة، كالرأسمالية التجارية ثم الصناعية في الغرب، مميزات تكثيف رأس المال وقوة العمل وفائض القيمة لتركز عمليات نهب اجتماعي تدخل بها أوروبا مراحل الثورة الصناعية.
د.عبدالوهاب القرش
باحث في العلوم الإسلامية
***
المصادر و المراجع
القرآن الكريم
-حامد ربيع: الإسلام والقوى الدولية : نحو ثورة القرن الواحد والعشرين، دار الموقف العربي ، القاهرة: 1981م.
-شكري فيصل: حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول : دراسة تمهيدية لنشأة المجتمعات الإسلامية ، دار العلم للملايين ، ط 3، بيروت: 1974م
-محمد أبو القاسم حج حمد: العالمية الإسلامية الثانية.. جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ، دار المسيرة ، بيروت: 1399هـ- 1979م .
-محمد الصادق عرجون: الموسوعة في سماحة الإسلام، مؤسسة السجل العربي، القاهرة:1392هـ/ 1972م.
-محمد عبد الله دراز: مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، مطبعة الأزهر، القاهرة:1371هـ/ 1952م.