القرآن الكريم في مديح الشعراء النصارى – بقلم : عبد الوهاب القرش

فن وثقافة ….
عبد الوهاب القرش – مصر
لم تتوقف الكتابة والقول عن {الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}منذ أن طرق العالم قوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} الذي تزلزلت له السماوات والأرض! و اجتهد البلغاء والأدباء و الشعراء والمفسرون والمؤرخون والفلاسفة والمستشرقون في شرحه وتفسيره كلمة كلمة وحرف حرف ، فانحنى الشعراء والأدباء أمام عظمته فتحركت به ألسنتهم، وجرت به أقلامهم. فمدحوا القرآن الكريم بقصائد و مقاطع شِعْرية جميلة…
نبدأ وقفتنا مع ورقة بن نوفل أول نصراني ساند الإسلام علي الإطلاق ، وأعلن بأن ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام رب العالمين فيقول:
وإن يك حقًا يا خديجة فاعلمي…حديثك إياها فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال فاعلمي…من الله وحي يشرح الصدر منزل
وله أشعار أخري غير هذه لا داعي لإيرادها، لأفسح المجال للشعراء المعاصرين من غير المسلمين..ومنهم الشاعر اللبنانى مارون عبود الذي شهد بإعجاز القرآن الكريم وعظمته في مطولته الكبيرة فى مدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:
لولا كتـابُك ما رأينا معجزًا فى أمـةٍ مرصوصـة البنـيانِ
حملت إلى الأقطار من صحرائها قبسَ الهدى ومطارفَ العمرانِ
ويعرب الشاعر – الطبيب ” شبلي شميل “، عن عظمة القرآن ومزاياه.. فيقول:
دع من محمد في سدى قرآنه…ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه…هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من…حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها…ما قيّدوا العمران بالعادات
…..
ببلاغة القرآن قد غلب النهى…وبسيفه أنحى على الهامات
أما الشاعر المهجري ” جورج صيدح ” يقول مادحًا بمعجزة القرآن الكريم:
شرفاً حراء الغار، هل….كحراء في الدنيا مكان؟
أخذ الشهادةَ من شفاه…المصطفى أخذَ البنان
في صدره ضمَّ النجيَّ… وصان معجزةَ الزمان
وتنزلت أمُّ الكتاب …على اليتيم مع اللبان
فهدى الأعارب ذلك الأُ… مِّيُّ بالسوَر الحسان
…..
الوحيُ سَطّر شرعةً… من لا يدين بها يُدان
….
يا صاحبيَّ، بأي آلاء….الرسول تُكذّبان؟
ومن الشعراء النصارى الذين أشادوا بعظمة القرآن الشاعر “إلياس قنصل” ، فيخاطب الرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً:
كتابك زينة الأجيال تزهو…بمعجز آيهِ أمُّ اللغات
ودينُك نعمةٌ في الكون ضاءت…فنوَّرَت النواحي المظلمات
وقد أشاد الشاعر المهجري ” رشيد سليم الخورى” ” الشاعر القروي” بعظمة القرآن الكريم وبلاغته في قصيدته ” عيد البرية ” ، فيقول:
شمس الهداية من قرآنه العلوى…يا للتمدن عم الكون من بدوى
بعث الشريعة من غياهب رمسها…فرعى الحقوق وفتّح الأذهانا
ونجده يستخدم الألفاظ القرآنية في قصيدته التي خاطب فيها الرئيس الأمريكي “طرومن” فيقول:
“طرومن” اقتربت الساعة وانشق القمر… أعرضت عن آياتنا وقلت سحر مستمر
كَمُ جاءهم من نبا بالحقِّ فيك مزدجر…وحكمة بالغة فصحى فما تُغني النُّذر
تولَّ عنهم يوم يدعون إلى شيء نُكر…كأنهم في الأرض أرجال جراد منتشر
يوم يقول الكافرون إن ذا يوم عسر
ويشير الشاعر المهجري” رياض المعلوف ” بأن القرآن الكريم معجزة خالدة، ودستور للشرائع والحكم، فيقول:
آي قرآنك الكريم كتاب…رائع كله ودرٌ من منضدْ
عبرٌ كله وقولٌ كريم… كلما طال عمره يتجددْ
ويشيد الشاعر السوري ” ميخائيل خير الله ويردى” بمعجزة القرآن الكريم فيقول:
آياتك الغرّ إعجاز تنزه عن ..ندّ وليس دعيّ الحب كالسدمِ
حياك ربي بآيات مفصلة … والناس أعجز عن إدراك ربهم
وهذا، شاعر القطرين (خليل مطران) يكتب عن عظمة وجلال القرآن فيقول:
رساله الله لا تنتهي بلا نصب…يشقي الأمين وتغريب وتنكيد
رسالة الله لو حلت على جبل…لاندكّ منها وأضحى بطن أخدود
ولو تحملها بحر لشب لظى…وجف وانهال فيه كل جلمود
فليس بدعاً إذا ناء الصفيّ بها…وبات في ألم منها وتسهيد
….
لتلك تالية الفرقان في عجب, بل آية الحق إذ يبغى بتأييد
و يشير الشاعر المسيحي السوري وصفي قرنفلي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينطق بالقرآن الكريم فيقول:
يتغنى هوى الرسولِ.. ويهذى بانبـثاق الهـدى من القرآنِ
ويمتدح الشاعر السوري عبد الله يوركي حلاق ، القرآن الكريم في قصيدته النونية فيقول:
بعثَ الشريعةَ من غياهبِ رِمسِها فَرَعى الحقوقَ وفتَّحَ الأذهانا
مَرْحَى لأُمِّيٍ يُعَلِّمُ سِفْرُهُ نُبغاءَ يَعْرُبَ حِكمةً وبيانا

وأُطأطِئُ الرأسَ الرفيعَ لذِكْرِ مَنْ صاغَ الحديثَ وعلّمَ القرآنا
ويصف الشاعر المهجري ” ميشال مغربي ” لحظة نزول الوحي علي النبي صل الله عليه وسلم فيقول:
إقرأ.. إقرأ.. وتوإلى الصوتُ مِن…فمِ جبريلَ وللدهرِ التفات
صوتُ جبريلَ فيا وادي حَرا…ء لك الفخر وتُه يا عرفات
ويقول في مطلع قصيدته “لبيك نور المسلمين”:
جوّدتُ ما جوّدتُ من آياتهِ…فإذا ملائكةُ القريض تحوّمُ
وقد حفظ الأديب والشاعر ناصيف اليازجي القرآن وعشقه وتأثر به ، و اقتبس في قصائدة مفردات قرآنية ، وعلى سبيل المثال مقامته الرملية:
الحمد لله الصـمد …حال السرور والكمـد
اللــه لا إله إلاّ …الله مـولاكَ الأَحَـد
لا أم للـــه ولا …والـد لا ولا ولــد
أوّل كــلّ أوّل… أصل الأصول والمدد
الواسعُ الآلاءِ وال… آراءِ علــماً والمدد
الحوْلُ والطَوْلُ له… لا دِرْعَ إلاّ ما سَـرَد
كُلٌ سـواهُ هالكٌ… لا عَـدَدٌ ولا عُــدَد
ولعل أجمل ما نختم به هذه الشواهد الشعرية من إبداعات شعرائنا المسيحيين العرب، ما فاضت به قريحة الشاعر اللبناني حليم دموس الذي توجه بشعره مادحًا القرآن الكريم في قصيدته المسماة ” نشيد القرآن “.. هذه الدرة المتفردة فى تاريخ الأدب العربى، والتى تقع فى “114” رباعية.. بعدد سور القرآن الكريم، كثف الشاعر فيها شاعريته، وأمسك “بمفتاح السر” فى كل سورة من سور القرآن الكريم،.. وكل رباعية منها عبارة عن ثلاث شطرات تنتهى بالشطرة الرابعة المختومة بالياء والنون فى شاعرية رقيقة، عذبت شاعريتها فترقرقت، وعلت فكرتها فأشرقت.
يقول “دموس” عن فاتحة الكتاب:
انظر إلى “أم الكتاب” … وإلى الكتاب المستطاب
فيه العذوبة لا العذاب … وبه “الهدى” للمتقين
ويقول في حديثه عن سورة البقرة:
يا من لهم أجر عظيم … توبوا إلى الله الكريم
فالله تواب رحيم … والله خير الحاكمين
وعن “آل عمران”:
يا بنت “عمران” انظرى … وجه “المسيح” الأطهر
من روح ربك فاشكرى … فالله يجزى الشاكرين
وهكذا يمضى مع سور القرآن الكريم سورة سورة.. فتراه- مثلا- يقول عن سورة “التغابن”:
يوم “التغابن” والمسير … للقاء مولاك الخبير
جحدوا ويا بئس المصير … للجاهلين الجاحدين
و “الطلاق” يقول فيها:
وإذا انجلت آى “الطلاق” … فاذكر تباريح الفراق
فالله يأمر بالوفاق … ويرد كيد المفترين
وعن سورة “الناس” يقول:
والناس خاتمة الكتاب … وبآيها فصل الخطاب
فليحمنا رب الحساب … من شر وسواس لعين
هذه بعض الأزهار التي اقتطفناها من بستان الشعراء النصارى والمبدعين العرب ، ولو أن المقام يحتاج إلى شواهد شعرية أكثر من ذلك، لأثقلنا عشرين بعيرًا مما جادت به قرائح الشعراء النصارى الذين وجدوا في القرآن الكريم منهلاً عذبًا..فراحوا ينهلون من معينه الذي لا ينضب..فجادت قرائحهم، وتفجرت ملكاتهم الخالقة بكثير من الروائع الخالدة، حسبما اشتهت أنفسهم!
فسلام على الشعراء الصادقين..
عبدالوهاب القرش
دكتوراه في العلوم الإسلامية
المراجع:
-إبراهيم السامرائي: اقتباس العلامة ناصيف اليازجي من القرآن الكريم ،مجلة جامعة أم القرى، العدد(16) ، 1418هـ
-إيليا الحاوي ، الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، ط ، دار الكتاب اللبناني، بيروت:1981م.
-جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية، تحقيق عيس فتوح، دمشق : مكتبة 1999م.
-جورج صيدح، حكايات مغترب في ديوان شعر، بيروت: دار مجلة شعر، ط 1960م.
-خليل مطران، ديوان الخليل، القاهر : دار الهلال، 1949م.
-رشيد سليم الخوري ، ديوان الشاعر القروي، ط5، دار المسيرة، القاهر : 1978م.
-عبد الله يوركي حلاق، ديوان خيوط الغمام، القاهر : مطبعة كامل السبع،1984م.
-عزيز مريدن، الشعر القومي في المهجر الجنوبي، دار الفكر ،ط3،1973م
-كامل سلمان الجبور ، معجم الأدباء، بيروت: دار الكتب العلمية، بيروت:2003م.
-محمد عبد الغني حسن، الشعر العربي في المهجر، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر:1955م.
-ميشال مغربي :ديوان أمواج وصخور. ديوان أمواج وصخور، سان باولو: مطبعة الصفد ، 1977م.