آليات إصلاح البنية التعليمية عند الصوفيين المعتدلين – بقلم د. عبد الوهاب القرش

دراسات ….
بقلم د . عبد الوهاب القرش – مصر …
تمثل آليات إصلاح البنية التعليمية وسائل ضرورية لا تستقيم العملية ولا تؤتي ثمارها إلا بها ، وإذا كانت الأهداف والغايات سامية وشريفة ، فلا بد أن تكون الوسائل الموصلة إليها سامية أيضاً وشريفة ، لأن الغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة ، فالأهداف الشريفة هي التي تكون وسائلها شريفة ، لأن الفصل بين الأهداف والغايات صعب لتداخلهما ، ولأن الوسيلة قد تكون هدفاً في ذاتها ووسيلة لغيرها والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، ولما كان العلم الرفيع غاية سامية ، استحال الوصول إليه إلا عبر آليات نزيهة ، بعيدة كل البعد عن التزييف والمجاملة وحرمان الكوادر من موقعهم المناسب حتى يتسنى لهم التعبير عملياً عن تفوقهم ، لذلك عد الصوفية في ظل المنهج الإسلامي آليات بها يمكن إصلاح الحركة التعليمية من خلال قنوات مشروعة ، وأهم هذه الآليات :
آليات في ذات المعلم :
لاشك أن المعلم هو المكون الحقيقي لشخصية الطالب ، والمقوم الأساسي لكيانه وكل صور سلوكه، وكل منابع الفعل ودوافعه مستمدة بطريقة مباشرة من سلوكه وتعاليمه ، مادامت حركة البناء والتنمية الفكرية تعتمد في أساسها على جهد المعلم ، فإن استنفار طاقات الطلاب الروحية ، وشحذ قواهم الكامنة نحو التلقي ، أمر ضروري للوصول إلى التنمية الثقافية والمادية والإجتماعية والنفسية والعقلية ، ولما كان موقع المعلم من الخطورة بمكان من حيث نجاح العملية التعليمية التي ينبني عليها مصير المجتمع ، كان من الضروري لدى السادة الصوفية توافر عدة مطالب في المعلم تمثل حزمة من الآليات التي تعد أساساً في نجاح العملية التعليمية وإلا فلن ينجم سوى المزيد من التخلف ، وهذه الآليات هي :
صلاحية المعلم لموقع القدوة :
إن من الخطر الفادح في الميدان التعليمي ، العشوائية وعدم الدقة في اختيار المعلم ، فقدان الضوابط وعدم الصلاحية للقدوة يجلب الكوارث للمجتمع بتصدير أردأ النماذج التي لا تزيده إلا رجعية في الأخلاق والسلوك والتنمية بشتى ألوانها ، لذلك اشترط الصوفية شفى المعلم أن يكون صالحاً لموقع القدوة ، وذلك على حد قول الإمام الغزالي :” بأن يكون المعلم عاملاً بعلمه ، فلا يكذب قوله فعله ، لأن العلم يدرك بالبصائر ، والعمل يدرك بالإبصار ، وأرباب الإبصار أكثر ، فإذا خالف العمل العلم ضاع منه الرشد ” وقال ابن عربي :” قد شاع في العالم أن يسمى ” عالمًا” من كان عنده علم ما من العلوم ، وإن كان قد أكب على الشهوات وتورط بالشبهات بل في المحرمات ، فعمر دنياه وخرب أخرته، فهذا شخص تناقض أفعاله أقواله ، ولا يصلح لأن يكون معلماً ” وذلك لأنه سوف يصوغ شخصيات الطلاب ، ويصبغ كيان المجتمع ، ويشكله تشكيلاً يعكس فيه صورة سلوكه في مسلك أفراده، ومن هنا لزم شرط الصلاحية الأخلاقية في شخصية المعلم فهو مرآة طلابه .
الأهلية العلمية :
يلزم الجهات المعنية اختيار الأستاذ المناسب ، وإعداده إعداداً جيداً يتناسب مع موقعه المهم ، الذي يتم من خلاله بناء المجتمع أو تدميره وهدمه ، وقد نقل الإمام الغزالي إجماعاً عن العلماء بضرورة اختيار المعلم المؤهل لهذه المكانة فقال :” لابد أن يأخذ طالب العلم عمله ممن كملت أهليته ، وظهرت دياناته ، وتحققت معرفته ، واشتهرت صيانته ، ولا يكفي أن يكون كثير العلم فقط ، بل لابد أن يكون له دربة ودين وخلق جميل ، وذهن صحيح واطلاع تام ، ولا يؤخذ العلم ممن كان أخذه من بطون الكتب من غير أخذ عن أستاذ ، فمن لا يأخذه إلا عن الكتب يقع في الغلط والخطأ ” . وهذا القول يلزم بضرورة توافر الدربة والخبرة في المعلم للعلوم الشرعية والعلوم المتعلقة بأمور الدنيا كالطب والهندسة والكمياء وغيرها .
الترفع عن الدنايا والعزة بالعلم :
إذا تجاوز المعلم – أي معلم – مرحلة الطمع الدنيوي وعمل لدينه ونهضة أمته ، واعتز بعلمه كما كان السلف ، تجاوزت الأمة مرحلة الضياع الحضاري ، والتخلف التقني ، وبدأنا نستعيد ثقتنا بأنفسنا وبمقدراتنا ، ولبدأنا نهتم اهتماماً جدياً بما نحن مقدمون عليه من عمل يتطلب منا شحذ كل طاقاتنا المادية والمعنوية لخلق المجتمع الجديد الذي يتطلع إلى الإسهام المستقل في تطوير حياة المسلم ومستقبل الأمة ، وهذا ما حرص عليه رجالات التصوف عند رؤيتهم للتنمية ، يقول الشيخ المحقق أحمد بن محيي الدين الجزائري :” ينبغي للعلماء أن يكونوا أعزة بمولاهم الذي أهلهم بالعلم ، وأن ينزهوا نفوسهم عن الطمع فيما في أيدي الناس ، ويرفعوا هممهم إجلالاً لمرتبة العلم صيانة لمقامه وحفظاً لمنزلته ” .

إخلاصه لله تعالى :
يواجه الجهات التعليمية خطر غياب الإخلاص ، مما أدى إلى الذوبان أو الموت الحضاري فأكفأت مضطرة على نفسها ، تبحث عن مخرج من ورطتها ، لتعود وقد تأكدت ثقتها بنفسها ، وتجددت قدراتها، وتفجرت في أعماقها المصابيح التي اضاءت طريقها في الماضي قبل أن يدهمها الظلام ، لذلك نادى الصوفية بلزوم إخلاص المعلمين ، يقول سراج الطوسي :” العلم مقرون بالعمل ، والعمل مقرون بالإخلاص ، والإخلاص يريد العالم بعلمه وعمله وجه الله تعالى ” ، وقال الشيخ سهل بن عبد الله التستري :” العلماء كلهم سكارى إلا العاملين ، والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين ، والمخلص على وجل حتى يختم له ، وخطر العالم عظيم إن أراد به مجالسة الكبراء ، أو مباهاة النظراء ، أو استجلاب تعظيم الناس وثنائهم وتصيد الحطام ، فتلك تجرة بائرة وصفقة خاسرة “.
رزانته وحسن مظهره :
اشترط الصوفية في المعلم أن يحافظ على هيبته فلا يضعها بكثرة المزاح ، وأن يعنى بمظهره كما يعنى بجوهره ، يقول الشيخ الإمام الغزالي : ينبغي على المعلم أن يحافظ على مظهره الخارجي ، فيكون نظيفاً طيب الرائحة ، مهتماً بتنظيف الإبط وإزالة الروائح الكريهة من جسمه ، ومهتماً بتسريح شعر رأسه ولحيته ، ويلبس أحسن ثيابه ، وأن يلتزم بالآداب الشرعية حتى يكون قدوة صالحة لمن يعلمه ، وأن يبتعد عن كثرة المزاح فإنه يزيل الهيبة ، متجنباً الحقد والحسد والرياء والإعجاب بالنفس .
وهذا القول الصوفي يبطل ما أبداه أدعياء العلم والولاية من الدخلاء في التصوف على مظهرهم من وسخ وإهمال في الملبس بدعوى الجذب والفناء في المقامات .
د.عبدالوهاب القرش
المصادر والمراجع
-الإمام الغزالي ، إحياء علوم الدين .
-محيي الدين ابن عربي ، مواقع النجوم .
-الإمام أبو حامد الغزالي ، أيها الولد .
-أحمد بن محيي الدين بن مصطفى الجزائري ، نثر العلم وبسطه في بيان كون العلم نقطة .
-السراج الطوسي ، اللمع .
-عماد الدين الأموي الإسنوي ، حياة القلوب .
-الشيخ عبد الرازق الكاشاني ،معجم اصطلاحات الصوفية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة