المواقف العربية وهوية العدو بالقياس إلى قضية فلسطين – بقلم : بكر السباتين

سياسة واخبار …
بقلم : بكر السباتين – فلسطين – الاردن ..
المنطق يقول بأن معايير تحديد “العدو” نسبية وترتبط بعلاقة الفرد أو الجماعة مع الآخر فيما يتعلق بالحقوق والواجبات، شريطة وجود علاقة خلافية ينجم عنها اعتداء مادي لطرف على حقوق الطرف الآخر، أحدهما يكون المعتدي والآخر الضحية، ويشمل هذا التعريف العلاقة البينية على نطاق الدول وحقوق الشعوب والأفراد الداخلية والخارجية وتقدر الحقوق وفق القوانين المثبتة في الدساتير والمرجعيات القانونية في المحاكم حتى على مستوى القانون الدولي المعتمد لدى الأمم المتحدة فيما يتعلق بفض النزاعات بين الدول الأعضاء.
وفي سياق هذه العلاقة فإن الجهة الباغية هي التي تتنكر لحقوق الضحية المشروعة وفق القانون الذي ينظم العلاقات وإجماع الناس.. وقياساً على ذلك فإن القضية المعززة قانونياً تكون عادلة مثل القضية الفلسطينية بعناصرها القائمة على احتلال الكيان الإسرائيلي (العدو) لأرض فلسطين التاريخية وتشريد أصحابها الفلسطينيين (الضحية) إلى المنافي وانتهاك الجاني (الصهيوني) لقرارات الشرعية الدولية التي أنصفت نسبياً حقوق الشعب الفلسطيني منذ نكبة فلسطين عام ثمانية وأربعين.
ومن هنا يمكن تقدير أخلاقيات المواقف تجاه هذه القضية بمعايير حقوق الإنسان لدعم الضحية.. رغم أن تبريرات الدعم تتخذ نموذجين متناقضين، بحيث يعتمد الأول في مواقفه على الحقائق لمقاومة البروبوغاندا التضليلية التي يعممها الطرف النقيض من أجل قلب الحقائق وخلط الأوراق.. فعلى سبيل المثال، قد يقف البعض إلى جانب الضحية من منطلق إنساني فيساندها لوجستياً ومعنوياً أو يجانب الصواب بالوقوف إلى جانب المعتدي بذريعة المصالح المشتركة العليا وتفهم مبدأ الواقعية القائمة على سياسة الأمر الواقع. ولعل أقرب مثال على ذلك هو “حصار غزة” الخانق حيث قام الاحتلال الإسرائيلي بفرضه على قطاع غزة إثر نجاح حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية في 2006 قبل دخول حماس غزة بعام، ثم عزز الاحتلال الحصار بعد سيطرة حماس على غزة في حزيران 2007 حتى الآن. ويشتمل الحصار على منع أو تقنين دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع، من بينها الخل والبسكويت والدواجن واللحوم ومنع الصيد في عمق البحر.. إلا أن الواقعية وسياسة الأمر الواقف والمصالح المشتركة مع الكيان الإسرائيلي دعت بعض الأطراف العربية إلى المساهمة في حصار قطاع غزة، وغلق المعابر بين القطاع ودولة الاحتلال وهو دور أنيط بمصر بمباركة سلطة أوسلو التي تنسق أمنياً مع الاحتلال، ومصر في موقفها المعلن هذا إنما تراعي مصالحها القائمة على مخرجات اتفاقية كامب ديفيد المبرمة مع الكيان الإسرائيلي.
وهو جزء من موقف عربي جديد وفق مصالح إقليمية طورتها الأزمات الخليجية الأخيرة، موقف معلن حيث مرر جزء منه من تحت الطاولة، ليذهب أخيراً إلى محاولة إغلاق ملف القضية الفلسطينية مراعاة لمستجدات مصالح بعض الدول العربية مع كيان الاحتلال بذريعة الحاجة إلى هذا العدو ليتحول إلى حليف استراتيجي في مواجهة إيران.. والثمن تجلى في المتاجرة بحقوق الفلسطينيين من خلال اعتماد صفقة القرن التي تبناها الرئيس الأمريكي ترامب، ومحاولة تمريرها عربياً.
ولأن إيران في نظر تلك الدول هي العدو الاستراتيجي البديل في الخليج العربي، وكونها تدعم المقاومة وخاصة حماس والجهاد الإسلامي في غزة بالمال والخبرات والسلاح، واستطاعت من خلال هذا الدعم ردع العدوان الإسرائيلي المتكرر على القطاع والحفاظ على الدم الفلسطيني المستباح، فقد تطورت سياسة المحاور لتصبح المقاومة الفلسطينية في سياق الاصطفاف الإقليمي جزءاً من معسكر دول الممانعة بما فيها إيران، وحزب الله، وسوريا التي يحاول جيشها الدفاع عن وحدة أراضيه مستعيناً بحلفائه ضد المشروع الصهيوني الرامي إلى ضرب وحدة سوريا، من خلال عناصره المتمثلة بالنصرة وداعش والمال الخليجي.. بالإضافة إلى الجماعات الشيعية (الحشد الشعبي وحزب الله العراقي) التي أنهت وجود داعش في العراق مستهدفة المشروع الصهيوأمريكي في كردستان العراق لتأمين مرور الدعم اللوجستي إلى سوريا وجنوب لبنان بموافقة الحكومة العراقية.. مع أنني ضد استهدافها الذي يثير الالتباس للطائفة السنية العراقية، بذريعة أن تلك الطائفة المضطهدة شاركت في وقت سابق في احتضان تنظيم الدولة الإسلامية، بينما تشكل اليوم البيئة المناسبة لذلك التنظيم الإرهابي.. وهذه حجة واهية ونقطة سوداء تحسب على الحكومة العراقية وإيران.
من هنا تطور المحور المضاد ليشمل العدو الإسرائيلي والدول العربية المتحالفة معه في إطار صفقة القرن ومن ورائهم الولايات المتحدة الأمريكية والجماعات الإرهابية التي تنتحل صفة الإسلام السياسي وقد وظفت واجب الجهاد في غير مكانه، لتشويه ديننا الحنيف خدمة للأجندة الصهيوأمريكية المكشوفة.
في المحصلة لا بد من الوقوف إلى جانب الحق، من خلال التمييز بين هوية العدو الذي يعتدي على حقوق الضحية في مقابل من يسعى لنيل حقوقه من خلال المقاومة المشروعة ومن يدعمها لوجستياً أو معنوياً؛ وعليه فإن العدو سيتحمل إزر المواجهة وما ينجم عنها من ضحايا ودماء من الطرفين.
فلكم الخيار في تسمية من يقف إلى جانب العدو سواء أكان خائناً أو صاحب موقف واقعي، أو شيطاناً رجيماً أو ملاكاً، أو شيخاً جليلاً.. فهذا لا يغير من الحقيقة شيئاً ولا ينظف صاحب هذا الفعل المشين من العار.

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة