الأسباب الحقيقة التي تقف وراء تسميم المناضل المطران عطا الله حنا…- بقلم : بكر السباتين – الاردن

فلسطين …
تحليل حول تسميم المطران عطا الله حنا .. بقلم : بكر السباتين …
بداية نشير إلى ما قاله الدكتور الأردني عبد الله البشير “عمون” في أن المطران عطا الله حنا أدخل المستشفى في عمان وجرت له فحوصات معمقة. وحسب الدكتور البشير: ثمة اشتباه قوي بان المطران مصاب بحالة تسمم.
ولم يصدر بيان رسمي عن الحكومة الاردنية بالخصوص ولا عن الجانب الفلسطيني.
لكن المطران نفسه يضع العالم أمام هواجسه في أنه تعرض لتسميم من قبل الكيان الإسرائيلي المحتل. والمؤشرات لو ثبت الأمر رسمياً تشير إلى ذلك بوضوح.
دعونا ننقب بأنفسنا عن الأسباب من خلال البحث في تفاصيل صمود المطران عطا الله حنا في وجه الاحتلال، وخاصة في ملف تسريب أوقاف طائفة الروم الأرثوذكس في القدس إلى الكيان الإسرائيلي والذي ما يزال مفتوحاً على أسوأ الاحتمالات.
إذ يعتبر المطران عطا الله حنا شخصية وطنية فلسطينية لها مكانتها في سياق الدفاع المستميت عن حقوق الشعب الفلسطيني من خلال صموده في وجه الكيان الإسرائيلي، من منطلقين:
أولاً: كونه فلسطينياً وصاحب قضية لذلك كان يدافع عن فلسطي دون محاباة لطائفة على الأخرى.. فشارك في الدفاع عن المسجد الأقصى كما فعل الشيء ذاته إزاء المقدسات المسيحية المحتلة، وقاوم الاحتلال بكل السبل المتاحة، وخاصة مشاركته في الدعوة العالمية المفتوحة لمقاطعة الكيان الإسرائيلي المحتل في كافة المجالات.
ثانياً: كونه مطراناً سعى دائماً إلى الدفاع عن الأوقاف المسيحية (طائفة الروم الأرثوذكسية) في فلسطين ومنع تسريبها إلى الجمعيات اليهودية لذلك كان على رأس المطالبين بتعريب كنيسة طائفته الأرثوذكسية.
تعرفت على نيافة المطران عطا الله حنا على هامش مهرجان نداء القدس الذي نظمه ملتقى الجذور الثقافي برعاية وزارة الثقافة الأردنية عام 2013 كنت في استقبال المطران يوحنا عطا لله عند المعبر.. فلفت انتباهي مطرانين يونانيين سألتهما عن ضيفنا الكبير فيما لو وصل أم لا – وفي ظننا أنهما قدما معاً- فجفلا متبلمين وكأنما الطير على رأسيهما! فأومآ بإشارة النفي وأدركت حينما مبلغ الامتعاض الذي أصابهما لغاية في نفس يعقوب حيث تجلى الأمر حينما جاء ضيفنا المطران الفلسطيني عطا الله حنا والذي أولى هذه الحادثة اهتمامه الشديد منوهاً بأنه جاء إلى المهرجان دون علمهما (وكان قادماً آنذاك من مدينة نابلس المحتلة التي شارك غبطته فيها بفعاليات شعبية كانت تنادي بمقاطعة البضائع الإسرائيلية.
وكانت في جعبتي أسئلة كثيرة حول ما لاحظته أخذتني إلى مواقفه الفاعلة على الأرض باتجاه حماية المقدسات والأوقاف المسيحية ومقاومة مشروع تهويدها ..
وأذكر أنني كتبت مقالاً موسعاً عما حدث في أزمة أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية بعنوان: “ناقوس الخطر يدق” وأقول بأنه ما يزال يدق.. فطائفة الروم الأرثوذكس بين المطرقة والسنديان.. ومطارنتها العرب في خطر.. ومحاولة اغتيال المطران عطا الله حنا يوحي بخطوات مخيفة باتجاه التصرف بأوقاف كنيسة الروم الأرثوذكسية وإخلاء ساحة المعارضة المسيحية من رموزها.
وحتى ندرك مبلغ الخطورة التي يشكلها المطران عطا الله حنا على مشروع التهويد، دعونا نبحث في جذور أزمة أوقاف كنيسة الروم الأرثوذكسية، ولنقل بأن هناك مؤامرة مستمرة لتهويد مصالح طائفة الروم الأرثوذكس في القدس المحتلة.
ولكن في إي سياق يمكن أن نفهم هذا الأمر! كذلك! ما المؤشرات التي تؤكد هذا! ثم كيف نفهم قرار ما يسمى بإسرائيل بإرغام أبناء كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس على الخدمة العسكرية في صفوف جيش الكيان الإسرائيلي!!؟ وما هي أيضاً الذرائع الإسرائيلية لهذا القرار المجحف بحق الطائفة! وهل صحيح ما قيل عن موقف البطريركية اليونانية التي تشجع على هذا التوجه!؟ وكيف نفهم هذا الأمر في سياق علاقة البطريرك اليوناني للروم الأرثوذكس ومجلس “أخوية القبر المقدس” الذي يرأسه بالكيان الإسرائيلي!! وهل لذلك علاقة بملف تسريب أوقاف البطريركية إلى الكيان الإسرائيلي المحتل!!؟ أين المطارنة العرب من كل ما يجري بحق طائفتهم!! وماذا عن الموقف الأردني صاحب العلاقة القانونية بالطائفة!؟
ماذا لو تم اغتيال المطران عطا الله حنا بالسم! فما هو المتوقع من قبل الكيان الإسرائيلي إزاء ملف أوقاف طائفة الروم الأرثوذكسية، لو افترضنا بأن للكيان المحتل عملاء ازدادوا نشاطاً داخل الطائفة ويجيرون نشاطاتهم لصالح بيع الأوقاف الخاصة بالطائفة للمحتل الإسرائيلي!؟
كل ذلك سنحاول الإجابة عنه في سياق هذا المقال الذي يتناول المخاطر التي تعترض مستقبل طائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين والأردن وموقف الرعية ومطارنتها العرب لتغيير المسار المشبوه لكنيستهم وفق رؤية تحافظ على بطريركيتهم من الانحرافات اليونانية المشبوهة وذلك باتجاه تعريبها.

يعتبر المسيحيون الأرثوذكس كنيستهم في القدس أم الكنائس، فهي الكنيسة الأولى في التاريخ والتي أسست في القدس يوم *(العنصرة) ومن هذا المكان المقدس انتشرت بشارة المسيح إلى كل العالم. وتعتبر هذه الكنيسة جزءٌ من الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.
البطريرك الحالي لهذه الكنيسة هو كيريوس ثيوفيلوس الثالث وهو البطريرك الأرثوذكسي أل 141 على كرسي القدس والذي سحب الأردن اعترافه به (لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقاً).
وتضم البطريركية الأرثوذوكسية في القدس الرعايا في كل من الأردن وفلسطين التاريخية إذ يبلغ عددهم التقريبي ما يقارب أل 500,000 مسيحي وقد هاجر معظم أبناء الطائفة بعد نكبة فلسطين إلى الأردن والأمريكيتين مما جعل العدد الأكبر منهم يتركز في الأردن.
وينظم شؤون البطريركية القانون الأردني رقم 1358 الصادر في عمان بتاريخ 1/6/1958 تحت مسمى(قانون بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية.
والبطريرك بموجب هذا القانون هو الرئيس الأعلى للكنيسة الأرثوذكسية في الكرسي ألبطريركي المقدسي وممثلها و رئيس مجمعها المقدس ومجلسها المختلط ورابطة اتحادها مع الكنائس الأرثوذكسية المستقلة ويتمتع بالحقوق والامتيازات المذهبية وله الولاية العامة.
وتجيز المادة 12 من القانون أعلاه للبطريرك امتلاك الأموال المنقولة وغير المنقولة وتسلم المبرات والوقفيات والتصرف بها بصفته المتولي من اجل أية غاية متصلة بصلاحيات البطريرك في المجلس أو بواجباته والادعاء والدفاع باسمه لدى المحاكم والقيام بأي عمل تقتضيه صلاحياته وواجباته.
إذن ما هي جذور الأزمة التي وقعت فيها البطريركية!. فقد كانت تمتلك الكنيسة الأرثوذكسية ربع القدس القديمة البالغة قرابة كيلو متر مربع، كما تمتلك أراضي شاسعة، وأديرة، ومقابر، خارج البلدة القديمة في القدس، فضلاً عن عقارات في مدن فلسطينية كبرى، كانت ممتلكات أوقفها العرب المسيحيون في فلسطين حتى يستفاد منها لمصلحة الكنيسة خلال حقبة الإمبراطورية العثمانية، خوفاً من مصادرة هذه الأراضي واعتبارها أراضي دولة من قبل العثمانيين، ووفقاً لسجلات الكنيسة فإنها تمتلك نحو 18% من مساحة غربي القدس و17% من مساحة القسم الشرقي من المدينة، أي 35% من المساحة العامة للقدس بشطريها.
ولكن ما جرى لهذه الأوقاف التي وهبتها الرعية العربية لكنيستهم، قد تم التصرف بها من قبل البطريرك اليوناني وفق صلاحياته القانونية خلافاً لحقوقهم الوطنية التي انتهكت من قبل البطريرك والذي أخذ يحجم الوجود ألبطريركي العربي في الكنيسة من أجل الحفاظ على سطوته بعيداً عن تداعيات القضية الفلسطينية التي تنتمي إليها الرعية المغبونة من قِبَلِهْ.
إذ إن قسماً لا بأس به من هذه الأملاك سُرّبت إلى اليهود المحتلين، عن طريق البيع أو الإيجار طويل الأمد لمدة 99 سنة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، باعت الكنيسة الأرثوذكسية مقبرتها، وأراضي دير “مار سابا” في بيت لحم، وباعت أيضاً أراضي جبل أبو غنيم في القدس، التي تحولت إلى مستوطنة صهيونية كبيرة، باسم “هارحوما” لتكمل بذلك فصل القدس عن بيت لحم، وباعت أو أجّرت لأجل طويل أكبر مأوى لحجاج القدس من “المسكوب” أو أهل موسكو، وعليه يقوم اليوم معتقل المسكوبية سيء الذكر، وأراضي جبل أبي طور، وأخيراً ساحة عمر بن الخطاب في البلدة القديمة في القدس.
عضو اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي عودة قواس، يقول لـ”عربي21″ إنه “لا بيع للأراضي، وما حدث هو تجديد عقد تأجيري موقع مع الاحتلال منذ 1951 لمدة 99 عاما تنتهي في عام 2050، في عام 2002 قام حاخام بتزوير العقد ورفعت البطريركية القضية، وسُجن المُزور ودفع مبلغا كتعويض، لكن خلال فترة المحكمة كان العقد المزور ساري المفعول ومدد المزور لبعض السكان بمبالغ محددة، وبدأ هؤلاء السكان برفع قضايا على البطريركية بمبالغ مالية كبيرة، وعندما انتخب البطريرك ثيوفيلوس الثالث جاء لينتهي من المشاكل الحاصلة في العقارات، وتم الاتفاق على تغيير بنود اتفاقية 1951 وتجديدها 99 عاما على أن تؤول كامل ملكية العقارات في 2150 إلى البطريركية، وهذا أغلق الباب أمام قانون تسنه إسرائيل ينص على أن كل الأراضي الكنسية المؤجرة لمدد طويلة تؤول لإسرائيل”.
وفي هذا السياق يقول إيميل الغوري عضو الاتحاد الأرثوذكسي العربي في حديث لـ”عربي21 ” إن “الكنيسة تحاول تسويغ تأجير الأراضي خوفا من أن تضيع، وفي الحقيقة هو موضوع مادي دون الأخذ بالاعتبار الجانب الوطني”.

أما عن الموقف الأردني من تسريب الأوقاف المسيحية، فالحكومة الأردنية لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يدور في الأوقاف المسيحية الخاضعة لها بموجب القانون؛ إذ قررت سابقاً في جلستها يوم السبت الموافق 12/4/2007 سحب اعترافها ب”ثيوفيليوس” الثالث لعدم وفائه بالتزاماته التي تعهد بها أمام الحكومة الأردنية خلال فترة عمله باسترجاع أملاك الكنيسة المهدورة من الكيان الإسرائيلي.
وكانت الحكومة الأردنية قد اشترطت في حينها على البطريرك “ثيوفيليوس” الثالث لمنحها اعترافها وثقتها؛ أن يعيد إلى أملاك الكنيسة ما باعه وأجره سلفه بطريرك الروم الأرثوذكس “ايرينيوس” في أيار/مايو 2005 من أوقاف كنيسة الروم الأرثوذكس لرجال أعمال يهود. وهو ما تعهد به البطريرك عندما تم تعيينه في هذا المنصب في أغسطس/آب عام 2005.
ويأتي القرار الأردني ( المشار إليه) من أجل حماية البطريركية الأرثوذكسية من الهلاك وتسريب ما تبقى من ممتلكات وأوقاف أرثوذكسية إلى جهات استيطانية إسرائيلية خاصة في مدينة القدس المحتلة من اجل المساهمة في تهويدها.
وكانت مسألة تأجير فندقين و 27 متجرا من أملاك طائفة الروم الأرثوذكس في باب الخليل في القدس القديمة لمدة 99عاما إلى جمعيات يهودية استيطانية أدت إلى الإطاحة ببطريرك الروم الأرثوذكس “ايرينيوس”.
إذ إن مساحات كبيرة من الأراضي، وأملاك مثل دير مار يوحنا (نحو 164غرفة) في القدس القديمة تابعة للبطريركية انتقلت إلى المستوطنين اليهود في عهد البطريرك “ثيودورس” الأول.
إذاً ما علاقة محاولة تسميم المطران عطا الله حنا بمحاولات تسريب أوقاف الطائفة الأرثوذكسية في القدس إلى الكيان الإسرائيلي المحتل!
هذا يقودنا للحديث عن موقف أبناء الطائفة المغبونة وربط ذلك بموقف المطران عطا الله حنا الرافض من الأصل للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فقد كشفت مصادر في مجلس المؤسسات العربية الأرثوذكسية في فلسطين آنذاك انه “بعد تنحية البطريرك “ايرينيوس” والمصادقة على انتخاب البطريرك “ثيوفيليوس” الثالث من قبل السلطتين السياسيتين الفلسطينية والأردنية قدم البطريرك وأعضاء المجمع المقدس تعهدات والتزامات إلى الحكومتين الفلسطينية والأردنية المتعلقة بالعمل الجاد على إلغاء صفقة باب الخليل والشبهات المماثلة ذات العلاقة. وهذا الأمر لم يحصل أبداً.
ومن هنا دب الصراع بين البطريركية اليونانية والرعية المتمسكة بحقوقها الوطنية والمصممة على استعادة كنيستهم من براثن البطريركية اليونانية التي جعلت تستمد قوتها من تنازلاتها غير المحددة للكيان الإسرائيلي.
ويتجلى موقف أبناء الطائفة من خلال مطارنتها العرب وخاصة احتدام هذا الصراع داخل بطريركية الروم الأرثوذكس بين المطران العربي الوحيد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، المطران عطا الله حنا وبين البطريرك “ثيوفيلوس” الثالث، حيث انتقده فيها بشدة على تقصيره باتخاذ الخطوات القضائية والقانونية المطلوبة لإبطال الصفقات المشبوهة مع المستوطنين والتي أبرمت بالماضي، كما انتقده لعدم اتخاذه أية إجراءات إصلاحية وتغيير في الهيكلية الإدارية للكنيسة.. لذلك تم تهميشه بطريقة لا تلفت الانتباه فكيف حدث ذلك؟
يشار إلى انه يوجد في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 أكثر من 35 ألف فلسطيني مسيحي أرثوذكسي.
وعن كيفية تحكم بطريرك الطائفة بالموقف فهذا يعود إلى جملة من القوانين الداخلية المنظمة للهيكل الإداري من خلال القوانين الكنسية البنيوية والهيكلية لهذه البطريركية التي تقوم على ديمقراطية مشوهة.
فالبطريرك اليوناني الذي يرأس المجمع المقدس يقوم باختيار منتخبيه من ” أخوية القبر المقدس ”وهم عدد 18 عضواً من اليونانيين واثنين من العرب تضمهم؛ فلا شك أن انتخاب البطريرك سيكون مضموناً بالإجماع. وهذا بالطبع يخالف مبادئ الديمقراطية الحقيقية. إذ لا يجوز اختيار المرشح لقاعدته الانتخابية كما هو الحال هنا؛ وهو ما أوضحه أيضاً الأنشمندريت “خرستوفو” في لقاء معه عبر قناة الميادين بتاريخ 7/4/2014 أجراه الصحفي غسان الشامي، وهو من مواليد عام 1970 في القدس وتخرج من الجامعة الأردنية في مجال علم الاجتماع، وكان قد بادر وهو في الأردن إلى إنشاء أبريشة “دبين” قريباً من كنيستي “مار الياس” الكبرى والصغرى المكتشفتين حديثاً ؛ ورغم ذلك لم تعترف ببطريركيته بالأبرشية التي بناها واعتبر فقط بعد متابعات إدارية مرهقة، وكيلاً عن بطريركية المجمع المقدس مما يعني بكل سهولة الاستغناء عنه.
وتساءل “خرستوفو” أنه في إي سياق يمكن فهم إجراء البطريركية بحق كل مخالف سياساتها من المطارنة العرب الذين يطالبون بدور أكبر لهم في موقع القيادة المتصدر للطائفة، بحيث يتم إبعادهم بطريقة محنكة؛ فيمنحونهم مناصب فرعية.
وهو ما حصل مع المطران”عطا الله حنا” الذي عهدت إليه أبريشة “سبسطية” بعيداً عن المواقع الفاعلة في كنيسة الروم الأرثوذكس.. وهو ذات الأمر الذي يجعلنا نفترض بأن الكيان الإسرائيلي الذي يفتح شهيته للأوقاف المسيحية يضمر في عقله توجهاً نحو الاستحواذ على ما يقدر عليه من أوقاف الطائفة الأرثوذكسية بعد إزالة العقبة الكأداء المتمثلة بنيافة المطران الوطني عطا الله حنا..
وللتاريخ أقول بأن المطران عطا الله المستهدف في عملية التسميم لم يضمر لقادة طائفته اليونانيين العداء ولم ينافسهم على قيادة الطائفة رغم محاولته الدؤوبة في تعريب البطريركية؛ لدرء محاولات السطو على أوقافها من منطلق وطني وفي إطار ملف القضية الفلسطينية، وأستطيع الدخول إلى عقل غبطته من خلال الشواهد التي تحدث عنها غبطة الأنشمندريت “خرستوفو” والمتجلية فيما يلي:
أولاً: تنتمي رعية الروم الأرثوذكس التي ينتمي إليها المطران عطا الله حنا روحياً إلى الفكر اللاهوتي النابع من معطيات العلاقة بين كنيستهم اللاهوتية وبين الفكر الإغريقي من خلال الإرث اللاهوتي لبطاركة المجمع المقدسي اليونانيين. بينما تنتمي هذه الكنيسة إلى الحضارة المشتركة بين الإسلام والمسيحية في المنطقة التي توطدت فيها العلاقة الطائفية عبر قرون من الزمن.
وأذكر في سياق ما راح إليه “خرستوفو” في هذه النقطة بالذات ما جاء في ورقة أعدها الدكتور صالح حمارنة، وقدمها في المؤتمر الدولي لبلاد الشام عام 1974 حيث بين أصول المسيحيين العرب في بلاد الشام وخاصة في الأردن وفلسطين المعنيتان بأوقاف ورعية بطريركية الجبل المقدس. ففي غالبيتهم ينتمون إلى العرب الغساسنة اليعاقبة أو قبائل بني تغلب. وكانت الأديرة على ضفتي نهر الأردن في مطلع القرن السادس الميلادي تزيد عن العشرين، مستشهداً في ذلك بما قاله الأب “فيدرلين” في هذا الشأن.
ثانياً: التعريب لا يلغي الآخر في كنيسة تحترم رعيتها. ومن هنا فلا داعي لخوف البطريركية اليونانية من استعادة العرب لمجمعهم المقدس وحصولهم على النسبة التي تمثلهم في أخوية القبر المقدس، ويفهم من هذا البند ضرورة أن يُنتَخبُ أعضاءُ الأخوية من قبل الرعية حتى يقوم أفرادها بممارسة حقهم بانتخاب رأس كنيستهم البطريرك الأكبر للمجمع المقدس من خلال ديمقراطية حقيقية.
ثالثاً: والأهم من كل ذلك كما يستشف من حديث هذا المقدسي الوطني الغيور الأنشمندريت “خرستوفو” الذي زار مسقط رأسه في القدس قبل شهر وهو يصف الحال المزري للمدينة التي بدأت تخسر طابعها العربي وأوقافها الكنسية والدموع تكاد تنفر من عينيه منوهاً إلى ضرورة إخضاع أوقاف الكنيسة لدائرة يجب استحداثها تحت اسم( دائرة الأملاك في المجمع المقدسي) وتكون هذه الدائرة خاضعة لرقابة صارمة. لمتابعة تقييم الوضع الحالي لأوقاف الكنيسة ومحاولة استعادتها بشتى السبل المتاحة.. وهذا ما يسعى إليه أيضاً المطران عطا الله حنا ويصرح به في كل المنابر، لا بل يدعوا إلى خروج المحتل الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة دون قيد أو شرط.
وأخيراً!! فالقضية بدأت تتخذ منعطفاً خطيراً يتجاوز كل المحظورات باتجاه تهويد أوقاف طائفة الروم الأرثوذكس، ومحاولة دمج أبناء الطائفة العرب بالمجتمع الإسرائيلي؛ ما يجعل من موضوع تسريب العقارات الخاصة ببطريركية المجمع المقدسي للروم الأرثوذكس قضية داخلية صرفة، يساعدهم في ذلك (كما يبدو) تهاون البطريركية اليونانية لكنيسة الروم الأرثوذكس التي لم تعد قانونية في العرف السيادي الأردني لتجاوزها القانون الأردني الذي ينظم عملهم.
القضية باتت أكثر إلحاحاً لوضع الحلول المجدية لها من أجل إنقاذ إحدى أهم الطوائف المسيحية في فلسطين والأردن من التجاوزات الممنهجة من قبل البطريركية “الصهيويونانية” وحماية أبنائها من التجنيد الإجباري في الجيش الذي سلب وطنهم فلسطين، وبخس بأوقاف كنيستهم، وذلك من خلال سياسة تجريدهم من هويتهم المقدسية الفلسطينية وتمويه شخصيتهم المعنوية الروحية وسلب حقوقهم وأوقافهم على رؤوس الأشهاد.
إن محاولة تسميم المطران عطا الله حنا من قبل الصهاينة وعملائهم المزروعين في كل مكان يوحي بحجم المؤامرة على أوقاف كنيسة الروم الأرثوذكس، ويفترض خيارات ورهانات مخيفة في وقت ينشط فيه عملاء الكيان الإسرائيلي المجيرين لصفقة القرن، بمحاولة شراء الأراضي المقدسية لصالح الجمعيات اليهودية، في وقت ينتظر وصول أحد أقطاب هذه الصفقة إلى قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية بدعم إسرائيلي خليجي مكشوف.. وهنا تكمن خطورة شخصية وطنية فذة كالمطران عطا الله حنا الذي يتهم الكيان الإسرائيلي بتسميمه وهو يعاني من حالة مرضية غامضة دعت الدكتور عبدالله البشير ليشتبه بإصابة نيافة المطران بحالة تسمم يصعب التعامل معها.. وهي فرصة للتحرك للحصول على الترياق من الجاني الصهيوني بضغوط أردنية وأممية.

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة