دراسات ….
بقلم : د . عبد الوهاب قرش – فلسطين المحتلة ..
المسجد الأقصى معهد الأنبياء عليهم السلام جميعًا، ومتعهد الأولياء رضي الله عنهم ، وثاني البيت الحرام في البناء ، وأولى القبلتين في الابتداء،فهو نهاية رحلة الإسراء ، وبداية رحلة المعراج، ويختص المسجد الأقصى المبارك بعدد من الأحكام الفقهية عند الفقهاء، بحثوها في أماكن متفرقة في كتب الفقه: في أبواب الطهارة، والصلاة، والاعتكاف، والنذر، والحج، وغيرها، وقد جمعها بعض العلماء في مؤلفات وأبحاث خاصة، وبعض تلك الأحكام بحثها بعض العلماء في الأحكام المتعلقة بالمساجد ومنها:
ثاني مسجد في الأرض:
عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : « قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال : « المسجد الحرام » ، قال : قلت : ثم أي ؟ قال : « ثم المسجد الأقصى » ، قلت : كم بينهما ؟ قال : « أربعون عاما » ؟ . ثم الأرض لك مسجد ، فحيثما أدركتك الصلاة فصل»(أخرجه البخاري ومسلم)
مباركة الأرض حوله:
أخبر الله تعالى عن المسجد الأقصى أنه بارك حوله في قوله تعالى:{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(الإسراء:1)، وفي الآية معنيان : أحدهما أنه مبارك بمن دفن حوله من الأنبياء المصطفين الأخيار عليهم السلام ، والثاني:بكثرة الثمار ومجاري الأنهار.
القبلة الأولى للمسلمين:
من الفضائل التي اختص بها المسجد الأقصى ، أن جعله الله تعالى أولى القبلتين ، فإليه كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة المشرفة ، وفي ذلك دلالة على أن هذا البيت ، شرفه الله تعالى وكرمه ، فوجه أنظار المسلمين إليه فترة من الزمن.
فضل الصلاة فيه:
ومن خصائص المسجد الأقصى وفضله مضاعفة الصلاة فيه ، وقد اختلفت الأحاديث في مقدار الصلاة ، قيل أن الصلاة فيه مقدارها خمسمائة فعن أبي الدرادء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة »(تحفة الركع).
الإسراء إليه والمعراج منه:
إلى الأقصى كان إسراء النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ونزل في ذلك قوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.وهذه الآية هي المعظمة لقدره بإسراء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل عليه السلام بيت المقدس فصلى ركعتين.
تشد الرحال إليه:
جعل الشرع هذا المسجد أحد ثلاثة مساجد تشد إليها الرحال، فقال صلى الله عليه وسلم:« لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»(أخرجه البخاري ومسلم).
استحباب ختم القرآن فيه:
روي: كانوا يستحبون لمن أتي المساجد الثلاثة ، أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج: المسجد الحرام، مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس. كما روي أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان يختم به القرآن.
مضاعفة السيئات فيه:
حكى عن بعض السلف أن السيئات تضاعفت في المسجد الأقصى،فعن الليث بن سعد عن نافع قال: « قال لي ابن عمر رضي الله عنهما: – ونحن في بيت المقدس – يانافع أخرج بنا من هذا البيت فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات”.. وعلى هذا يقتضي من المسلم أن يكون على حذر في هذه البقعة المباركة فلايعمل السيئات لإنها تضاعف فيه».
يكره استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط:قاله أهل العلم.
استحباب الإحرام بالحج والعمرة منه:
أخرج أبي داود وغيره من حديث أم سلمه رضي الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، أو وهبت له الجنة».
وأحرم جماعة من السلف منه ، مثل أم المؤمنين سيدتنا صفية رضي الله عنها ، وابن عمر ، ومعاذ ، وغيرهم.
أنه يحذر من اليمين الفاجرة فيه:وكذلك في المسجدين فإن عقوبتها عاجلة.
الوفاء بالنذر بالصلاة فيه:
لا خلاف يعلم أن من نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة فيه يلزمه ، لعموم الوفاء بالنذر ، ولظاهر خبر « لا تشد الرحال ..» ، أما من نذر إتيانه لغير الصلاة ، فلا يلزم.
فضل الطاعات والقربات فيه:
وردت أخبار وآثار ومرويات وإن كان في معظمها ضعف ، إلا أنها يعمل بها في فضائل الأعمال فمن ذلك:عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من زار بيت المقدس محتسباً أعطاه الله ثواب ألف شهيد. وعنه أن رسول الله قال: « من زار بيت المقدس محتسباً حرّم الله لحمه وجسده على النار». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله : من صلى في بيت المقدس غفرت له ذنبه كلها»، وقال الله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ}(البقرة:210).أي بيت المقدس، وعن مكحول عن كعب : «من أتى بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وعن شمالها ودعا عند موضع السلسلة وتصدق بما قلَّ أو كثر استجيب دعاؤه وكشف اللَّه تعالى حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإن سأل اللَّه الشهادة أعطاه اللَّه إياها»، وقال مكحول: «من صلّى في بيت المقدس ظهرًا وعصرًا ومغربا وعشاء ثم صلّى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».. وقال « من خرج إلى بيت المقدس بغير حاجة إلا الصلاة فيه فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه».
وعن عبد اللَّه بن يزيد عن مكحول «قال من زار بيت المقدس شوقا إليه دخل الجنة مدللا وزاره جميع الأنبياء في الجنة وغبطوه بمنزلته من اللَّه -عز وجل- وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس إلا شيعتهم عشرة آلاف من الملائكة يستغفرون اللَّه لهم ويصلون عليهم ولهم مثل أعمالهم إذا انتهوا إلى بيت المقدس فلهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا. ومن دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر تلقاه اللَّه -تعالى- بمائة رحمة “ما منها رحمة» إلا لو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم ومن صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكان له بكل شعرة من جسده حسنة، ومن صلى ببيت المقدس أربع ركعات مر على الصراط كالبرق الخاطف وأعطي أمان من الفزع الأكبر يوم القيامة، ومن صلى ببيت المقدس ست ركعات أعطي مائة دعوة مستجابة أدناها براءة من النار ووجبت له الجنة ومن صلى في بيت المقدس ثماني ركعات كان رفيق إبراهيم الخليل -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات كان رفيق داود وسليمان عليهما السلام في الجنة ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس كان له مثل حسناتهم ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة وغفرت له ذنوبه كلها».
وعن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال:«قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: “ثلاثة أملاك ملك موكل بالكعبة وملك موكل بمسجدي وملك موكل بالمسجد الأقصى. فأما الملك الموكل بالكعبة: فينادي كل يوم: من ترك فرائض اللَّه خرج من أمان اللَّه، وأما الملك الموكل بمسجدي: فهو ينادي في كل يوم من ترك سنة محمد صلى اللَّه عليه وسلم يرد الحوض لم تدركه شفاعة محمد صلى اللَّه عليه وسلم أما الملك الموكل بالمسجد الأقصى: فينادي كل يوم من كان مطعمه حراما كان عمله مضروبا به في وجهه».
وعن قتادة عن أنس رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من صلى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات تقرأ في الخمس الصلوات عشرة الآف {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] فقد اشترى نفسه من اللَّه تعالى وليس للنار عليه سلطان».
وعن أبي الزاهرة جدير بن كريب قال: «أتيت بيت المقدس أريد الصلاة فدخلت المسجد وغفلت عيني عن السدنة حين طفيت “المصابيح” وانقطعت الرجل وغلقت الأبواب فبينما أنا كذلك إذ سمعت حفيفا له جناحان قد أقبل وهو يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان اللَّه القائم الدائم، سبحان اللَّه الحي القيوم، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح سبحان اللَّه العظيم وبحمده سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ثم أقبل حفيف يتلوه وهو يقول مثل قوله ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم قرب مني فقال: آدمي أنت؟ قلت: نعم قال: لا خوف عليك هذه الملائكة “فقال” سألتك باللَّه الذي قواكم على ما أرى من الأول؟.. فقال: جبريل قلت: والذي يليه قال: ميكائيل فقلت: ومن يتلوها بعد ذلك؟ فقال: الملائكة فقلت: سألتك باللَّه الذي قواكم على ما أرى ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها سنة في كل يوم مرة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو “يرى له” قال أبو الزاهرة فقلت: سنة كثير لعلّي لا أعيش فقلتها في يوم عدد أيام السنة يعنى ثلاثمائة وستين مرة فرأيت مقعدي في الجنة».
وأما مضاعفة الصلاة فمنها ما رواه قتادة عن عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه- عن أبي ذر قال: قلت يا رسول اللَّه! الصلاة في مسجدك هذا أفضل من الصلاة في بيت المقدس؟ فقال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر وليأتين على الناس “زمان” ولبسطة قوس الرجل من حيث يرى منه بيت المقدس خيرًا له وأحب إليه من الدنيا جميعًا».
وعن أبي أمامة الباهلي رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من حجَّ البيت واعتمر وصلى ببيت المقدس وجاهد ورابط فقد استكمل جميع سنني».. قال أحمد بن أنس عن حبيب المؤذن عن أبي زياد الشيباني وأبي أمية الصنعاني قال: « كنا بمكّة فإذا رجل في ظل الكعبة وإذا هو سفيان الثوري فسأله الرجل فقال: يا أبا عبد اللَّه ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ فقال: بمائة ألف صلاة ففي مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال خمسين ألف صلاة. قال ففي بيت المقدس أربعين ألف صلاة».
وعن أنس قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم:« صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجد الكعبة بمائة ألف صلاة وصلاته في مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة» (أخرجه الطبراني وابن ماجه).
المسجد الأقصى معقل من الدجال:
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” معقل المسلمين من الملاحم دمشق ، ومعقلهم من الدجال ببيت المقدس ، ومعقلهم من يأجوج وأجوج الطور”(أخرجه ابن أبي شيبة).
فيا كل مرابط بالنفس والنفيس ، وبالقلم الطاهر واللسان الصادق ، ويا كل غيور على أولى القبلتين وثاني الحرمين :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران:200)..وليكن المسجد الأقصى في نفوسكم ونفوس الأجيال معلمًا من معالم الإسلام لا يزول ولا يحول..والله غالب على أمره، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المصادر:
القرآن الكريم
-إتحاف الأخِصّا بفَضَائل المسجد الأقصى: شمس الدين محمد بن أحمد بن علي بن عبد الخالق، المنهاجي الأسيوطي ، المحقق: د/ أحمد رمضان أحمد: الهيئة المصرية العامة للكتب: 1982 – 1984م.
-الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: لابن عبد البر ، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى، 1421ه/2000م.
-الجامع لأحكام القرآن ، تفسير القرطبي ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية ،ط 2، القاهرة :1384هـ/1964م.
-تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد ، لأبي بكر الجراعي ، عناية: صالح النهام ومحمد باني صباح العنزي وفيصل العلي 1425ه/2004م.
-سنن أبي داود أبو داود :لسليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السَجِسْتاني ،تحقق: شعَيب الأرنؤوط – محَمَّد كامِل قره بللي الناشر: دار الرسالة العالمية الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009 م.
-نيل الأوطار المؤلف: للشوكاني ، تحقيق: عصام الدين الصبابطي الناشر: دار الحديث، ط1،مصر: 1413هـ / 1993م.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

