تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

أراء حره …
إدوارد فيلبس جرجس- نيويورك
ونحن في الدراسة في المرحلة الثانوية ، كان مقررا علينا في مادة النصوص والأدب النثري ما يسمى بالمقامات ، أتذكر جيداً ” المقامة الصنعائية ” ، التي تحكي عن رجل غريب يزور لأول مرة مدينة كبيرة ، وأثناء تجوله بأحد ميادينها ، شاهد عن بعد مجموعة كبيرة متزاحمة من البشر ، فأخذه الفضول واتجه نحوها ، فوجد أنهم يلتفون حول رجل يقف فوق قطعة من الحجر يخطب فيهم ، اندس وسطهم ، فوجد الرجل يتحدث عن الزهد في الحياة ، وأن الإنسان يجب ألا يغوص في الملذات التي تدفع الإنسان للخطيئة ، وألا يتخم معدته بالطعام والشراب حتى لا يدفعه الشبع إلى نسيان الفقراء ويسوقه إلى معاصي أخرى . انتهى الرجل من خطابه واندفع الناس ليضعوا في المنديل الذي فرشه على الأرض بجانبه ما تيسر من المال ، واندهش الرجل الغريب عندما رأى المنديل وقد امتلأ ، وقرر أن يتبعه حتى يعرف منزله ليستفيد من من علمه أكثر وأكثر ، فشاهده يتجه إلى محل شواء ويشتري كبشا حنيذا من الأوزي الصغير ، ثم يميل على محل للخمور ليشتري زجاجة من النبيذ المعتق ، ثم يتجه إلى منزله المشيد بالطوب الأحمر ، وعندما دخل الواعظ إلى بيته وأغلق الباب ، تتبعه الغريب ونظر من ثقب الباب فوجد خادمه يقدم إليه يخلع عنه عباءته ويصب الماء على يديه ليغسلهما ، ثم يعد له مائدة عليها الأوزي ، ويقف ليصب له النبيذ الفاخر ي كأسه . انسحب الغريب وهو يضرب كفا بكف وهو يتذكر كلمات الرجل التي أبكت من كانوا يستمعون إليه . سنوات طويلة ذهبت وأنا لا زلت أتذكر المقامة الصنعائية ، وكيف أنساها وهي تتكرر أمامي كل يوم ، رجال دين من كل ملة يتحدثون عن الزهد وعن الفقراء ويبكون الناس على دنياهم وآخرتهم ويتركونهم مع دموعهم ليعيشوا هم معيشة ترفُل في الثراء والأبهة ، ينسون كلماتهم بمجرد أن يغادروا منبر الوعظ والخطابة ، وكأن هذه الكلمات التي نطقوا بها ولا تزال عالقة بالجو لا تخصهم ، هي فقط للعامة من الناس ، وهم ما عليهم سوى إلقائها ، وإذا تركناهم لنذهب إلى إخواننا الرؤساء ، وبالطبع أقصد رؤساء بلادنا ، الجالسون داخل أبراجهم العاجية ، وينظرون إلى شعوبهم من أعلى ويستكثرون عليهم حتى الغبراء التي يفترشونها ، أسمع المزيد والمزيد من العجب ، عن الوطن المفدى ، الذي يجب أن ندافع عنه بالدماء ، وأن نبذل له العالي والرخيص ، وأن نشد الأحزمة حتى ينفصل أعلانا عن أسفلنا لأن الوطن لا يزال في طور البناء ، وأن نكتفي بالخبز فقط والأفضل أن نقلل حتى منه حتى يكون البناء أفضل ، وعلينا أن ننتظر مئة عام حتى يعم الرخاء وننعم بالأوزي كما هم ينعمون ، وننعم بالشراب كما يشربون سواءً عصيره أو مسكره ، حقيقي الكثير والكثير يمكن أن يُسمع ككلمات هي والهباء سواء ، لست أعلم إن كنت استطعت أن أوضح ما يعتمل برأسى أم تاهت مني الفكرة ، باختصار أحببت أن أقول أن كل ما يحدث الآن هو مقامة صنعائية ، تتقول الألسنة لكن أصحابها لا يعملون بما يقولونه ، وهل هناك مقامة صنعائية أكثر مما يحدث في سوريا وجامعة الدول العربية تنفر عروقها وينفض الاجتماع ليذهب كل واحد يبحث عن الكبش الحنيذ وزجاجة المسكر بطريقة أو بأخرى أما سوريا فإلي الجحيم ؟!!!!
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة