دراسات …..
د. بليغ حمدي إسماعيل – مصر ….
فرق كبير جدا بين حب الوطن والانتماء الإيجابي له عن طريق بنائه وتشييده ، وبين تلك العصبية القبلية التي تمارس قدرا من الكراهية إزاء الاخرين المخالفين في هذا انتماء محل الصراع ،فالمحبون لأوطانهم ومجتمعاتهم حتى فرقهم الرياضية التي يشجعونها يلتزمون بمعايير الإنسانية وبالقيم الدينية التي حثت عليها كل الشرائع السماوية وحرصت الأديان على تكريسها وتعزيز استخدامها من أجل بقاء أنفع وأصلح للإنسانية نفسها .
لكن ما نرصده في فترة ليست بالقصيرة زمنيا حالات من الانتفاخ الأيديولوجي المضطرب الذي يدعو إلى اتخاذ العصبية منهجا وراية لصحابها في مواجهة الآخر ، الأخطر إن كانت هذه المواجهة في حالات السلم وليست الحرب ، وأقطاب تلك العصبيات من أمثال تنظيم داعش أو بعض الموتورين مذهبيا يستخدمون أسلحة معاصرة بجانب الأسلحة الحربية التقليدية مثل الفضائيات المرئية والمسموعة وشبكات التواصل الاجتماعي والمنابر والصحف الموجهة لعداء الآخر ، حتى أصبحت تلك الأسلحة المعاصرة حاضنات للتطرف وإنتاج الإرهاب وإعداد وتكوين وتأهيل الإرهابيين من أصحاب الأفكار الراديكالية.
لذلك تسعى المجتمعات المدنية المعاصرة اليوم إلى تكريس ثقافة المواطنة ، وعدم الاحتكام إلى العصبيات التي تدمر الأمم ، ويبدو أن بعض المجتمعات الموتورة أو المريضة ثقافيا ولم تتعاف بعد ، لم تفطن أن الإنسان انتقل من حضارة التجمع إلى حضارة أوسع وأشمل هي حضارة التشارك والعيش المشترك القائم على قبول الآخر والتخلي عن عصبية قبلية.
وكلما تقدمت المجتمعات العربية صوب هذه الحضارة الحميدة ، نجد تيارات ومذاهب وجماعات تعيدنا غلى نقطة الصفر المزمنة ، وتعود بنا إلى تاريخ الإنسان الأول الذي لا يؤمن إلى بثقافة جماعته وتأسيس عصبية جديدة ، وهناك أزمة محققة وهي أن العصبية وإن كانت محمودة في بعض الأحايين في تاريخ الإنسان الأول من أجل بقائه العضوي لا المعنوي ، فهي تبدو أكثر خطرا حينما تستحيل إل تعصبا ومن ثم صورة من صور التطرف.
ولا يمكن حصر العصبية الآنية في جماعات وفرق عربية بعينها كتنظيم داعش أو جماعة الإخوان أو جماعة بوكو حرام أو تنظيم الملالي ، أو تلك العصبية العثمانية التي اشتعلت من جديد طمعا في إحياء خلافة زائلة ، بل إن العصبية تشمل أوروبا في صورتها المتطرفة التي بزغت في أثناء ما عرفت تاريخيا بالحروب الصليبية أو بحملات الاستشراق التي اجتاحت ثقافاتنا العربية والإسلامية ، وتاريخ فرنسا نفسه يشهد الصراع بين المذاهب الدينية تحديدا بين الكاثوليك والبروتستانت ، وفي بريطانيا تكفي مشاهدة عابرة لبعض الصحف الإنجليزية لاكتشاف حجم العصبيات السياسية والاجتماعية والرياضية بها وبين طوائفها.
قديما كانت العصبية ، كانت القبلية هي الملمح الأبرز للحياة الاجتماعية عبر عصور التاريخ الضاربة في القدم ، قدم الإنسان نفسه على وجه الأرض التي كانت طيبة أو تلك الأرض التي كتب عنها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مادحا إياها ببساطتها وخصوبتها وبكارتها الاستثنائية ، ويبدو أن العصبية كانت خيارا حتميا لبقاء الإنسان بوصفه أمة تارة ، وأقلية تارة اخرى ، ففي كلا الصورتين مارس الإنسان ويمارس حتى الآن تفكيرا عصبانيا مضطربا .
وبلغت العصبيات القبلية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وصولا إلى العصبيات الرياضية المزمنة إلى حد تفكير بعض المفكرين مثل عالم الاجتماع العربي الأصل فريدريك معتوق إلى اقتراح ما يسمى بمبيد للعصبيات المستعصية تزيلها من الوجود ، فهو في كتابه الشيق ” صدام العصبيات العربية ” يشير إلى أن مساحات كبيرة من عصبياتنا القبلية القديمة بوجوهها المختلفة قد أعيد تأهيلها وتصويرها وصوغها في العقود الأخيرة المنصرمة على نحو ديني ومذهبي بغيض.
ولعل سر بقاء العصبيات في حياتنا لاسيما الاجتماعية والدينية افتقارنا الشديد إلى مبادئ التسامح وقبول الآخر والسعي إلى العيش المشترك ، وهذا الافتقار مفاده الانتشار السرطاني الخبيث لبعض الفضائيات المهووسة بالتعصب الأعمى وإنكار الحقائق وبث الشائعات. والذي لا يدرك بعض أسباب تخلف المجتمعات العربية الراهنة ويحصرها فقط في طبيعة المناهج الدراسية ، لعله يفطن ان السبب الرئيس لهذا التخلف عن الركب الحضاري المسارع هو هذا الصلب المتمثل في العصبية واحتقار الآخر وافتقار الرحمة من القلوب.
والحقيقة أننا لا نريد تشخيص حالتنا الآنية أو حتى الذهاب إلى طبيب متخصص في علم القلوب والأحوال ليكتب لنا تقريرا طبيا يفيد بمرضنا العميق القديم وهو العصبية والقبلية المفرطة التي سرعان ما استحالت إلى تطرف وجنوح صوب الغرور والكبر وجرح الآخرين.
وطفق رواد النهضة منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى وقتنا المأزوم إلى الحديث عن العقل العربي ، ونقده ورصد التحولات التي عصفت به خلال الحروب والأزمات الدولية ، وامتهر هؤلاء بالتنظير المسكين لواقع مسكين بالضرورة ، وانتهوا والحمد لله إلى نتائج أكثر خيبة وفشلا ، لكنهم ابتعدوا كثيرا عن تشخيص الداء أو تجاوز سقف الحقيقة وسبر الأغوار نحو عصبية مقيتة تبدو مقدسة لدى أصحابها.
ومن المضحك في هذا السياق أن مجتمعات بعينها بدأت الانطلاق نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأخذ بمكتسبات التكنولوجيا الحميدة التي تسعى إلى الارتقاء بالإنسان ورفاهيته ، ونحن هنا في بعض مجتمعاتنا العربية في منطقة شرق أوسطية مشتعلة بالصراعات والتيارات والتدخلات الأجنبية أيضا نجدد العهد بعصبيات بليدة باهتة لم تسفر قديما عن جديد يأتي بالخير .
الغريب في الأمر ايضا أن بعض البيئات العربية بدت تربة صالحة لنمو العصبيات وانتشارها في ظل غياب الوعي التعليمي بنشر ثقافة قبول الآخر والعيش المشترك ، وتقاعس بعض المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني في تأصيل قيم المساواة والتسامح الإنساني . ورجوعا إلى كتاب عالم الاجتماع اللبناني فريدريك معتوق ، فإنه يرى أن المجتمعات العربية تعيش مرضها ( العصبيات القبلية ) وتتلذذ به ، بل هي مجتمعات لا ترغب في تشخيصه خشية المساس بالموروثات التي تتعلق بالماضي المقدس.
واليوم في ظل حضارة الصورة ، فإن الفضائيات تلعب أدوارا جديدة غير التوعية والتنوير وتعزيز قيم الانتماء والوطنية ، لاسيما في فضائيات تمول من الخارج والتي يطلق عليها وفق المنظور التأريخي أعداء الوطن ، هذه الفضائيات في حربها ضد الأنظمة العربية القائمة وضد حكامها أيضا تستخدم كافة الأسلحة التي تشيع العصبية وتدعو غلى إحيائها من جديد سواء كانت دينية مذهبية أو سياسية أو اجتماعية أو حتى رياضية وهم بذلك أولى بوصفهم بأهل الفتنة.
الغريب في الأمر أننا وفي إطار وعينا بخطورة انتشار تلك العصبيات القبلية نتأمل في بلادة نحسد عليها تغلغل جذور العصبية بدءًا من نواة الأسرة مرورا بالمدرسة والشارع والجامعة ، انتهاءا إلى استقرار العصبية كعقيدة نؤمن بها ولا نؤمن بتغييرها يوما ما ولو للحظة عابرة .
وأصحاب فضائيات الفتنة التي تبث من خارج المجتمعات العربية تستخدم خطابا تأسيسيا يستهدف الاستمالة ودغدغة مشاعر البسطاء والعامة والعمل على تحريضهم ضد مجتمعاتهم وحكامهم تماما مثلما فعل سيد قطب في كتابه معالم في الطريق حينما سعى إلى تحريض جماعة الإخوان ضد المجتمع المصري والرئيس جمال عبد الناصر . فضلا عن أن هذه الفضائيات العصبية تتقن توصيف العدو من وجهة نظرهم بأسوأ الصفات والأفعال والأقوال ، ونظرا لأن المواطن العربي المكبل بقيود البحث عن حياة كريمة لم يعد يهتم بمصدر الخبر أو التأكد من صحته ، وخصوصا انه يشاهد رجالا موتورين يصرخون عبر البرامج ويقطعون عهدا مع الحقيقة التي هي من وجهة نظري زائفة .
وكم أعجبني ما ذكره المفكر اللبناني فريديرك معتوق مؤلف كتاب ” المعرفة المجتمع والتاريخ ” وكتاب ” مرتكزات السيطرة ” ، وكتاب ” سيولوجيا الفن الإسلامي ” في حواره الصحافي الذي اجراه مع مجلة ( نزوى ) في يوليو 2019 حينما دعا إلى ضرورة محو العصبية قبل محو الأمية في كتابه الأخير ” صدام العصبيات العربية ” ، مؤكدا أن محو الأمية في لبنان والعراق لم يؤد إلى إزالة العصبيات هناك لا في النفوس أو النصوص .
ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد
كلية التربية ـ جامعة المنيا





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

