معارضون بلا رؤية يبيعون الشك – بقلم : د. محمد مسلم الروسان

آراء حرة …
د. محمد مسلّم الروسان – الاردن …
لا أنكر أن حالي كحال البقية من أبناء وطني تابعناً خلال الأشهر الماضية أحد فرسان المعارضة الخارجية المزعومة على مواقع التواصل الاجتماعي، في حلقات بث عديدة تناولت المعارضة خلاها سرد قصص وحكايات كنا نشعر معها أحياناً بأن أحداثها جرت في قصص الخيال العلمي، أو في قارة أطلنطس المفقودة وذكرها أفلاطون في محاوراته.
خلال شربنا للقهوة وتمضية أوقات فراغنا بالاستماع إلى تلك القصص – ولا نريد هنا الخوض في تفاصيلها-  إلا أنها كانت تحمل في طياتها أموراً لا بد من الإشارة إليها، وهي ذات الأمور التي أفرغت تلك المعارضة من محتواها كلياً بالنسبة لي، فالراوي قدم لنا صورة أنه كان إنا صانعاً للكثير من الأحداث في تلك القصص، أو أنه كان مرافقاً لأحد أبرز شخصيات تلك القصص، أو أن تفاصيل القصص كان تأتيه على طبق من ذهب في آخر الليل من أحد الشخصيات الرئيسية في تلك القصص. ولكن مع تعدد تلك القصص لا يحتاج المرء كثيراً من التفكير حتى يدرك أنه من المستحيل لشخص واحد بعينه أن يكون بهذه المواصفات حتى يحيط علماً بكل هذه المعلومات، ويباشرها بشحمه ولحمه، وبخاصة أنها حملت الكثير من التشكيك في الكثير من الشخصيات البارزة في تاريخنا الوطني.
والأمر الآخر الذي لا يمكن تجاهله هو اللعب على وتر العاطفة في الشأن الشخصي، وقد يكون ذلك الشأن هو المحرك الرئيسي وراء سرد كل تلك القصص والتي لم تقدم لنا شئياً سوى المزيد من التشكيك، والإحباط، والتشاؤم في ظروف صعبة تمر بها البلاد، وأرجو من القارئ الكريم أن يلتمس لي العذر على أنني ساستخدم بعض المصطلحات العامية هنا، فلم تخلو القصص من وجود “مسح الجوخ”، و “النفاق المقنن” حاضراً على الدوام، حتى يتم المحافظة على التوازن في القصة ولا يذهب صاحبها باتجاه واحد لا يمكن الرجوع منه، فبقيت الأبواب مشرعة للتصالح مع النظام في الوطن إن تحققت بعض المكتسبات ربما، وبقي التلويح بسرد المزيد من القصص قائماً باستخدام عناوين رنانة لتلك القصص التي سيتم سردها في قادم الأيام إن لم تتحقق بعض المكاسب. وكثيراً من تلك العناوين لم يتم الحديث فيها مطلقاً أو تم إلغاء الحديث فيها، الأمر الذي يؤكد أن شيئاً ما كان يجري خلف الكواليس. وهو الأمر الذي لا يعنينا مطلقاً.
يعنينا أن كانت هناك معارضة محقة أن تكون ثابتة على مبدأ واحد، أبيض أو أسود، وفي الوقت الذي تبدأ فيه المعارضة بشخصنة الموضوعات فإنها معارضة فارغة أساساً وتسقط بالضرورة كـأوراق الشجر في فصل الخريف، ويكفيني أن أشير هنا أنني لم أجد حتى الآن أي معارضة تستحق الالتفاف حولها، فقادة المعارضات المزعومة يميناً ويساراً كثيراً ما نرى فيها أشخاص كانوا على كراسي السلطة، وكان مفهومهم للانتماء بمقدار المكاسب التي يمكن تحقيقها دون ملاحقة أو ملاحظة، وما أن فقدوا تلك المكاسب حتى انبرت أقلامهم تحت شعارات الخوف على الوطن والمواطن، وفي الوقت الذي تُعرض فيه بعض المكاسب على البعض منهم فيختفي إلى غير رجعة.
ولا أنسى هنا أن جنون العظمة دفع ببعضهم إلى مقولة أنه لن يستلم ولا يرغب في استلام أي شأن عام في المملكة، تحت شعارات الزهد وعدم الرغبة في العلو والفساد، على الرغم من أنك تلاحظ في كلامة كمية اللعاب الذي ينهمر على شفتيه في الدخول إلى دائرة السلطة والشأن العام، ولكنه يقنع من حوله بأنه مفكر ومُنظر ليس إلا ولا يبحث إلا عن تحقيق حلم المدينة الفاضلة، وكلامه كسراب يحسبه الضمآن ماء. لأنه يعلم تمام العلم بأنه أصبح خارج التاريخ كلياً وأنه مهما علا صوته لن يعود.
المنظرين جميعاً يعلمون أنه لا حل أو حلول لإخراج البلاد والعباد من الضيق إلى الفرج، يكون بالعمل الجماعي، والعمل الجماعي يحتاج إلى فكر منظم مكشوف وواضح، وما يدور في الغرف المغلقة هو ذات الحديث في الشارع العام، وهذا لن يتحقق إلا بالعمل الحزبي، فإن كان المنظرون يعلمون ذلك ولا يتحثون فهم كاذبون بحديثهم عن مخافتهم على الوطن، وإن كانوا لا يعلمون فهم خارج دائرة الفكر كلياً.
يا هذا نعلم بأن نظامنا ليس دموياً، وكلنا يحب وطننا ولا يزاود أحد على الآخر في ذلك، فلا تضيع أوقتنا في روايات لا تقدم لنا سوى الشك، ولا تحمل في طياتها فكراً ورؤية.