غزو قطر خط أحمر إنجلو أمريكي – بقلم : عبد الحميد العوني

آراء حرة …..
بقلم : عبد الحميد العوني : كاتب وصحافي من المغرب …
قبل استقلال قطر ب 12 سنة ، اعتبرت المخابرات الأمريكية (سي.آي.إيه) نقطة (كيو) أول حرف في اسم هذا البلد العربي باللغة الإنجليزية نقطة ثابتة لا يمكن المساس بها ، وطبقا للوثيقة المؤرخة في الأول من يناير 1959، والمرفوع عنها السرية في الثالث من غشت 2007 من قبل واشنطن ، فإن مكتب مخابراتها في قطر يشمل في تغطيته الدائمة وغير المنقطعة كامل إيران ، ولا يسمح لمكاتب الجهاز في السعودية تحت الرقم (م) أو جزيرة البحرين ، كما كانت تسمى في حينه ، والمرموز إليها بحرب (جي) أو مكتب الكويت المعروف ب إي) ، لأن الإمارات لن تكن ل (السي.آي.إيه) فيها مكتبا ، بأي تدخل في شؤون قطر المحلية ، ولو من أجل المتابعة الموكولة في تنسيقها حصرا لمكتب (دي) في قبرص ، وفي حدود لا تسمح بابتلاع السعودية لقطر ، أو إلحاق إيران للبحرين أو غزو العراق ، المعروف برمز (إف) للكويت ، وشنت الولايات المتحدة حربا ضد صدام حسين في 1990 ، ومنعت أخيرا أي عملية عسكرية سعودية مرافقة لحصار قطر .
وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ ، وفي 20 مارس 1969 ، أي قبل عام من استقلال قطر والإمارات العربية المتحدة رسميا عن التاج البريطاني ، خاضت المملكة المتحدة تقسيما بحريا لمصالح الدوحة وأبوظبي حماية لقطر من أي تحالف سعودي ـ إماراتي .
ويعد الحصار البحري ، مع إغلاق  المنافذ الجوية انطلاقا من الإمارات ، أهم نقط الضعف الاستراتيجي التي عالجها اتفاق 20 مارس 1969 ، المنشور في (حدود البحار) تحت الرقم 18 والقوانين الأساسية للبترول (ألف ـ أو) وفي القانون الدولي لتنمية المحيط تحت الرقم 419 لعام 1976.
وفي النسخة الأصلية المرفوع عنها السرية من ترتيب (كاف) ل (السي.آي.إيه) بتاريخ 25 شتنبر 2012، فإن الاتفاق مكون من  ثلاث صفحات ، وجاء حرفيا بعنوان : الاتفاق حول وضعية خطوط الحدود البحرية والحقوق السيادية على الجزر بين أبو ظبي وقطر ، لأن الإمارات لم تكن اسما رسميا في الاحتلال البريطاني للمنطقة .
ورفض الغرب أي تعديل للاتفاق المذكور في 1993 و 2003 لتختار الإمارات تعليق اتفاق 1969بإعلان حصار الدوحة ، كي تتمكن  في سياستها المتبعة لفرض الواقع من تعليق اقتسام الموارد المشتركة لحقل (البندق) ، لإقرار الاتفاق ب”مساواة الطرفين الإماراتي والقطري” في الملكية المشتركة للحقل المذكور ، ويشترك البلدان المتجاوران في المنطقة المقعرة والمحدبة على الجانب العربي للخليج بمساحة قصوى على حدود الجرف القاري تصل 115 ميلا بحريا طولا ، مع اشتراكهما في أربع نقط متساوية المساحة ترابيا ومائيا، تاركا نقط كثيرة للحاجة الجيوسياسية انطلاقا من الخطوط المتساوية بين حدود إيران وإمارة أبوظبي وقطر ، وأرادت لندن باتفاقيتها حماية الحدود في منطقة غنية بالبترول .
وتقوم بريطانيا بتأمين كامل للدول المذكورة ، على أساس حدودها الوطنية ، وهو ما جعل دراسة (النظام الشرعي للجزر تبعا للقانون الدولي ) الصادر في 1978 تؤكد في خلاصاتها أن الدفاع عن الحدود الوطنية يضمن وحده شرعية الاتفاقيات الموروثة عن الجزر بين الإمارات وقطر تحديدا ، ويضيف كاتبها البروفسور (دي بوينت) إن الحدود الوطنية لقطر هي حدود دولية لا يمكن خرقها تحت أي مبرر ، ولم تتجرأ الولايات المتحدة الأمريكية في تعديل الحدود بين دول الخليج ، رغم رغبتها الاستراتيجية في ذلك .
وبناء على هذا الرأي القانوني ،  تكون الحدود الوطنية لقطر ليست جغرافية تقبل التشكيك لتبرير غزوها ، بل قانونية لغيرها رغم وجود مشاكل حدودية على مستوى الخليج العربي تفصلها مجلة ( جيوغرافيك جورنال) في مقال خاص منشور عام 1954، وتظهر خلاصته أن الحدود القطرية هي الأكثر استقرارا في المنطقة ، ولها الحماية الدولية الكافية ، لأن الملحق الأول حول حقل (البندق) يفيد بترسيمه ، كما أن قدرة العالم على حماية قطر هي حماية مباشرة للقانون الدولي .
وتبعا للباب التاسع من الاتفاق ، فإن ما عدا النص يعد تقديرات تقنية لا غير ، لكن بعض التفاصيل اعتمدت على منهجية التحديد ودفعت إلى أطماع شرعها الباب الثامن رغم حصر المادة القانونية لهذا التقدير  في المنهج  فقط ، ولا يعود بأي حال ، إلى القرار الموكول للاتفاق من 3 نقط أساسية ّ:
1ـ إثارة تعديل “الظروف الخاصة ” لما يسمى الاستعمال الاختياري للمسافات المتساوية ، لكن الفقرة خاصة بالاستثمار في النفط وتقاسم إيراداته حصرا ، وهو ما يجعل أي تأويل قانوني آخر بعيدا عن النقط التي أغلقها الاتفاق .
2ـ تحديد نقط متساوية المسافة من أبو ظبي (أرزنا) وقطر (شرعيوا) بدون قواعد ظاهرة ، وجاءت فقرة “الثلاثة أميال” لحسم هذا الخلاف في قولها حول (دايينا) ، ويمكن لباقي وكل القياسات ذات الصلة أن تكون تقنية .
3ـ أن قول الاتفاق باستمرار اليابسة يجعل حدود قطر والإمارات غير قابلة لأي تأويل متعسف يخبئ خلفه مطامح أو مطامع إقليمية .
وتكاد وثيقة السي.آي.إيه حول الاتفاق ، المرفوع عنها السرية في 25 شتنبر 2018، هي التي خلطت الأوراق عند بعض القادة الخليجيين ، لمحاولة ترجمتها بطريقة غير علمية وغير قانونية ، فيما النص المبثوث فيها حاسم ، من أمور كثيرة ، في مقدمتها :
ـ أن الولايات المتحدة ورثت عن بريطانيا تطبيق الاتفاق ، وكانت أمينة على تفسيره منذ كتابته ونقل تقرير مبوب بخصوصه تحت صنف كريست أو القمة قبل استقلال الإمارات وقطر ، ولا يظهر أن التأويل الذي أبداه بعض الخبراء لصالح الرياض بشأن الاتفاق له ما يبرره .
وقد وضع هذا السيناريو “التدخل العسكري” ضمن آلياته ، لكن الشروط السيادية لحدود قطر قبل استقلالها فرض مراجعة أمريكية أعادت  الأمور إلى نصابها .
ومن الدقيق القول أن استقلال قطر في (3 شتنبر 1971) عن التاج البريطاني قبل أبو ظبي (2دجنبر 1971) لم يكن مصادفة بل إجراء محسوبا لتفعيل إيجابية الطرف القطري في اتفاق 20 مارس 1969.
وقد سعت نفس الأطراف قبل الاستقلال ، وتحت الاحتلال البريطاني ، إلى التدخل لتفكيك الكيان القطري ، مما حدا بلندن إلى إعادة تقدير الوضع ، وترسيم الحدود حماية لقطر ، وبهذا الإجراء تكون حدود قطر حدودا مرسمة من منطوق القانون الدولي الخاص والقانون البحري ، وهو ما أشار إليه الملحق الكندي 175 لعام 1983 ، وأي تجاوز له  من طرف دول  الحصار ، يعد غير قانوني بقدر عدم قانونية حصار دولة خارج مجلس الأمن وجهات الاختصاص الدولي .
وتحاول الدول الإقليمية التي تحاصر قطر ، بقيادة السعودية ، تكرار ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في حصار العراق ، لكن الفارق القانوني كبير وظاهر ومتفرد ، حسب الاتفاقيات الدولية بخصوص قطر قبل استقلالها لتتحول المسألة إلى حصار إقليمي إرادي من أطرافه على دولة جارة متمسكة بتميزها السياسي عن جيرانها ، ودفاعها عن الأمن الاستراتيجي للخليج العربي من خلال (مجلس التعاون الخليجي) رغم عدم طرحه  لقانونية الحصار اتجاه بلد عضو.
ويوازي حصار قطر حصارا  آخر يعانيه اليمن ، وهذه التقنية التي اعتمدتها الرياض برغماتية وغير فعالة ، فالاختيارات بين الحدود لم تعد ليبيرالية ، وتمس أمن الخليجيين دون تمييز ، فمن جهة ، لم ينطلق الحصار من مقاربة ولم تحدد آليته ، وانتصر التمسك ب (الحقوق السيادية) للدولة الخليجية ، بعيدا عن حجمها أو تأثيرها ، لتتحول مشكلة الحصار إلى مشكلة إغلاق الحدود ، وهي حالة غير قانونية انطلاقا من القانون الدولي الإنساني وبروتوكولات منظمة التجارة العالمية .
من جهة ، يعد الحصار عائقا تقنيا للتجارة ، حسب الأدبيات الكلاسيكية لحلقة (أوروغواي) ، وتحول إلى عائق قانوني لأن إثارة (الأمن) في الخلاف الخليجي ـ الخليجي لا يمكن إقراره بدون حجة قانونية ، ، وهو ما يشدد عليه  مراقبو منظمة التجارة العالمية انطلاقا من أمرين :
ـ خلو الدافع القانوني في الخلاف الواقع ين دول الحصار وبين قطر .
ـ وضوح  الحقوق السيادية لقطر ، في مقابل القرارات المنفردة تحت نفس المفهوم لإعلان حصار ضد حليف وشريك وعضو في منظمة يشاركها مع الأطراف القائدة  والمقررة للحصار .
وتجيب الوثائق الأمريكية على عدم قدرة أي طرف خليجي الطعن في سيادة طرف آخر ، ولا تعني المسألة إعلان المملكة على نفس ما قامت به البحرين ، باستشارة السعودية ، لتوحيد الشكل الذي يوجب السيادة ، وهو مرتبط حصرا بالدولة ، ولا علاقة له بالمعنى اللغوي للإمارة ، وفي هذا التقدير لابد للإمارات العربية المتحدة ، أن تكون المملكة العربية المتحدة وعلى ذات المنوال مملكة الكويت ومملكة عمان عوض السلطنة .
وما يدفع به الممارسون لحصار دولة خارج قرارات الأمم المتحدة ، ومجلس التعاون الخليجي لا يمت بصلة لأي قانون أو بروتوكول معهود وساري المفعول ، وقد فاجأ سكوت الرأي القانوني عن الخطوة بعض المحللين ، لأن الوصول إلى غزو واجتياح (قطر) خط أحمر رسمته بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ، مستندين  إلى ما سبق ، وإلى خلاصات أخرى متمثلة في العمل الأمريكي البريطاني المتوازن مع أطراف الخلاف ، بعيدا عن طرح الوجهة القانونية ، لأسباب منها :
1ـ أن المسألة الحدودية لم تكن مطروحة بين قطر وجيرانها ، والخلاف ليس على الحدود الترابية ، بل على حدود التأثير الاستراتيجي والحدود الجيوسياسية بين الرياض والدوحة .
2ـ أن الأمريكيين  وصلوا بعد مدة مع مستشار الأمن القومي الأمريكي (جون بولتون) إلى ما قد يسمى (الحياد المتفاعل ) ، ففي مقابل الحياد البريطاني تعامل الأمريكيون مع الحصار كوضع قائم لا داع للاستثمار في تغييره ، فيما تدعم واشنطن وغيرها من العواصم الغربية العاصمة الدوحة لتجاوز آثار الحصار ، وخلق ترتيبات لاحتمال مواصلة الفصل الاقتصادي بين قطر وجارها الإماراتي تحديدا ، بعيدا عن الشقيق الأكبر السعودي لتوسيع مجاله الجيوسياسي في حرب اليمن ، وظهور خلاف حول الفيدرالية المتوقعة في هذا البلد المحاصر بين نظرة إماراتية متصالحة مع هذا النوع من التدبير ، ونظرة سعودية مركزية ولا تقبل بناء كيان غير مركزي يهيء الرياض إلى نفس التحول.
ومن المعروف أن مثل هذا التوجه يدعوا إليه  مسلمون من خلال الإعلان عن مكة والمدينة منطقة دولية ، أي بنفس ما ستكون عليه القدس في صفقة القرن .
وحسب الحبراء ، فإن حصار قطر مسألة وقت ، لأنه غير مؤطر قانونيا ، وأي تحول سياسي سيكسره ، وفي انتظار هذه اللحظة ، ستكون نهاية الحصار نهاية حرب باردة مع استمرار الثوابت الاستراتيجية لفترة ما قبل الاستقلال عن التاج البريطاني  ، ويكون  (غزو قطر) سي من الماضي ، بفعل تثبيت التوجهات الخليجية الجديدة على ثوابت وكلاسيكيات  الخارطة ، وهي رسالة أمريكية وغربية لجميع الخليجيين ، وقد دافعت بريطانيا بصمت وحنكة عن بالانتصار لوديعتها التاريخية عام 1969، وانتهت إلى إقناع واشنطن بالعمل على خرائط سايس بيكو ، في العراق وسوريا واليمن، والاتفاقيات المرافقة للحدود بين الدول العربية والخليجية،  لأن عدم الرجوع إليها يهدد بحروب مفتوحة بالمنطقة .
ومن المهم في نظر لندن وواشنطن  ، إغلاق هذا القوس نهائيا في انتظار تجميد الحروب الأهلية  المشتعلة ، كي لا تسمح بعد روسيا في سوريا للصين ، وعبر إيران ، في ابتلاع الخليج ، وترى وترى الإدارة الأمريكية  قطر ضمن درعها الجديد المعول على ديناميكيه ضد (الخطر الأصفر)،  وكشف (جون بولتون ) حصار هذا الخطر في أفريقيا وتحفظ عن كشف النقط السبعة لحصار التأثير الصيني  في الخليج العربي ، وقد قدم  قطر لتكون في استراتيجيته المتوازنة والعميقة،  وهو ما يؤكد النهاية الاستراتيجية لحصار قطر .