مِنْ فُصُولِ تَجْدِيدِ الخِطَابِ الدِّينِيِّ – بقلم د. بليغ حمدي اسماعيل

دراسات ….
الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل – مصر *
ما العلاقة بين قضية تجديد الخطاب الديني التي أرهقت الوطن والمواطن على السواء وبين الكاتب التشيكي فرانز كافكا ( 1889 ـ 1924) الذي عُرِفَ بالتشاؤم في إبداعه ؟ هذا ما تنطوي عليه السطور المقبلة . فلقد جاءت في ترجمة الكاتب التشيكي فرانز كافكا Franz Kafka  أنه من أعظم كتاب الحركة التعبيرية ، ورائد الكتابة ( الكابوسية ) لاسيما في تاريخ الأدب الألماني في مجالي الرواية والقصة ، وربما حياة كافكا المليئة بحوادث القهر واليأس والعمل بمهن لم يرها مناسبة لقدراته من مثل عمله بإحدى شركات التأمين ومرضه الطويل بداء السل أكسبته الحزن العميق والسوداوية المطلقة مرورا بالتشاؤم المستدام ، انتهاء بوصيته لصديقه الوحيد ماكس برود الذي اعتنى بنشر قصصه ورواياته ، رغم أن تلك الوصية أكدت على ضرورة تمزيق وحرق كل ما كتبه فرانز كافكا بخط يده .
وعبر الرحلة في أعمال كافكا الروائية والقصصية الكثيرة والمتنوعة يمكننا الوقوف على ثمة إشارات وإحداثيات رئيسة ، منها استعمال اللغة الطبيعية المهجورة التي لم تكن تتسم بالتداولية وقت كتابة أعماله ، وأن صورة العالم في كتاباته كانت اشد تطرفا وصرامة وربما في بعض الأحايين انفصامية أيضا . ومن الإحداثيات أيضا ظهور المدينة بمعادلها الموضوعي العام وهو الوطن بصورة تبدو شديدة السلبية ، وإذا كنا نصف أحيانا بل دائما الخطاب الديني الراديكالي المتطرف بأنه عصبي في رؤيته الحادة للمجتمع فإن فرانز كافكا أحد رواد الحداثة الأوائل في عالم الإبداع الأدبي في القرن العشرين كما يذكر المترجم يسري خميس هو أكثر عصبية حينما يصف المجتمع ويلقي بظلاله الحادة والصارمة على قوانين وحراك هذا المجتمع.
حسنا ، فالعلاقة هنا بدت أكثر وضوحا وأنا أشير إلى بعض الأصوات التي تعجبت ولا تزال في عجبها ودهشتها التي لا تنقضي بسبب أية إصلاحات ملموسة تتم على أرض مصر ، سواء كانت هذه الإصلاحات تتعلق بالبنية التحتية أو بالخطاب الديني ، أو بالثقافة عموما. وتلك الأصوات والأقلام والوجوه التي تظهر بالضرورة عابسة واجمة من أية تطورات وتحديثات تقوم بها الإدارة المصرية هي أقرب من كابوسية كافكا التي تنتشر في مجمل أعماله الأدبية من حيث الاكتئاب وعدم الجدوى والسلبية من الفعل الإنساني برمته.
وإذا كانت مصر شعبا وحكومة تفاخرت مطلع يناير / كانون ثان من هذا العام الجديد بافتتاح أكبر مسجد وكنيسة في مصر المحروسة ، وهو بلا شك حدث فريد وجميل تاريخيا وجغرافيا سيجل التاريخ تفاصيله بالضرورة ، فإن هذا يدفعنا إلى ثمة إحداثيات أخرى تبدو أكثر أهمية متزامنة مع تشييد هذين الصرحين الكبيرين . فمنذ أكثر من ثلاث سنوات وكافة قطاعات الدولة ووسائل الإعلام المتباينة طفقت تتحدث عن حتمية تجديد وتطوير الخطاب الديني بحجة أن الخطاب الديني السائد والبائد والذي أنتجه بعض الراديكاليون والأشد تعصبا وتحجرا ساهم بشكل كبير في جمود الفكر وتحجيم إعمال العقل وصولا إلى أقصى حالات ومشاهد التعصب والتطرف انتهاء بحد تكفير الآخرين المخالفين في الرأي وربما في العقيدة أيضا .
والمسجد والكنيسة ، بعيدا عن تراتبية الكلمة ، أي أيهما أسبق في الترتيب اللغوي داخل المقال هروبا من اقتناص الكثير من الموتورين والمتهوكين ومدعي التفكير ، بحاجة ماسة وعاجلة إلى معالجة فكرية ودينية تناسب الحدث العظيم الذي تم نقله عبر التليفزيون المصري إلى كافة بقاع الكرة الأرضية المعمورة والمأهولة بالبشر .
وأنا أظن أن مسألة تجديد الخطاب الديني أشبه بالطفل اليتيم الذي يبحث عن الطمأنينة والأمن والرعاية المستدامة ، وهذه المشاعر أتت بفضل عدم وجود تشريعات حاسمة ـ جدا ـ لتقنين التطوير والتجديد والخطابة ، ورغم أن المسئولين دينيا وإداريا عن قضية التجديد يؤكدون أن هناك ثمة تشريعات وضوابط وشرائط وقواعد تقنن الخطابة الدينية سواء في الكنيسة أو المسجد ، إلا أنني أشك في تفعيل هذه الضوابط ، وخصوصا أن بعض وسائل الإعلام متضامنة مع شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك تقف كجبهة مناوئة ومعارضة لأية محاولات تستنهض الخطاب الديني المعاصر .
وأنا أعترف بأن الأزهر والكنيسة المصرية تسعيان من أجل توحيد الصف الوطني ، وتحضان على التمسك بقيم الدين الأصيلة والرصينة ، وهذا لا شك فيه ، ولاشك أيضا في جهود كل من الشيخ الإمام الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا تواضروس في التجديد من أجل المساهمة في بناء الإنسان المصري ، لكن تسيطر نزعات فرانز كافكا الكابوسية على المشهد الديني في مصر ، ولماذا كافكا بالتحديد ؟ لأنه روائي وقاص نزع إلى التشاؤم والحيرة وأحيانا الكآبة في رواياته الرائعة ، لذا فإننا بحق بحاجة ماسة إلى تشريعات ليست برلمانية بل رئاسية من أجل تحقيق الهدف من تجديد الخطاب الديني .
وقضية التجديد تذكرني دوما بقصة سور الصين العظيم لفرانز كافكا المتشائم دوما أيضا حتى وفاته مريضا بداء السل ، لأنني أجد كثيرين من أساتذة الجامعة المنوط بهم تجديد عقول الطلاب وتنوير المجتمع وهم على قناعة تامة بأن تجديد الخطاب الديني مجرد رفاهية نظرية أشبه بطروحات الفلاسفة ، وبالمناسبة أنا أمقت تلك الطروحات البليدة والباهتة والمكرورة التي لم تخرج يوما واحدا عن ما قاله الأصولي ابن رشد الذي يعتقد كثيرون انه من المجددين بالرغم من أن مجمل ما ذكره لم يخرج عن أفلاك التعالي والتعصب لرأيه والبعد عن الحجة . المهم أن هؤلاء الأساتذة يعتقدون أن خطابنا الديني المعاصر بخير وبعافية ولذلك هم أول الناس الذين هاجموا فكرة المسجد والكنيسة ليس من باب اعتبارهما بيتين من بيوت الله ، لكن بحجة لماذا بناء مسجد وكنيسة هذا لأنهم أسرى تشاؤم كافكا المكتئب .
وربما أتفق معهم بعض الشئ في نزعة التشاؤم وأحيانا أخرى في الإعجاب بفرانز كافكا ، لأنني أتوقع رد فعل متوافق مع تشييد صرحين كبيرين في منطقة جديدة أيضا ، لأن هذا يتطلب تجديدا آخر على مستوى الخطاب الديني الذي يقلل من نزعات التعصب ويقضي على الكراهية للآخر ، وأخيرا يستهدف الوحدة الوطنية الأمر الذي يعود بالنفع والخير على مصر المحروسة . وهذا لا يأتي إلا من خلال المؤسسة الدينية في مصر ، وأرى أن الأزهر الشريف يسير في اتجاه وتسير وزارة الأوقاف في اتجاه مغاير ، متغافلا مسار الكنيسة المصرية لأن تتبع مسارات التجديد بها يتطلب وثائق وبيانات ومعلومات تمتلكها الكنيسة المصرية ورجال الدين المسيحي فحسب وهذا يدخلنا ـ جميعا ـ في حيز اللغط والخطأ .
لكن بالعودة إلى مساري التجديد بين الأزهر الشريف الذي أتوافق معه تاريخيا منذ الجهود التنويرية للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الذي لا أمل من الحديث عنه ، وصولا إلى الإمام الدكتور أحمد الطيب الذي يتعامل مع فكرة التجديد بقدر رائع من الحكمة والتأني والتروي ، مستندا إلى حجج وأدلة وبراهين تدفني وغيري إلى التلاحم مع ما يؤكده ويسرده في هذا الشأن . وبين وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المصرية التي ترى التجديد ـ حسب ظني ـ  التي ترى في التجديد أمورا أخرى قد لاتجد صدى طيبا لدي مثل خطبة موحدة ، وأخرى مكتوبة ، وثالثة حسب المناسبة ، ورابعة متصلة بالخطيب ، وأيضا آذانا موحدا بحجة فوضى الأصوات أو دوافع أخرى لا أعلمها ، وبين إصدارات ثقافية ظاهرها التنوير والتجديد وباطنها موضوعات تعبير تصلح لطلاب المدارس الإعدادية والثانوية وهذا بالطبع لا يقلل من شأن المجهود الذي تبذله الوزارة ورجالاتها المخلصين للعقيدة والوطن .
خلاصة الأمر ، لابد من تأسيس تشريعات تقنن وتضبط فعل التجديد حتى يتخلى المتشائمون عن تشاؤمهم ، ويتدافع المتحمسون في تدافعهم . تحيا مصر
* أسْتَاذُ المَناهِجِ وطُرُقِ تَدْرِيسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المُسَاعِدِ
BACEL21@HOTMAIL.COM